Skip to main content
المحكمة العليا: إسرائيل فوق القانون
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

المحكمة العليا: إسرائيل فوق القانون

في 4.5.22، عشيّة يوم الاستقلال الـ 74، نشرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارها بشأن التماسات رُفعت إليها ضدّ خطّة إسرائيلية لترحيل نحو ألف من الفلسطينيّين عن منازلهم في تلال جنوب الخليل.

الالتماسات الأولى كان قد تقدم بها عدد من سكّان التجمعات الفلسطينية في المنطقة قبل 22 عاماً، بعد وقت قصير من قيام إسرائيل بطرد 700 فلسطينيّ من منازلهم ـ هم جميع السكّان الذين كانوا يقيمون هناك آنذاك - بحجّة أنّهم يُقيمون في "منطقة تدريبات عسكرية". وقد أصدرت المحكمة آنذاك أمراً مؤقتاً أوعزت فيه إلى الدّولة بتمكين هؤلاء السكان من العودة إلى منازلهم. في العام 2012 شُطبت هذه الالتماسات. وبعد ذلك على الفور قُدّمت التماسات جديدة أصدرت المحكمة بشأنها مرّة أخرى أمراً مؤقّتاً أتاح للسكّان البقاء في منازلهم إلى حين البتّ النهائيّ في الالتماس.

الآن، بعد مضيّ 22 عاماً على محاولة الترحيل الأولى، جاء قرار القضاة دافيد مينتس ويتسحاق عميت وعوفر غروسكوف بردّ الالتماسات. وقد قضت المحكمة في هذا القرار بأنّ القائد العسكريّ يملك صلاحيّة إغلاق المنطقة من أجل إجراء تدريبات عسكريّة للمتجنّدين الجُدُد في "لواء ناحَل" (لواء "الشبيبة الطلائعية المحاربة"، أحد ألوية النخبة في الجيش الإسرائيلي) وأنّه مخوّل ضمن ذلك أيضاً صلاحية أن يٌبعد من المنطقة مَن لا يقيم فيها بشكل دائم وثابت. قرّر القضاة أنّ مقدّمي الالتماس لا يُقيمون في هذه المنطقة بشكل دائم وثابت ولذلك يمكن طردهم منها.

بذلك، سمح القضاة للدّولة أن تنفّذ جريمة حرب.

ماذا تضمّن قرار الحُكم؟

القاضي مينتس، الذي كتب قرار الحُكم الأساسيّ، رأى أنّه يجب رفض الالتماسات جُملة وتفصيلاً، وذلك بسبب التأخّر في تقديمها - أي بعد مرور سنوات على إصدار القائد العسكريّ الأمر بإغلاق المنطقة ـ وبسبب "عدم نظافة اليدين وانعدام حُسن النيّة تماماً" من جانب الملتمسين، إذ أنّهم استغلّوا الأوامر المؤقّتة لكي يواصلوا بناء منازلهم على مدى سنوات النظر في الالتماس، وذلك رغم أنّ البناء "مخالف للقانون وبدون ترخيص نظراً لانعدام الإمكانيّة من الناحية التخطيطيّة في منطقة تدريبات عسكرية". وأضاف القاضي أنّ "أخذ القانون باليدين واللّجوء إلى القضاء طلباً للعدل لا ينسجمان".

رغم أنّ ردّ الالتماسات جملةً وتفصيلاً كان يكفي لرفضها تماماً، إلا أن القاضي مينتس اختار الإسهاب في مناقشة الالتماسات من الناحية الجوهرية أيضاً. وفي رأيه أنّ مسألة الصلاحيّة غير مطروحة في هذه الحالة إطلاقاً لأنّ "القائد العسكريّ يملك صلاحيّة إعلان مناطق مغلقة ومنع الدّخول إليها بدون تصريح". هذه الصّلاحيّة منصوص عليها في التشريعات المحليّة في الضفة الغربيّة، سواء في أنظمة الطوارئ التي سنّها الانتداب البريطانيّ سنة 1945 أو في نص أمر التعليمات الأمنية الذي سنّه الجيش. يقول القاضي: "إنّها صلاحيّة واسعة غايتها خدمة مصالح أمنيّة عسكريّة بضمنها تحديد مناطق للتدريبات بغية تأهيل المقاتلين والمحافظة على لياقتهم".

