Skip to main content
نبيل غانم. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

إسرائيل تعود إلى نصب الكمائن قرب ثغرات الجدار المعروفة لها وجنودها يقتلون بنيرانهم نبيل غانم (53 عاماً)

نبيل غانم. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
نبيل غانم. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

كان نبيل غانم (53 عاماً) من سكّان قرية صرّة الواقعة غربيّ مدينة نابلس. في يوم الأحد الموافق 19.6.22، نحو السّاعة 10:00، حاول أن يجتاز جدار الفصل عبر ثغرة فيه قرب حاجز قلقيلية (DCO ، "إيال") لكي يدخل إلى إسرائيل ويُطالب مشغّله بدفع مستحقّات له عن عمله لديه دون تصريح. ما أن اجتاز نبيل السّلك اللولبيّ الشائك في الجانب الشرقيّ من الجدار حتى أطلق جنود من كمين عدّة رصاصات نحوه ونحو عمّال آخرين كانوا معه. أصيب نبيل غانم في النصف العلويّ من جسده وفوراً أخلاه جنود إلى مستشفى "مئير" في "كفار سابا". بعد وقت قصير توفّي متأثراً بجراحه. احتجزت إسرائيل جثمان نبيل غانم حتى 23.6.22، بعد أن برّرت إطلاق النار عليه بحجّة أنّه قام بتخريب الجدار وحاول العبور إلى إسرائيل. بعد قتله، سحبت إسرائيل تصاريح اثنين من أبنائه.

نبيل غانم هو العامل الفلسطينيّ الثاني الذي قُتل خلال الشهرين الماضيين بنيران الجنود وهو يحاول عبور جدار الفصل ليدخل إلى إسرائيل. في 8.5.22 أطلق جنود النيران نحو محمود عرام (27 عاما، من سكّان خان يونس لكنّه كان يقيم خلال السّنوات الأخيرة في مخيّم عقبة جبر للّاجئين) بعد أن حاول عبور الجدار قرب فرعون، وفقاً وفقاً لأقوال الجيش. وقد توفي محمود في مستشفى "تل هشومير" في وقت لاحق من اليوم نفسه متأثراً بجراحه. في هذه الحالة أيضاً احتجزت إسرائيل جثمان الضحيّة ولم تسلّمها لعائلته سوى في يوم 11.5.22 .

عند الجدار الفاصل، طبّقت إسرائيل طيلة أشهرٍ أربعة أشهر، من نيسان إلى تمّوز 2022، سياسة إطلاق نار متساهلة تسمح بإطلاق الرّصاص الحيّ نحو النصف السفليّ من أجساد الفلسطينيين الذين يجتازون ـ أو يحاولون اجتياز ـ الجدار. سبب هذا التغيير، وفقاً للادّعاء الرسميّ، هو عدّة عمليّات نفّذها فلسطينيّون تمكّنوا من الدّخول إلى إسرائيل بهذه الطريقة. في أعقاب هذا التغيير، طرأ في الأشهر المذكورة ارتفاع في عدد الفلسطينيّين الذين جُرحوا أو قُتلوا بالرّصاص الحيّ. يُستفاد من تقارير وسائل الإعلام أنّه إضافة إلى نبيل غانم ومحمود عرام اللّذين قُتلا جرّاء إطلاق النيران، هناك 15 فلسطينيّاً جُرحوا جرّاء ذلك أيضاً. و للمقارنة، نورد هنا معطيات هيئة الأمم المتحدة* التي تفيد بأنّه خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2022 جُرح قرب الجدار فلسطينيّ واحد فقط.

في الماضي، كما في الأشهر الأخيرة، كانت هنالك فترات وثّقت بتسيلم خلالها حالات إطلاق نار نحو فلسطينيّين اجتازوا أو حاولوا اجتياز جدار الفصل عبر ثغرات فيه. يبدو أنّ إسرائيل تقرّر، لاعتباراتها هي، أنّ تتيح أحياناً مرور آلاف العمّال الفلسطينيّين عبر ثغرات جدار الفصل وأن تمنع ذلك أحياناً أخرى، أو تحاول ذلك. عندما صدر القرار بمنع العبور، بدأ تطبيقه بواسطة إطلاق الرّصاص الحيّ أيضاً.

