Skip to main content

دبّابات في حوش البيت: التدريبات العسكرية روتين حياة في الأغوار الشمالية

منذ سنين يجري الجيش تدريبات عسكريّة في مناطق الأغوار وخاصّة في الأغوار الشماليّة. مساحات شاسعة في الأغوار الشمالية جرى تصنيفها كـ"مناطق إطلاق نار" - وبضمنها أراضٍ متاخمة للفارسية والمالح ...
قراءة المقال كاملاً العودة إلى وضع الفيديو

دبّابات في حوش البيت: التدريبات العسكرية روتين حياة في الأغوار الشمالية

منذ سنين يجري الجيش تدريبات عسكريّة في مناطق الأغوار وخاصّة في الأغوار الشماليّة. مساحات شاسعة في الأغوار الشمالية جرى تصنيفها كـ"مناطق إطلاق نار" - وبضمنها أراضٍ متاخمة للفارسية والمالح والعقبة - لكنّ التدريبات تجري أيضًا خارج تلك المناطق بما في ذلك محيط قريتي بردلة وعين البيضا.

منذ تشرين الأوّل 2017 صعّدت إسرائيل وتيرة التدريبات في المنطقة. في الأشهر التي انقضت منذئذٍ تجري التدريبات في مناطق متاخمة لـ11 تجمّعًا سكّانيًّا وثلاث قرى فلسطينية في الأغوار الشمالية حيث يسكن نحو 7500 فلسطيني. إضافة لهذا فقد أخذ الجيش يجري تدريباته تلك في مناطق أقرب من ذي قبل إلى منازل السكّان مستخدمًا أيضًا مدرّعاته أكثر. وثّقت بتسيلم في الأشهر الأخيرة تدريبات عسكرية اشتملت على نشر قوّات من سلاحَي المشاة والمدرّعات وإطلاق قذائف صاروخيّة واستخدام النيران الحيّة في أراضٍ زراعيّة تمت فلاحتها وفي المراعي وقرب المنازل. خلال هذه التدريبات تغلق قوّات الأمن الطرق التي يستخدمها السكّان الفلسطينيون بمكعّبات الإسمنت وتطلق النيران الحيّة.

درج الجيش في السنوات الأخيرة على إخطار السكّان قبل إجراء التدريبات في محيط مساكنهم طالبًا منهم إخلاءها وأخذ مواشيهم معهم وكانت هذه الإخلاءات تُثقل على السكّان وتعرقل مجرى حياتهم الاعتياديّ وتعرّضهم للمخاطر. غير أنّ الجيش منذ تشرين الثاني 2017 يمتنع حتّى عن اتّخاذ مثل هذا الإجراء الأساسيّ، إذ شرع يُجرى تدريباته قرب منازل السكّان دون إخطارهم مسبقًا وهو يدرك أنّه بذلك يعرّض حياتهم للخطر. في الأشهر المذكورة وثّقت بتسيلم على الأقلّ ستّة تدريبات عسكريّة جرت عند تخوم المنازل في اثنين منها توغّل الجيش تمامًا بين منازل السكّان. هكذا على سبيل المثال وُثّقت يوم الثلاثاء الموافق 12.12.2017 قوّات من سلاحَي المدرّعات والمشاة تتدرّب بين منازل السكّان في قرية عين البيضا في الأغوار الشمالية. وفي صباح الأربعاء الموافق 27.12.2018 وُثّق جنود جنوبيّ قرية العقبة على بُعد نحو 200 متر من منازل السكّان وداخل أراضٍ زراعيّة. لاحقًا في اليوم نفسه وُثّق جنود على بُعد أمتار معدودة من مدرسة قرية تياسير وفي 5.2.2018 أجرى الجيش قرب الفارسية تدريبًا اشتمل على إطلاق قذائف صاروخية كثيرة من مسافة نحو 100 متر عن منازل السكّان ملحقًا أضرارًا كبيرة بمزروعاتهم.