لم يخصّص القاضي مينتس للقانون الدوليّ سوى فقرتين قصيرتين فقط. فهو يرى إنّ صلاحيّة القائد العسكري بإغلاق منطقة ما لا تتعارض مع أحكام القانون الدوليّ. وعلى أيّة حال، حتى لو تعارضت مع تلك الأحكام فهذا لا يغيّر شيئاً لأنّه "لا جدال على أنّه حين يتعارض نصّ صريح في القانون الإسرائيليّ مع أحكام القانون الدوليّ فإنّ الغلبة هي للقانون الإسرائيليّ". كما قرّر القاضي أنّ طرد السكّان من منازلهم لا يشكّل خرقاً للبند 49(1) في اتفاقيّة جنيف الرّابعة والذي يحظر طرد السكّان في منطقة محتلّة من منازلهم. ذلك لأنّ هذا البند هو "بند توافقيّ" الدولة ليست مُلزمة بالعمل بموجبه ولأنّه "لا توجد أيّة علاقة بين ملابسات الحالة التي أمامنا وهذا البند الذي وُضع لكي يمنع تنفيذ تهجير جماعيّ لسكّان منطقة محتلّة بغية إبادتهم وإكراههم على تنفيذ أعمال سُخرة أو لتحقيق أهداف سياسيّة مختلفة".

بعد أن أقرّ القاضي أنّ إغلاق المنطقة تمّ وفقاً للقانون، بقي أمامه سؤال موضوعيّ يتّصل بالحقائق: "هل أقام الملتمسون في مساكن دائمة وثابتة في منطقة التدريبات العسكرية قبيل إعلانها كذلك". هذا سّؤال هامّ لأنّ أمر التعليمات الأمنية - الذي أغلقت المنطقة بموجبه - يقيّد إمكانية "أن يُخلى من منطقة مغلقة مقيمٌ ثابتٌ فيها". لهذا السّؤال - الذي أجاب عليه بالنفي - خصّص القاضي مينتس الجزء الأساس من نصّ قرار الحُكم.

بدايةً، تفحص القاضي الصور الجويّة التي قدّمها إلى المحكمة كلٌّ من الملتمسين والدّولة. وأشار إلى أنّه صحيح أن "لا جدال على أنّ تفكيك رموز الصّور الجويّة هو أمرٌ يحتاج إلى اختصاص"، إلّا أنّه توصّل إلى نتيجة مفادها أنّ الصّور "حتى بنظرة غير مهنيّة وغير خبيرة وإنّما بنظرة إنسان عاديّ" توضح أنّ الحقّ مع الدّولة: "إنها مجموعة كبيرة من الصّور الجويّة التي تُبيّن الوضع بشكل واضح وقاطع". وفقاً للقاضي مينتس، حتى سنة 1980 "ليس بالإمكان الإشارة إلى علامات تدل على سكن في المنطقة، ولا على سكن دائم وثابت بالتأكيد". في المقابل، يمكن ملاحظة "نهضة بناء" في المنطقة خلال التسعينات وخاصّة ابتداءً من العام 2000.

ثمّ ينتقل القاضي لينظر في أدلّة وبيّنات أخرى عُرضت أمامه ويضع جلّ تركيزه على تقارير "وحدة المراقبة وجهات أخرى" ("وحدة المراقبة" تابعة للإدارة المدنيّة ومسؤولة عن تنفيذ ما يخصّ قوانين وأنظمة التخطيط والبناء). استعرض القاضي عدداً من تقارير المفتّشين بخصوص "متعدّين مختلفين وإقامة بناء فيه" وخلص إلى الاستنتاج أنّ "المدّعى عليهم قدّموا دلائل واضحة تُظهر أنّه لم تكن هناك ظاهرة سكن ثابت قبل الإعلان [عن الأراضي منطقة تدريبات عسكرية]".

رفض القاضي مينتس رأيين مهنيّين استشاريين قدّمهما الملتمسون إلى المحكمة - الأوّل من المختصّة بعلم الإنسان (الأنثروبولوجيا) شولي هرطمان وقد رفضه القاضي بدعوى أنّه يستند إلى "انطباعات" فقط وليس إلى معطيات موضوعيّة، والثاني من البروفسور جدعون كرسل وقد رفضه بدعوى أنّه "من الصّعب القول إنّه رأي مُقنع".

كذلك كرّس القاضي مينتس فقرتين كاملتين - أطول بقليل من الجزء الذي خصّصه للقانون الدوليّ - لكتاب يعقوب حبقوق الذي يحمل عنوان "الحياة في كهوف تلال جنوب الخليل" (بالعبريّة). على هذا الكتاب استند الطرفان، الدّولة ومقدّمو الالتماس، لإثبات ادّعاءاتهما، لكنّ القاضي استنتج أنّ "هنالك أهميّة أكبر للصفحات التي أحال إليها المدّعى عليهم" وأنه لا يُفهَم من الكتاب أنه كان هنالك سكن دائم وثابت في المكان قبل العام 1980، أي قبل إغلاق المنطقة.