كما قالت بتسيلم من قبل: مهما كانت الذرائع التي تسوقها إسرائيل لتبرير إطلاق النار هذا، إلا أنه لا سبيل لتبرير استخدام الرّصاص الحيّ بشكل مخالف للقانون ضدّ فلسطينيّين كلّ ما يريدونه هو أن يدخلوا إلى إسرائيل عبر ثغرات في جدار الفصل - غالبيّتهم العظمى عمّال يريدون العمل في إسرائيل. لا يحصل إطلاق النار هذا بمبادرات فرديّة يقوم بها جنود أو ضبّاط في الميدان وإنّما هو تطبيق لسياسة معلنة قد تمّت صياغتها وبلورتها بتصديق من أعلى المستويات، ولذلك من الواضح أنه لا يجري محاسبة أحد على قتل أو جرح فلسطينيّين. لن يُحاسب أحد أيضاً بعد انتهاء الشرطة العسكريّة من التحقيق الذي شرعت في إجرائه بعد قتل نبيل غانم، وفقاً لما نُشر في وسائل الإعلام - لأنّ نهاية هذه التحقيق معروفة سلفاً ـ طمس حقيقة القتل.

 

الجدار الفاصل في المنطقة التي أطلق فيها الجنود النار على نبيل غانم وأردوه قتيلاً. تصوير: عبد الكريم السعدي، بتسيلم، 6.7.22
الجدار الفاصل في المنطقة التي أطلق فيها الجنود النار على نبيل غانم وأردوه قتيلاً. تصوير: عبد الكريم السعدي، بتسيلم، 6.7.22

جاء نبيل غانم إلى حاجز قلقيلية بصُحبة ابنه حيث اتّفق أن يلتقي هناك ي. ع. (54 عاماً)، من سكّان صرّة، لكي يتوجّها من هناك للبحث عن طريق لعبور الجدار. 

"ي. ع." من سكان صرّة يبلغ من العمر 54 عاماً، التقى بنبيل غانم عند حاجز قلقيلية ومن هناك انطلقا للبحث عن ثغرة يمكنهما اجتياز الجدار الفاصل من خلالها. في إفادة أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي في 2.7.22، روى "ي. ع.": 

في ساعات الفجر من يوم الأحد، التقيت نبيل غانم وابنه معتصم عند حاجز قلقيلية. جلسنا هناك قبالة أحد المحلّات التجاريّة وانتظرنا لكي نمرّ عبر إحدى ثغرات الجدار القريبة من الحاجز. بقينا هناك إلى أن طلع الصّباح. وقد انضمّ إلينا شابّ من بلدتنا يُدعى "م. ر." وشابّان آخران لا أعرف من أيّ بلد هُما. قال أحد الشابّين إنّه يعرف مكان ثغرة في الجدار. صعدنا إلى سيّارة أقلّتنا إلى هناك وطلبنا من السّائق أن ينتظرنا. تنبّهنا إلى وجود جنود في كمين قرب الثغرة وسمعنا طلقات رصاص. قال نبيل إنّ في الأمر خطورة وإنّه ليس مستعدّاً للعبور من هناك. عُدنا إلى السيّارة التي أوصلتنا ورجعنا إلى الحاجز. 

تحدّثنا مع وسطاء يعرفون مواضع الثغرات في الجدار ويُرشدون إليها العمّال ليمرّوا. ذهب عدد من الأشخاص، بضمنهم معتصم، لكي يحاولوا المرور عبر إحدى الثغرات، لكنّهم عادوا بعد نصف ساعة تقريباً وقالوا إنّه يوجد هناك جيش وإطلاق رصاص. قال معتصم إنّه يريد العودة إلى المنزل لأنّ الوضع خطير منذ الصّباح. شربنا قهوة وتناولنا وجبة فطور معاً. اقترح "م. ر." أن نعود إلى الثغرة لربّما يكون الجيش قد غادر في هذه الأثناء. ذهبنا وحاولنا المرور عبر أراضٍ زراعيّة متاخمة للجدار، لكنّنا سمعنا فجأة شبّاناً يصيحون "جيش! جيش!" فرجعنا إلى الخلف لأنّنا خفنا أن يقبض الجنود علينا. 