Thumbnail
طفل ينظر إلى ناقلة جنود قتاليّة في الفارسيّة. تصوير: عارف ضراغمة، بتسيلم، 7.2.2018

تواتر التدريبات العسكرية داخل المراعي والأراضي الزراعية يقلّص المساحات المتوفّرة للرّعاة ويتلف المزروعات. تقليص مساحات الرّعي يمسّ بمصادر رزق السكّان إذ يضطرّون لشراء الأعلاف لقطعانهم بديلاً عن الغذاء الذي توفّر لها سابقًا في المراعي الطبيعية. إضافة لذلك لا يستطيع المزارعون الوصول إلى أراضيهم وفلاحتها أثناء إجراء التدريبات وبعض مزروعاتهم تُسحق تحت جنازير الدبّابات والمركبات المدرّعة.

أحد الأخطار الكامنة في إقامة التدريبات قرب التجمّعات والقرى الفلسطينية مخلّفات الذّخيرة التي تتركها قوّات الأمن ورائها بعد التدريب. منذ 2014 قُتل على الأقلّ ثلاثة فلسطينيين وجُرح خمسة على الأقلّ جرّاء انفجار مثل هذه الذّخيرة. في إفادات سجّلها الباحث الميداني لبتسيلم عارف ضراغمة، وصف رعاة فلسطينيون من الأغوار الشمالية الرّعب الذي يتملّكهم من وجود مخلّفات الذخيرة عند خروجهم مع قطعانهم إلى المراعي في أعقاب التدريبات.

يقوم الجيش بهذه التدريبات كجزء من سياسة تتّبعها إسرائيل منذ سنين طويلة سعيًا منها إلى تهجير سكّان التجمّعات الفلسطينية من المنطقة. عوضًا عن تهجير السكّان علانية عبر تحميلهم على ظهر الشاحنات تبذل الدولة جهودًا كبيرة في توليد ما يبدو وكأنّه هجرة طوعيّة إذ تفرض عليهم واقعًا معيشيًّا لا يُطاق يُجبرهم في نهاية الأمر على مغادرة منازلهم ومناطق سكناهم وكأنّما بإرادة منهم. صمود السكّان الفلسطينيين وبقاؤهم فوق أراضيهم يعني تعرّضهم يوميًّا لآثار السياسة القاسية الموجّهة ضدّهم عبر التدريبات العسكرية المتكرّرة أو بوسائل أخرى تشمل فيما تشمله، هدم المنازل وعنف المستوطنين والحرمان من الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه الجارية. من جهة أخرى دفع السكّان إلى الهجرة عن منازلهم جرّاء السياسة نفسها يشكّل جريمة حرب يتحمّل تبعاتها شخصيًّا المسؤولون عن تطبيقها وبضمنهم وزير الأمن ورئيس الحكومة.

 

الباحث الميداني لبتسيلم عارف ضراغمة صور التدريبات وجمع الإفادات من سكان المنطقة:

 

لمشاهدة الصور بحجمها الكامل اضغطوا هنا
 

رقيّة ضراغمة (28 عامًا) مزارعة من سكّان احمير (تجمّع فلسطيني تابع لالفارسيّة) وصفت في إفادتها من يوم 12.2.2018 الرّعب الذي تدبّه التدريبات العسكرية في قلوب السكّان هناك:

نعمل أنا وأفراد عائلتي أجيرين زراعيّين. يوم الإثنين الموافق 5.2.2018 جاءت فجأة دبّابة وتوقّفت على بُعد أقلّ من 100 متر من خيامنا في احمير فوق أرض مفلوحة كنّا قد زرعنا فيها حمّصًا لاحتياجات الأسرة. أنا والجميع خفنا أن يحصل مكروه لأولادنا. في اليوم نفسه في ساعات ما بعد الظهر أخذت الدبّابات فجأة بإطلاق قذائف باتّجاه الغرب. شعرنا وكأن هزّة أرضيّة قويّة تحدث. شاهدت أولادي لشدّة خوفهم ينبطحون أرضًا أو يركضون للاختباء كلّما أطلقت الدبّابات قذيفة.