بناءً على ذلك، قرّر القاضي مينتس أنّه يجب رفض الالتماسات، خاصّة وأنّ "الحاجة إلى الإعلان [عن إغلاق تلك المناطق] قد أثيرت مجدّداً خلال المناقشات التي جرت أمامنا حين حتلننا المدّعى عليهم أنّ فحصاً جديداً قد أجري وبيّن أنّ منطقة التدريبات العسكرية هي حيويّة فعلاً لأغراض عسكريّة وأمنيّة". في نهاية أقواله أضاف القاضي إنّ الدولة اقترحت على مقدّمي الالتماس أن يدخلوا إلى منطقة التدريبات العسكرية "لغرض الزراعة والرعيّ" في عطل نهاية الأسبوع والأعياد العبريّة وكذلك خلال شهرين آخرين من السّنة، ممّا يثبت أنّ "المدّعى عليهم يأخذون بعين الاعتبار بالتأكيد احتياجات المزارعين في المكان على نحوٍ يتجاوز نص القانون إلى حدّ بعيد".

القاضي عميت، في قرار الحُكم القصير الذي كتبه، اتّفق مع قرار القاضي مينتس وقرّر هو أيضاً أنّ مقدّمي الالتماس لم يُقيموا في المنطقة بشكل دائم وثابت قبل إعلانها منطقة تدريبات عسكرية. غير أنّه نوّه إلى أنّ "محاولات مخلصة جرت مرّة تلو الأخرى للتوصّل إلى تسوية مع مقدّمي الالتماس من أجل تقليص المسّ بسُبُل كسب رزقهم"، إلا أنّ مقدّمي الالتماس رفضوا جميع الاقتراحات. "إنّه تساؤل"، يقول القاضي، "هل اعتبارات عمليّة تتعلق بتقليص الأضرار هي التي تهدي مقدّمي الالتماس أم هي نظرة "إما كلّ شيء أو لا شيء"، إذ واصل هؤلاء طوال الوقت البناء في تلك الأراضي. وأضاف القاضي: "إذا كان الملتمسون يسعون لخدمة مصالحهم الزراعيّة - الاقتصاديّة - الثقافيّة، فمن الأفضل لهُم أن يتّخذوا مسار الحوار مع المدّعى عليهم".

القاضي غروسكوف اتّفق مع القاضيين الآخرين وأشار فقط إلى أنّ "مسار التسوية العمليّة أفضل من مسار الحسم القضائيّ"، مضيفاً أنّه "الأوْلى بالسّلطات" قبل استئناف التدريبات في تلك المنطقة "أن تفحص مُجمل البدائل بمنظور الاحتياجات العسكريّة وأن تأخذ بالحسبان أيضاً احتياجات ومصالح السكّان المدنيّين الذي يدّعون لأنفسهم حقوقاً فيها".

أكاذيب، مغالطات وأخطاء في قرار المحكمة

1. تجاهُل الهدف الحقيقيّ من إعلان المنطقة منطقة تدريبات عسكرية: نقل الأرض إلى أيدٍ يهوديّة

القاضي مينتس قبل بالتمام ادّعاء الدولة بأنّ إغلاق تلك المنطقة تمّ لاحتياجات التدريبات العسكريّة فقط بينما رفض في المقابل ادّعاءات الملتمسين بوجود دوافع أخرى من وراء ذلك. إلّا أنّ فحص كلّ من سياسة إسرائيل في هذه المنطقة على مرّ السّنين والأدلّة التي قُدّمت إلى المحكمة يشير إلى أنّ إسرائيل تسعى إلى الاستيلاء على أراضٍ في هذه المنطقة ثمّ نقلها إلى أيدٍ يهوديّة واستخدامها لاحتياجاتها.

الهدف الحقيقيّ من إعلان هذه الأراضي بالذات منطقة تدريبات عسكرية يتجلّى بوضوح في محضر جلسة عقدتها في 12.7.81 لجنة الاستيطان المشتركة للحكومة والمنظمة الصهيونيّة العالميّة. وكان رئيس اللّجنة وزير الزراعة آنذاك أريئيل شارون. خلال تلك الجلسة أوعز شارون إلى الجيش بأن يحوّل مساحات من الأراضي في تلال جنوب الخليل إلى مناطق تدريبات عسكرية. وممّا قاله:

"نحن نريد أن نقترح عليكم مناطق تدريبات عسكريّة أخرى. نحن نفكّر اليوم بأنّه يجب إغلاق مناطق تدريبات أخرى عند الحدود، عند منحدرات تلال الخليل لجهة صحراء يهودا. إزاء الظاهرة التي شرحتها سابقاً - ظاهرة انتشار القرويّين عرب التلال على المنحدرات في اتّجاه الصّحراء. نحن معنيّون بالتأكيد بتوسيع المساحات هناك وهذا من شأنه أن يضيف لكم مناطق تدريب كثيرة ونحن معنيّون جدّاً بأن تكونوا موجودين في هذا المكان".

