Skip to main content
Menu
المواضيع

الجيش تدرّب في أراضٍ للرعي، مقتل فتىً في السادسة عشرة من مخلّفات الذخيرة

عدي نواجعة (16 عامًا)، الصورة بلطف من العائلة.في يوم السبت، نحو الساعة 7:00 صباحًا، خرج عدي نواجعة (16 عامًا) وشقيقه ضياء (18 عامًا) وعمّه داعس (33 عامًا) لرعي الأغنام في منطقة المخبة، التي تبعد نحو كيلو متر ونصف من منازلهم الواقعة في التجمّع السكّاني خربة ابزيق. عندما قاربت الساعة 10:00 عاد الثلاثة إلى المضارب لسقي الأغنام وإطعامها. وفي نحو الساعة 14:00 خرج الثلاثة مجدّدًا لرعي الأغنام في المخبة، حيث التقوا سعد فواضلة (21 عامًا)، وكان يرعى أبقار أحد سكّان التجمّع السكّاني نفسه.

 



في إفادة أدلى بها في 23.7.2017 أمام الباحث الميداني من بتسيلم، عارف ضراغمة، حدّث دعاس نواجعة قائلاً:

في ساعات الظهيرة خرجنا من ابزيق شرقًا نحو المخبة لرعي أغنامنا، حيث هناك قليل من الأعشاب الجافة ومساحات ملائمة لرعي الأغنام. عندما نخرج للرعي هناك يجب أن نكون حذرين، لأنّ الجيش يتدرّب هناك أحيانًا دون تبليغنا مسبقًا. كان ذلك يوم سبت، فحسبنا أنّ الجيش لن يتدرّب، وقرّرنا الذهاب إلى هناك.

داعس نواجعة يشير الى المكان الذي قتل فيه ابن أخيه. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم. 12.7.17.
داعس نواجعة يشير الى المكان الذي قتل فيه ابن أخيه. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم. 12.7.17.

كنت مع عدي وضياء، ولدا أخي عزيز. التقينا براعي أبقار اسمه سعد. رعينا أغنامنا وتجوّلنا من مكان إلى مكان. كنّا نحيط بالأغنام. في مرحلة ما، وقفت بين أشتال ذرة وأشجار خوخ عالية نوعًا ما، على بُعد نحو أربعين مترًا عن عدي، الذي كان يقف قرب شجرة بطم، وعلى بُعد عشرين مترًا منه كان يقف شقيقه ضياء. فجأة سمعت صوت انفجار. في البداية ظننت أنّه قد سقط لغم بيننا وبين الاغنام. أخذت أركض نحو عدي، وأيضًا ضياء بدأ يركض نحوه. رأيناه ملقىً على الأرض. تلبّكت إزاء هذا المشهد غير المعقول. صرنا أنا وضياء نتنقّل هنا وهناك باحثين عن مكان يمكن للهاتف فيه الالتقاط، لنتمكّن من استدعاء الإسعاف، ولكن لم ننجح في ذلك. ضياء ركض إلى البيت.

وصل بهاء- شقيق عدي وعلي، ابن شقيقتي. بعد ساعة تقريبًا وصلت سيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر، أخلت عدي إلى المستشفى التركي في طوباس، وكنت أنا معه. لفظ عدي أنفاسه الأخيرة قبل وصوله إلى المستشفى. نسينا تمامًا لماذا كنّا هناك - نسينا أغنامنا، والخراف تبعثرت في كلّ الجهات، بالكاد تذكّرنا أنّ علينا تجميعها.

الأغنام التي بقيت مبعثرة في المكان، جمعها - بعد إخلاء عدي - راعي الأبقار، فواضلة - الذي بقي في المكان، وعاد بها إلى خربة ابزيق.

في إفادة أدلى بها في 7.8.2017 أمام الباحث الميداني من بتسيلم، عارف ضراغمة، وصف ضياء نواجعة، شقيق عدي، لحظات مقتل شقيقه:

ضياء نواجعة. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم. 7.8.17.كنت واقفًا على بُعد نحو ثلاثين مترًا من عدي، الذي كان واقفًا تحت شجرة بطم. كنت أحاول إبعاد الأغنام عن كومة قشّ تملكها إحدى العائلات في المنطقة، وفجأة سمعت صوت انفجار قويّ. نظرت في اتّجاه عدي وركضت نحوه. وجدته ملقىً على الأرض. شهق مرّة أو مرّتين ثمّ مات. كان المشهد مخيفًا بل مرعبًا. لم أفهم ما الذي جرى وكيف حصل ذلك - حدث كلّ شيء خلال لحظات معدودة: في لحظة كان عدي واقفًا هناك بقربي، وفي اللحظة التي تلتها كان ميتًا.

هذه الحياة مليئة بالهلع والمخاوف - أخي عدي كان كلّ شيء بالنسبة إليّ. كنّا دائمًا نتمازح مع بعضنا البعض، كنّا إخوة ولكن عشنا كأصدقاء مقرّبين. اختفى هكذا فجأة، ولن يعود. لا يوجد مكان آمن، لا لنا ولا لأغنامنا.