كان نبيل وشابّ آخر لا أعرفه متلهّفين جدّاً للدخول فواصلا التجوال في المنطقة لكي يعثرا على ثغرة يمكنهما المرور عبرها. سمعت أحد الشبّان يقول "من يُريد، هناك طريق للعبور". قلت لهم ألّا يذهبوا لأنّ الوضع خطير، لكنّ نبيل لم يستمع إليّ. كان الشابّ يدعس على  الشبكة، على بُعد نحو عشرين متراً منّي. توجّه إليه "م. ر." ونبيل وشابّان آخران. رأيت الشابّ الذي كان يدعس على الشبكة يعبُر، وأيضاً نبيل. بعد ذلك سمعت ثلاث أو أربع طلقات رصاص. لست متأكّداً من عددها، فاستدرت فوراً ولذت بالفرار. في أثناء فراري سمعت شخصاً يقول "أوّاه! لقد متّ". خفت أن يلحق الجنود بنا ويُمسكوا بنا أو يطلقوا  النار علينا. أرشدني بعض الشباب كيف أصل إلى الشارع الرئيسيّ ومن هناك اعتليت سيّارة وعدت إلى منزلي. 

في طريقي إلى المنزل كنت أتصفّح شبكات التواصُل الاجتماعيّ وهكذا علمت أنّ هناك جريحاً من العمّال الذين حاولوا اجتياز الجدار. أدركت أنّه نبيل. كنت مصدوماً. لقد جالسته وشربنا القهوة معاً أكثر ممّا جالست أفراد أسرتي. نحن نبيت معاً أسابيع في إسرائيل، منذ سنوات. لاحقاً علمت أنّه استُشهد. 

"م. ر." شابّ أعزب (21 عاماً) يقيم في قرية صرّة. حاول اجتياز الجدار عبر إحدى الثغرات لأنّه لا يستطيع الحصول على تصريح دخول للعمل في إسرائيل لأنه لا يستوفي الشروط التي حدّدتها إسرائيل؛ ولذلك فقد دخل إلى إسرائيل عبر الثغرات في الجدار. 

أدناه يحدّث "م. ر." عمّا جرى في ذلك الصّباح. من إفادة أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي في 20.6.22:

نحو السّاعة 10:00 توجّه أحد الشبّان إلى السّياج وداسه برجله لكي يعبر إلى الجانب الآخر. بعد أن تمكّن من العبور نادانا لكي نمرّ نحن أيضاً فسرنا في اتّجاهه. كان يسير أمامي شخص من قريتنا يُدعى نبيل غانم. وضع نبيل قدمه على السياج      وعندئذٍ سمعت أربع طلقات رصاص. شاهدت ثلاثة جنود يختبئون في مكان منخفض خلف السّياج، على بُعد 7-10 أمتار منّا. لم يكن أمامي خيار سوى الفرار. استدرت وركضت دون توقّف، إلى أن ابتعدت عن المكان. 

لم أعرف ما الذي جرى مع نبيل. كلّ من كانوا معي لاذوا بالفرار. قرّرت أن أعود إلى المنزل لأنّني خفت كثيراً ممّا حدث. بعد نحو ساعة هاتفت سائقين يعملون في المنطقة فقالوا إنّه  يبدو أنّ هناك جريحاً لإنّهم رأوا سيّارة إسعاف. لاحقاً علمت عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ أن نبيل قد استُشهد. في اليوم التالي اضطُررت أن أتوجّه مرّة أخرى إلى الجدار فأنا لا أستطيع أن أبقى بلا عمل ومشغّلي مدين لي بمستحقّات وإن لم أذهب فلن أحصل على المبلغ الذي هو من حقّي. هكذا هي حياتنا. لا توجد أمامنا خيارات أخرى. 

معتصم غانم (23 عاماً) هو ابن الضحيّة نبيل غانم ويعمل قصّاراً. في يوم الحادثة غادر معتصم المنزل مع والده عند الفجر متوجّهين إلى جدار الفصل وعند السّاعة 5:00 صباحاً وصلا إلى الحاجز. 

أدناه يحدّث معتصم غانم عمّا جرى. من إفادة أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي في 27.6.22: 

معتصم غانم وإخوته. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 6.7.22
معتصم غانم وإخوته. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 6.7.22