محضر الجلسة المذكور أعلاه قُدّم (محتوى الرابط باللغة العبرية) إلى المحكمة لكنّ القاضي مينتس اعتبر أنّ ما ورد فيه لا يثبت شيئاً وأشار بصورة عرَضيّة فقط إلى إنّه "لم يتولّد لديه انطباع" بأنّ في هذا المحضر "ما من شأنه أن يغيّر شيئاً في الاستنتاج المذكور وذلك لعدّة اعتبارات منها أنّ الأقوال عموميّة وتفتقر إلى سياق واضح". في تلخيص قرار الحُكم أضاف القاضي مينتس: "لم أجد ما يستحقّ الأخذ به في ادّعاءات الملتمسين العامّة بأنّ هنالك اعتبارات غريبة تكمن وراء الإعلان [عن المنطقة منطقة تدريبات عسكرية] أو في محاولتهم إثارة الشكّ حول مدى الحاجة إلى منطقة التدريبات العسكرية المُحددة هذه بالذّات". اكتفى القاضي بهذه الأقوال دون أن يعلّل كيف توصّل إلى استنتاجه هذا.

كذلك، تجاهل القاضي مينتس حقيقة أنّ إسرائيل تعمل في هذه المنطقة منذ سنين بهدف خلق تواصُل يهوديّ - إسرائيليّ بين طرفي الخطّ الأخضر. جميع مخطّطات الاستيطان في الضفة الغربيّة التي وجّهت حكومات إسرائيل المتعاقبة تشير إلى نيّة تبيّتها إسرائيل لضمّ أجزاء مختلفة من تلال جنوب الخليل. هذا الهدف منصوص عليه بوضوح في مواضع عدّة، منها خطّة دائرة الاستيطان في المنظمة الصهيونيّة والتي أكدت أنّه يجب إنشاء "منطقة عازلة" في هذه المنطقة بحيث تفصل بين القرى الفلسطينيّة القائمة هناك وبين السكّان البدو في منطقة عراد وغور بئر السّبع داخل الخطّ الأخضر. وفي إطار محادثات التسوية الدائمة بين إسرائيل والفلسطينيّين، والتي جرت في تمّوز 2000 في كامب ديفيد، اقترح رئيس الحكومة آنذاك إيهود براك على المندوبين الفلسطينيّين أن تضمّ إسرائيل إلى أراضيها 13% من أراضي الضفة الغربيّة وأن تحتفظ بـ 10% أخرى لسنوات طويلة. من بين الأراضي التي طمعت إسرائيل بمواصلة الاحتفاظ بها أجزاء من تلال جنوب الخليل، بما فيها الأراضي التي أعلنت "منطقة تدريبات عسكرية".

لتحقيق هدفها هذا، تعمل الدولة بطريقتين: الأولى ـ أن تعزّز في هذه المنطقة المستوطنات - الرسميّة إلى هذا الحدّ أو ذاك - بهدف خلق تواصُل بين شمال ـ شرق وجنوب ـ غرب: بدءاً من مستوطنة "كرمل" مُروراً بـبؤرة "حفات يسّسخار مان" الاستيطانيّة ومستوطنة "معون" وبؤرة "حفات معون" الاستيطانية وانتهاءً بمستوطنتي "أبيجايل" و"سوسيا". هذا ما يفسّر كيف لم تشمل "منطقة التدريبات العسكرية" أيّة مستوطنة وهذا هو السّبب في أنّ الدولة تتيح للمستوطنات التي أقيمت على حدود هذه المنطقة أن تتمدّد وتتوسّع إلى داخلها دون إنفاذ أيّ من أوامر الهدم التي صدرت ضدّ المباني.

الطريقة الثانية هي محاولات إخلاء الفلسطينيّين من المنطقة بوسائل عدّة منها جعل حياتهم جحيماً لا يُطاق بهدف إرغامهم على الرّحيل عن منازلهم كأنّما بمحض إرادتهم. هذا هو سبب إعلان منازلهم وأراضيهم "منطقة تدريبات عسكرية" وسبب منعهم المطلق من البناء ورفض ربطهم بشبكات الكهرباء والمياه والشوارع. عُنف مستوطني المنطقة ضدّ الفلسطينيّين - بدعم تامّ من دولة إسرائيل وبمشاركة جنودها أيضاً في العديد من الحالات- هو وسيلة أخرى لتنغيص عيش الفلسطينيّين سعياً إلى تحقيق الهدف نفسه.