عندما بدأ كلّ هذا دخلت مسرعة إلى الخيمة لأطمئنّ على طفلي علّان وهو رضيع يبلغ من العمر أقلّ من شهرين. وجدته مرعوبًا جدًّا وكان جسده كلّه يرتجف. حملته وخرجت صارخة على الجنود أن يوقفوا القصف. أخذوا يتحدّثون فيما بينهم وعندها توجّه إليّ ضابط يتحدّث العربية وقال لي: "نحن سنبقى هنا على الأقلّ يومين. عندما تسمعون صوت القذائف ضعي إصبعيك في أذني الطفل وأيضًا قولي لأولادك أن يصمّوا آذانهم بالطريقة نفسها".

نحن نعيش رعب التدريبات التي لا تتوقّف. هذه منطقة زراعيّة وليست منطقة تدريبات عسكريّة. لا يُعقل أن تجري الدبّابات تدريبات كلّ يوم أمام خيامنا وفوق أراضينا المزروعة.

Thumbnail

عبد الرحمن خليل (62 عامًا) راعٍ من سكّان المالح متزوّج وأب لتسعة، وصف في إفادته من يوم 30.1.2018 الصعوبات الاقتصادية التي يعانيها جرّاء التدريبات العسكرية:

أسكن في منطقة الحمامات منذ 20 سنة لكنّني في الأصل من قرية سير. زوجتي من المالح وبعد زواجنا انتقلت للسكن هنا. عائلة زوجتي تسكن هنا منذ عشرات السنين. أعمل في تربية الأغنام - لديّ قطعان غنم وبقر.

معظم التدريبات تحلّ علينا فجأة وعندها نضطرّ إلى تغيير طريقنا وأخذ قطعاننا إلى أماكن أخرى - ولكن إلى أين نهرب؟ التدريبات بالنيران الحيّة تجري في المنطقة طيلة الوقت. الرّصاص يتطاير فوق رؤوسنا إلى مسافات بعيدة ويسقط قرب المراعي ويعرّض حياتنا لخطر حقيقيّ. رغم ذلك نحن مجبرون على الخروج إلى المراعي لأنّها مصدر الغذاء الأساسي لمواشينا. ظروفي صعبة ولا يمكنني شراء الأعلاف. تراكمت عليّ ديون مستحقّة لتجّار الأعلاف بمبلغ يفوق الأربعين ألف شيكل. قبل حوالي أسبوعين خرج ابني أحمد مع المواشي لترعى في منطقة نسمّيها سهل البرج لكنّه فوجئ بقوّات الجيش تتدرّب هناك. كان الرّصاص يتطاير حوله. عاد بالمواشي إلى منطقة أقرب إلى التجمّع الذي نسكنه في المالح. كنّا قد اتّفقنا أن أخرج مع بقيّة المواشي وألاقيه في سهل البرج ولكن بعد أن خرجت بالقطيع وتقدّمت في الطريق نحو كيلومترين اتّصل ابني وحذّرني أنّ الجيش هناك فعدت مع المواشي وأخذتها لترعى في قطعة أرض أصغر قرب المنزل.

قبل عشرة أيّام تقريبًا أوقف الجيش سيّارة جيب قرب حظائر الأغنام في مدخل الوادي وأغلق المنطقة الواقعة شرقيّ المالح. لم أستطع حتّى إخراج الأغنام من الحظائر. في منطقتنا تجري التدريبات يوميًّا كلّ مرّة في اتّجاه آخر: مرّة في الشمال ومرّة في الجنوب ومرّة في منطقة السلمة (شماليّ خيامنا). أينما ذهبنا - أنا أو أحد أولادي أو أيّ راعٍ آخر - نلاقي جنودًا يتدرّبون.

أحمد ضراغمة (53 عامًا) مزارع من سكّان قرية تياسير متزوّج وأب لتسعة، وصف في إفادته من يوم 5.1.2018 الأضرار التي تلحق بالمراعي وبأرضه الزراعية نتيجة التدريبات العسكرية:

أصل عائلتنا من طوباس وتياسير. أنا أسكن في تياسير وأعمل مع إخوتي في الزراعة وتربية المواشي في مناطق مختلفة من الأغوار. لديّ سبعة أبناء وبنات تزوّج ستّة منهم ويعيشون الآن في منازلهم في مناطق قريبة منّي. جميعنا نعمل في الزراعة في أراضينا الواقعة في الشك والمالح والفارسية. نزرع القمح والشعير والحمّص ومحاصيل أخرى.