لم أستطع النظر إلى أخي، فقد كان المشهد رهيبًا ولا يمكن وصفه. ماذا بوُسعي أن أقول - الحمد لله على كلّ شيء. حتّى الآن نحن غير قادرين على استيعاب الوضع وتقبّل حقيقة أنّ عدي لم يعد موجودًا. جاء إلينا كلّ أبناء العشيرة لتعزيتنا، وبقوا إلى جانبنا أيّامًا وليالي ليدعمونا في مصابنا. الذخائر التي يخلّفها الجيش وراءه سلبت منّا عدي دون سابق إنذار. أنا لا أعرف من الآتي في الدور - كلّ يوم هناك ضحايا جدد.

يعاني سكّان خربة ابزيق من التدريبات المتكرّرة التي يجريها الجيش في منطقة سكناهم. منذ كانون الثاني 2014 أخلى الجيش السكّان من خيامهم 29 مرّة، بحجّة أنّه يحتاج التدرّب في المنطقة التي يسكنونها. في بعض الحالات جرى الإخلاء في أوقات كانت فيها حالة الطقس صعبة للغاية، وفي هذه الظروف اضطرّ السكّان إلى البقاء طوال الليل في العراء. تسبّب هذه التدريبات للسكّان خسائر اقتصادية كبيرة أيضًا، وكذلك مصاعب نفسيّة، وخاصّة للأولاد.

اختيار مناطق التدريبات في منطقة الأغوار يجري على نحوٍ انتقائيّ (متعمّد)، فالجيش لا يجري تدريباته أبدًا قرب المستوطنات أو قرب الأراضي التي وُضعت تحت سيطرتها، أو بأيّ شكل قد يعرّض المستوطنين للخطر أو يعرقل مجرى حياتهم. ولم يحدث أبدًا أن طلب الجيش من المستوطنين إخلاء مناطق سكناهم، لا بشكل مؤقت ولا دائم، لأجل إجراء تدريباته.

ولا يكتفي الجيش بطرد السكان من منازلهم واستخدام مناطق سكناهم لاحتياجاته؛ إذ هو فوق إصراره على التدرّب قرب المناطق السكنيّة وفي المراعي والأراضي الزراعية التي يستخدمها السكّان، لا يهتمّ بإجراء مسحٍ جديّ للمنطقة بعد انتهاء التدريبات ليفتّش عن المخلّفات ويزيلها من المكان. هذه الممارسات تسبّب إصابات وأحيانًا خسائر في الأرواح، كما أنّها تهدّد حياة المواشي وتضرّ بمصادر معيشة السكّان. منذ عام 2014 قُتل على الأقلّ فلسطينيان آخران جرّاء انفجار مخلّفات الذخيرة في الأغوار، وجرح خمسة فلسطينيين على الأقل، وفق المعطيات التي زودها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ناهيك عن المواشي التي نفقت جرّاء ذلك.

السياسة التي تتّبعها إسرائيل في الأغوار تحوّل مساحات كبيرة هناك إلى ميدان تدريبات عسكريّة، وتجعل الفلسطينيين فيها مجرّد " مشهد مسرحي" رغم إرادتهم، وتتعامل مع منازلهم وكأنّها ديكورات لا أكثر. هذا كلّه يجري رغم أنّ إسرائيل، بوصفها سلطة احتلال، لا يحقّ لها أصلاً استخدام مناطق في الأراضي المحتلّة لاحتياجات جيشها الجارية، كالتدريبات القتاليّة والتدريبات العامّة. كذلك إخلاء السكّان لأجل إجراء التدريبات مخالف للقانون الإنساني الدولي، الذي يسمح لدولة الاحتلال أن تعمل في الأراضي المحتلة انطلاقًا من اعتبارين فقط: مصلحة السكّان المحليّين والاحتياجات العسكرية الآنيّة المتعلّقة بعمليات الجيش في منطقة محتلّة.

هذه الانتقائية في اختيار مناطق التدريبات، وإسقاطاتها على حياة التجمّعات الفلسطينية- تهديد حياة السكّان، إخلاؤهم المتكرّر من بيوتهم، التجبّر فيهم وإتلاف أراضيهم الزراعيّة وضمن ذلك إلحاق الضرر بمصادر معيشتهم وعرقلة مجرى حياتهم - تكشف الأهداف التي تسعى إسرائيل لتحقيقها من وراء ذلك: سلب أراضي الفلسطينيين في مناطق الأغوار وتخصيصها لصالح الإسرائيليين. هذه الممارسات التي تنطوي في كلّ الأحيان على انتهاك حقوق السكّان الفلسطينيّين وتنغيص عيشهم، تجبي منهم أحيانًا - كما في الحالة التي أمامنا - خسائر في الأرواح أيضًا.

كلمات مفتاحية