تعقيب رئيس المجلس الإقليمي "هار حفرون"، يوحاي دماري، على قرار الحُكم (محتوى الرابط باللغة العبريّة) يدلّ هو أيضاً على أنّ المسألة هنا ليست تدريبات الجيش. فدماري يقول بصريح العبارة إنّ قرار الحُكم الذي أصدرته المحكمة يُتيح طرد الفلسطينيّين وهو "لصالح الاستيطان، لصالح أراضي الدّولة، لصالح المعركة على المنطقة C التي نحن مشغولون بها أيّما انشغال… وأنا أبارك هذا. هكذا حقّاً نحارب من أجل أراضي دولتنا".

2. إلغاء القانون الدّوليّ

في الالتماس الذي قدّموه، أشار الملتمسون إلى أحكام القانون الدوليّ ذات الصّلة. وقد فصّلوا واجبات القائد العسكريّ تجاه السكّان الفلسطينيّين وحظر طرد سكّان منطقة واقعة تحت الاحتلال والقيود السّارية على الدّولة المحتلّة فيما يخصّ استخدام الأراضي في المنطقة المحتلّة وحقوق الإنسان التي انتُهكت نتيجةً لإعلان تلك الأراضي منطقة تدريبات عسكرية. كما أرفق مقدّمو الالتماس رأيين مهنيّيين من إعداد خبراء في القانون الدوليّ يبيّنان هذه النقاط بوضوح. في ردّها (محتوى الرابط باللغة العبرية) على الالتماس، أجابت الدولة على هذه الادّعاءات بتوسّع وأوضحت لماذا يعتبر إغلاق تلك الأراضي قانونيّاً وفقاً للقانون الدوليّ. بعض هذه النقاط نوقشت أيضاً خلال مداولات المحكمة.

في المقابل، يعتقد القاضي مينتس بأنّ أحكام القانون الدوليّ لا صلة لها بتاتاً بالالتماس. وفقاً لرأيه، يكفي أنّ صلاحية القائد العسكريّ بشأن إغلاق مناطق يكفلها القانون العسكري السّاري في الضفة الغربيّة. هذه النظرة، حيث لا قيود إطلاقاً على قوّة المحتلّ سوى قوانينه هو نفسه، تُناقض مبادئ القانون الدوليّ والقانون الإسرائيليّ وقرارات صدرت عن المحكمة العليا نفسها.

الموقف الذي يعرضه القضاة في قرار الحُكم - والذي يرى إنّ إسرائيل وحدها هي المخوّلة أن تقرّر ما المسموح لها وما الممنوع عليها أن تفعله في المناطق المحتلّة - هو موقف بائد انقضى من عالمنا منذ زمن والسّؤال ما إذا كان ينبغي العمل وفقاً لمبادئ القانون الدوليّ ليس سؤالاً تقع على الدّول اليوم مهمة حسم إجابته. هذه هي بالضّبط الفكرة الكامنة وراء القانون الدوليّ: الرّغبة في وضع قواعد وأحكام تُلزم جميع دول العالم وتقيّد اعتباراتها وإمكانيّات تصرّفها داخل مناطقها السيادية هي وداخل مناطق أخرى تقع تحت سيطرتها. مردّ ذلك أنّه بهذه الطريقة فقط يمكن ضمان حدّ أدنى من الحماية لحقوق الإنسان.

خلافاً لما قرّره القُضاة، فإنّ القانون الدّوليّ الذي يُلزم إسرائيل في ممارساتها في المناطق المحتلّة يقيّد فعلاً (محتوى الرابط باللغة العبرية) كيفيّة استخدامها للأراضي في المنطقة المحتلّة. وفقاً لأحكام القوانين الدولية الخاصة بالاحتلال، فإن القوّة المحتلّة ليست هي صاحبة السّيادة في المناطق المحتلّة وإنّما هي تحتفظ بها كوصيّ مؤتمن عليها فقط. لذلك، لا يمكنها التصرّف بالأراضي كما يحلو لها وإنّما يُسمح لها فقط باستخدامها لصالح السكّان المحلّيّين أو لاحتياجات جيش الاحتلال العسكريّة في داخل المنطقة المحتلّة؛ ويجب أن تكون هذه الاحتياجات العسكريّة مؤقتة وأن تكون مباشرة وفوريّة لجيش الاحتلال - لا احتياجات أمنيّة عامّة للدّولة المحتلّة.