المراعي الموجودة مقابل الأراضي الزراعية التي أفلحها قد تحوّلت منذ زمن إلى ساحة حرب بفعل تدريبات الجيش. شاهدت مراعٍ وهي تحترق بسبب التدريبات بالنيران الحيّة. الأراضي التي يستخدمها الجيش للتدريبات هي بالنسبة إلينا مصدر رزق. .

قبل أسبوع هطلت في المنطقة أمطار كثيرة وعندها قرّرت حراثة أراضيّ وأراضي ابني حسين - في الشك والفارسية وكنت قد زرعت جزءًا من الأرض بالحمّص. الأرض مساحتها أكثر من 40 دونم وكنت قد خطّطت حراثة الجزء المتبقّي ومن ثمّ زراعة محاصيل أخرى فيه. توجّهت إلى هناك مع أخي واكتشفت أنّ الأرض أصبحت ساحة تتحرّك فيها الدبّابات. لم أستطع الاقتراب. بعد يومين تحرّكت الدبّابات جنوبًا قرب العقبة وتياسير وعندها عدت إلى الأرض فاكتشفت أنّها أصبحت صلبة ومدكوكة كأنها الصخر بحيث لم يعدْ بالإمكان حراثتها وكلّ ما زرعناه أتلفته الدبّابات.

الجنود يتدرّبون في كلّ مكان دون حساب لأيّ شيء ويتركون وراءهم مخلّفات من الذخيرة. أنا وبقيّة الناس الذين يسكنون في المنطقة لا نعرف ماذا نفعل. هم يجرون التدريبات كلّ يوم تقريبًا. ليس لدينا مكان آخر نذهب إليه - هذه الأرض لنا ونحن نريد أن نعيش.

Thumbnail
جنود يتدرّبون داخل حقل مزروع في قرية العقبة. تصوير: عارف ضراغمة، بتسيلم، 15.2.18

تصف إفادة إبراهيم ضراغمة (50 عامًا) مزارع من سكّان تياسير وأب لسبعة، الأضرار التي ألحقتها التدريبات العسكريّة الروتينية بالمزارعين في مناطق الأغوار:

قبل 20 يومًا زرعت بعض المحاصيل في الأرض إذ توقّعت هطول الأمطار ولكن لم ينبت شيء لأنّ قوّات كبيرة من الجيش مرّت من الأرض. سحقوا الأرض وأتلفوا كلّ شيء. لا أحد يستطيع أن يقول لهم شيئًا وإن حاولت تقديم شكوى أو التحدّث معهم فسوف تتلقّى دائمًا الإجابة نفسها: "هذه منطقة عسكريّة!". ما هذا الكلام؟! ما معنى "منطقة عسكرية"؟ هذه أراضينا وأراضي عائلاتنا ونحن نفلحها منذ سنين.

عائلتي تعدّ تسعة أنفار واليوم الذي يمرّ دون أن أعمل لن نجد فيها قوتنا. أنا أفلح الأرض لكي أوفّر الطعام لأسرتي ولنفسي. لماذا لا يتدرّبون في مكان آخر؟

أنا أعلم أنّهم يسعون إلى دفعنا للرحيل لكي يستولوا على أراضينا. هل حقًّا لا يوجد مكان يتدرّبون فيه؟ هم يعلمون أنّ كلّ واحد منّا يشقى في توفير النقود لشراء البذور وفلاحة الأرض لكي يضمن لقمة عيش أولاده. لا أحد يتجرّأ على قول شيء لهم أو على سؤالهم "لماذا تتدرّبون في أرضي؟". إنّهم يخرّبون أراضينا ويتركون فيها مخلّفات الذخيرة لمنعنا من دخولها وفلاحتها. إنّها كارثة!.

آخر الفيديوهات