حدّثنا سائقون يعملون في المنطقة أنّه توجد ثغرة في الجدار في منطقة تسمى "أبو العدس" فتوجّهنا إليها. كان هناك عمّال آخرون يحاولون الدّخول إلى إسرائيل. عندما كنّا على بُعد 200 متر من الجدار سمعت إطلاق رصاص ولكن لم أعرف ما الذي يجري بالضّبط. عُدنا إلى السيّارة ورجعنا إلى منطقة الحاجز حيث تناولنا وجبة الفطور. طلب والدي "شنيتسل" وأنا طلبت فلافل. انتظرنا حتى السّاعة 6:30 تقريباً ثمّ ذهبت لأفحص الوضع في ثغرات أخرى قرب الحاجز لكنّني رأيت جنوداً يقفون عندها جميعاً. هاتفت والدي وقلت له إنّنا لن نتمكّن من العُبور فطلب منّي أن أرجع إلى حيث هو. عندما وصلت بالضبط جاءت حافلة قلقيلية فأشار والدي لسائقها أن يتوقّف وطلب منّي أن أصعد إلى الحافلة وبدوري طلبت منه أن يأتي معي. لكنّ والدي أراد البقاء لكي يحاول عبور الجدار مرّة أخرى والتوجّه إلى مشغّله لكي يحصّل منه مرتّبه ويساعد به أخي معتزّ (31 عاماً) في شراء شقّة. صعدت إلى الحافلة وعدت إلى المنزل. 

عند السّاعة 8:30 صباحاً اتّصل بي والدي لكي يسأل إن كنت قد وصلت إلى المنزل. قلت له نعم وهو قال لي إنّه لا يزال يتحيّن فرصة لعبور الجدار. طلبت منه أن يعود إلى المنزل وكفى لكنّه قال أنّه سيتمكّن من العبور بعد قليل. بعد أن أنهينا المحادثة عدت لأكمل نومي. استيقظت عند السّاعة 11:00 وهاتفت والدي لكنّه لم يردّ. كان هاتفه مغلقاً. قلقت كثيراً لأنّ المرّات القليلة التي لم يردّ فيها والدي على الهاتف كانت حين كان موقوفاً أو معتقلاً. هاتفت "م. ر."، الشخص الذي التقيته في الصّباح قرب الجدار، فقال لي إنّه رأى والدي يجتاز ثغرة في الجدار ثمّ سمع إطلاق رصاص وفرّ من المكان. وأضاف أنّه سمع لاحقاً عن سيّارة إسعاف قد وصلت إلى الموقع وأنّه يعتقد أنّ الجنود اعتقلوا والدي.

لم أصدّق ما قاله. خرجت من غرفتي فوجدت والدتي وأخواتي وأخي معتزّ يجهشون بالبكاء. حين سألتهم ما الأمر قالوا إنّ والدي قد أصيب. قلت لهم "هذا غير معقول". حتى بعد أن مضت ساعة أخرى ونشرت شبكات التواصُل الاجتماعي خبر استشهاد والدي والجميع يبكون، كنت لا أزال غيرَ مصدّق. قلت إنّ والدي معتقل ولم يحدث له شيء، ولكن سرعان ما أخذ يتوافد إلى منزلنا الأقارب والأصدقاء والجيران وإذّاك استوعبت حقيقة أنّ والدي قد توفّي. 

رفضت إسرائيل تسليمنا جثمان والدي وكأنّما لا يكفينا حزننا على وفاته. في مديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة قالوا لنا إنّ إسرائيل تحتجز الجثمان لأنّ الجيش قال إنّ والدي "إرهابيّ" وأراد أن يقطع السّياج. فقط في اليوم الرّابع لمقتله، في ساعات المساء، سلّمتنا مديريّة التنسيق والارتباط الإسرائيليّة الجثمان في حاجز حوّارة. لم يكن والدي إرهابيّاً. كلّ ما في الأمر أنّه عمل في إسرائيل دون تصريح طوال 35 عاماً وكان دائماً يذهب إلى مكان عمله عبر ثغرات في الجدار لكي يعيلنا. لقد اعتُقل مرّات عديدة في إسرائيل لأنّه لا يحمل تصريح عمل. الاعتقال الأخير كان في العام 2018 وقد استمرّ شهرين. رغم ذلك كان والدي دائماً يعود للعمل في إسرائيل لأنّه لا توجد لدينا خيارات أخرى فنحن لا نعثر على عمل في الضفة الغربيّة وإن وُجد فهو متقطّع والمرتّب متدنٍّ جدّاً. نحن  نريد فقط أن نعمل لنعيش مثل بقيّة الناس في هذا العالم. 

* وفقاً لقاعدة بيانات حماية المدنيّين التي يديرها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانيّة في هيئة الأمم المتحدة. 

تحديث: في 1.7.22 نشرت وسائل الإعلام أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة قد باشرت التحقيق.

المكان