في ردّها على الالتماس ادّعت الدّولة (محتوى الرابط باللغة العبرية) بأنّها تحتاج إلى تلك الأراضي بسبب وُجود "حاجة عسكريّة حيويّة" لإجراء تدريبات فيها من أجل "بناء القوّة العسكريّة، أي - لتدريب المقاتلين وتأهيلهم، للمحافظة على كفاءتهم العمليّاتيّة ولاختبار الوسائل القتالية". وتوضح الدّولة في الردّ أنّ هذه الأراضي قريبة من معسكر تدريبات "لواء ناحَل" - قرْباً يُتيح توفيراً كبيراً في الوقت ـ الذي هو "المورد الأكثر قيمة في مجال التدريبات بالنسبة للجيش الإسرائيليّ" - كما يتيح توفيراً في المال "نظراً إلى التكلفة العالية التي ينطوي عليها نقلُ مئات المقاتلين والمعدّات والمركبات إلى التدريبات في منطقة تدريبات بعيدة".

واضح من هذه الأقوال أنّ الجيش يُريد هذه الأراضي لا لاحتياجات عسكريّة طارئة وفوريّة وإنّما لاعتبارات توفير الوقت والمال بالذات؛ وهي اعتبارات غير ذات صلة وفقاً للقانون الدوليّ ولا يمكنها أن تبرّر إعلان مساحات داخل أراضٍ محتلّة "منطقة تدريبات عسكرية". وحقيقة أنّ التشريعات العسكريّة التي وضعتها إسرائيل لنفسها تسمح للجيش بأن يفعل ذلك لا تغيّر شيئاً في هذا، على الإطلاق.

القاضي مينتس قرّر أيضاً أنّ الدولة لا تخرق البند 49(1) من اتفاقيّة جنيف الرّابعة معتبراً أنّه لا علاقة لهذا البند بهذا الالتماس وأنّه لا يُلزم إسرائيل على أية حال. هذه الأقوال لا أساس لها من الصحّة وهي بعيدة كلّ البُعد عن التفسيرات القانونيّة المُعتمَدة. أولاً، البند المذكور هو جزءٌ من القانون العُرفيّ. لقد نشر الصّليب الأحمر الدوليّ - وهو الموكل بمهمة تفسير القانون الإنسانيّ الدوليّ، وبضمنه اتّفاقيّة جنيف الرّابعة - دراسة أورد فيها قائمة أحكام القانون الدوليّ التي تعتبر عُرفيّة، والبند 49 ضمن هذه القائمة.

ثانياً، تأويل القاضي مينتس بشأن الحالات التي ينطبق عليها هذا البند لا وجود له في نصّ البند أو في تفسيراته المعتمَدة وليس واضحاً إلامَ استند القاضي في تأويله هذا. يحظر البند أيّ طرد مهما كان ولأيّ هدف كان ونصّه في هذا واضح: "يُحظر النقل القسريّ للسكّان المحميّين أفراداً أم جماعات، كما يُحظر طرد سكّان محميّين من أراضٍ واقعة تحت الاحتلال إلى أراضي الدّولة المحتلّة أو أراضي أيّة دولة أخرى سواء كانت واقعة تحت الاحتلال أو غير واقعة تحت الاحتلال، أيّاً كانت دواعيه ودوافعه". وقد أوضحت المحاكم الدوليّة أيضاً أنّ هذا لا يعني فقط حظر طرد السكّان فعليّاً من الأراضي المحتلّة وإنّما حظر خلق ظروف معيشيّة صعبة بهدف دفع السكّان إلى الرّحيل عن منازلهم وأراضيهم كأنّما بمحض إرادتهم.

3. طمس الحقائق

لدى قراءة قرار الحُكم يظنّ المرء أنّ هناك فعلاً سؤال حول ما إذا كان مقدّمو الالتماس - كما فلسطينيّين آخرين من سكّان المنطقة ممّن لم يقدّموا التماسات - يقيمون حقّاً في تلك الأراضي التي أعلنتها الدّولة "مناطق تدريبات عسكرية". غير أنّ هذه المسألة لا جدال فيها: هنالك أدلّة كثيرة وقاطعة على وجود تجمّعات فلسطينيّة في هذه المنطقة.

خلافاً لادّعاءات الدّولة التي قبلها القضاة بالكامل، لم "يغزُ" السكّان منطقة أعلنتها إسرائيل منطقة تدريبات عسكرية بعد الإعلان وهُم لا يحاولون الاستيلاء على تلك الأراضي وهدفهم ليس "فرض وقائع على الأرض". إنّهم يقيمون هناك منذ أجيال بعيدة. لقد قُدمت إلى المحكمة مستندات وتصريحات وشهادات وآراء - جميعها تثبت أنّ تجمّعات فلسطينية تقيم في هذه المنطقة منذ ما قبل احتلال إسرائيل لها.

منذ بداية القرن الـ 19 هنالك توثيق لخروج رُعاة من مدينة يطّا ومحيطها لإقامة قرىً في منطقة تلال جنوب الخليل. في البداية كان المكوث موسميّاً مؤقتاً وكان الرّعاة يأتون إلى المنطقة لرعي المواشي ثمّ يعودون في الصّيف إلى يطّا. بمرور السّنين وفي سيرورة تدريجيّة حصلت في أعقاب التزايد السكّانيّ والحاجة إلى أراضٍ إضافيّة وتعذّر إمكانيّة امتلاك أراضٍ في يطّا نتيجة لمصاعب اقتصاديّة، انتقلت العائلات الأكثر فقراً إلى السّكن بشكل دائم في قرى الرّعاة. هكذا تطوّرت ظاهرة السّكن في الكهوف ومحيطها ولا يزال هناك مربّو مواشٍ ومزارعون يقيمون فيها حتى اليوم ويستخدمون الأراضي الزراعيّة والمراعي التي ورثوها.

القاضي مينتس اعتبر أنّ الصّور الجويّة تثبت ـ بشكل "واضح وقاطع"، كما قال - أنّه حتى العام 1980، الذي أعلنت فيه إسرائيل تلك الأراضي منطقة تدريبات عسكرية، "لا يمكن تمييز علامات سكن في الموقع وليس علامات سكن دائم وثابت في الموقع كلّه، بالتأكيد". غير أنّ أقواله هذه باطلة من أساسها. فالصّور الجويّة التي قُدّمت إلى المحكمة من قبَل الملتمسين والدّولة، كلّ من طرفه، تُثبت وُجود قرىً في المنطقة على مدى عشرات السّنين، من قبل أن تحتلّ إسرائيل تلك المناطق. وتظهر في تلك الصّور تجمّعات سكنيّة بقيت في الموقع على مرّ السّنين وفي جوارها حظائر مواشٍ وأراضٍ مفلوحة. وقد قدّمت جمعيّة "بمكوم" إلى المحكمة رأياً مهنيّاً أعدّه المعماريّ ومخطّط المدن ألون كوهين ويشمل تحليلاً للصّور الجويّة في منطقة مسافر يطّا منذ العام 1945 حتى العام 2014. وقد ورد في هذا التقرير ما يلي:

يُظهر تحليل الصّور الجويّة التي في حوزة "بمكوم" وتمتد على مدى فترة طويلة، وخاصّة الفترة الواقعة بين العام 1945 والعام 2014، أنّه كان في كلّ التجمّعات حضور متواصل لنشاط إنسانيّ اشتمل على الزراعة المكثّفة وتربية المواشي والسّكن طوال معظم أشهُر السّنة. استخدام حظائر الماشية، كما يمكن رؤيته بوُضوح على شكل علامات دوائر ومربّعات هي علامات أسوار، استمرّ عشرات السّنين ويمكن ملاحظته منذ العام 1945 حتى اليوم. معظم المناطق السكنية التي أقام فيها السكّان كانت في الكهوف التي وفّرت لهم حماية جيّدة من أضرار الأحوال الجويّة وأضفت عليهم شعوراً بالأمان في هذه المنطقة. في بعض الحالات تمّ توسيع الكهوف بل وحُفرت كهوف جديدة. الانتقال إلى السّكن فوق سطح الأرض حدث بصورة تدريجية ويمكن رؤيته على وجه الخصوص في جنبا والمركز وحلاوة حيث أقيمت مبانٍ فوق الأرض منذ أربعينات القرن العشرين. في حالات أخرى، كما في الرّكيز وصارورة والمفقّرة، بُنيت غرف صغيرة ملتصقة بالأسوار الحجريّة أتاحت معيشة أيسر قليلاً من العيش في الكهوف، إذ بمرور السّنين والتقدّم التكنولوجيّ أصبحت إقامة مبانٍ خفيفة على سطح الأرض أسهل وأبسط من ترميم الكهوف إثر تضرّرها بسبب الأحوال الجويّة.

ويذكر الرأي المهنيّ المذكور أيضاً أنّه منذ احتلّت إسرائيل الضفة الغربيّة أصبحت حياة السكّان في المكان أكثر صعوبة بكثير. وينوّه أنه "برغم محاولات التهجير والتهديدات المتواصلة وهدم المنازل وآبار المياه، وبرغم سياسة التخطيط التمييزية - التي سوية مع محاولات التنكيل بهم، أسّست على أراضيهم بلدات جديدة، غير قانونية بالتأكيد - تمكّنت معظم هذه التجمّعات من الصّمود والاستمرار في نمط العيش نفسه الذي اعتادت عليه تجمّعات الرعاة التي تفلح الأراضي وتواصل مواجهة الصّعوبات".

منح القاضي مينتس كامل الوزن لعدد ضئيل من التقارير التي وضعها مفتّشو "وحدة المراقبة" بخصوص عملهم على "اجتثاث وإبعاد غُزاة مختلفين" وجميع هذه التقارير من سنوات ما بعد إعلان الأراضي منطقة تدريبات عسكرية. ولكن حتى هذه التقارير لا تثبت أنّ الحديث يدور عن "غُزاة" وإنّما العكس: أنّ سكاناً أقاموا في المكان وفجأة اُعلِن بيتهم "منطقة عسكرية مغلقة" وليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه.

في قرار الحُكم انتقد القاضي مينتس الملتمسين لأنّهم واصلوا البناء حتى بعد تقديمهم الالتماس وإصدار أوامر مؤقتة من قبل المحكمة واتّهمهم بـ "عدم نظافة الأيدي"، بل وجزم بأنّ "ادّعاء الملتمسين بأنّه لا يمكن لأحد أن يتوقّع توقّف الحياة في المكان، أو كما جاء على لسان ممثّلهم خلال المداولات أمامنا بأنّ "الحياة أقوى من أيّ أمر مؤقت" هو ادعاء مثير للحنق، على الأقل".

غير أنّ رفْض القاضي مينتس الاعتراف بالواقع وبالحقائق يثير الحنق أكثر بكثير. السكّان يبنون منازلهم هناك بالذات ليس لأنّهم جُناة يسعون "لفرض حقائق على الأرض" وإنّما لأنهم لا يملكون بيتاً آخرَ ولا أرضاً أخرى لهُم ولا حياة أخرى. إنّهم يقيمون في هذا المكان منذ عشرات السّنين، يعيشون فيه حياة جماعيّة، يرعون مواشيهم ويفلحون أراضيهم. هذا هو بيتهم الوحيد. عندما تكاثر السكّان ولم تعُد الكهوف كافية لتلبية احتياجاتهم، اضطرّوا إلى بناء منازل إضافيّة بدون ترخيص لأنّ إسرائيل ترفض السماح لهُم بالبناء وفق القانون.

انتقد القضاة الثلاثة الملتمسين لأنّهم رفضوا اقتراحات "التسوية" التي عرضتها الدّولة. غير أنّ فهم الواقع كما عُرض أعلاه يوضح كم كانت هذه الاقتراحات غير واقعيّة؛ وكذلك النقد الموجّه لمن رفضوها. لأنّه كيف يتنازل إنسان عن بيته وعن لقمة عيشه؟ هذه الاقتراحات تتيح للسكّان، كحسنة تمنّ بها الدّولة، مكوثاً متقطّعاً في المكان الذي وُلدوا وترعرعوا فيه، في بيتهم. هناك هم يعيشون حياتهم، يُنشئون أولادهم، يرعون مواشيهم ويفلحون أراضيهم. نمط حياة كهذا لا يمكن تسييره على نحوٍ متقطّع؛ وهذا ما تعرضه عليهم الدّولة. أين يقيمون بعد انتهاء مُهلة المكوث التي تمنحهم إياها الدّولة؟ كيف يرعون مواشيهم؟ كيف يواصلون إدارة حياتهم كجماعة؟ هذا ليس مقترح "تسوية" بل مقترح يقضي على حياتهم التي اعتادوا عليها، اقتراح يطرد سكّان التجمّعات من منازلهم ويدمّر التجمّعات نفسها.

القُضاة يسمحون للدّولة بتنفيذ جريمة حرب

محكمة العدل العليا - وهي الهيئة القضائيّة الأعلى في إسرائيل - سمحت للدّولة بأن تنفّذ جريمة حرب، مستندة في ذلك إلى تأويل القانون بشكل ملتوٍ وتجاهُل الحقائق بصورة فظة. تجاهل القضاة أهداف إسرائيل الحقيقيّة في هذه المنطقة، تجاهلوا أحكام القانون الدوليّ والتفسيرات المعتمَدة في العالم، وفوق كلّ شيء - تجاهلوا الملتمسين.

رفضت المحكمة أن تنظر وترى النّاس الماثلين أمامها ونجحت في اختلاق عالم مقلوب يظهر فيه وكأنّ الجيش الذي هو من أقوى جيوش العالم والدولة التي هي دولة عالم أوّل ثريّة هما اللذان وقعا ضحيّة في شرك بضع مئات من المزارعين ورُعاة الأغنام بائسي الحال والمعوزين الذين تمكنوا من "الغزو" و"والاستيلاء" و"فرض الوقائع على الأرض". هؤلاء هم الجُناة الخطيرون ومن الواجب طردهم كي لا يضطروا الجنود الشباب إلى قطع مسافات طويلة من أجل الوصول إلى مواقع التدريب وتبذير لوقت والمال الثمينين. عوضاً عن النظر إليهم كأشخاص ينبغي حماية حقوقهم، ارتأى القضاة أن يصفوهم بأنهم تهديد محقّق لكي يتمكّنوا فقط من تبرير جريمة الطرد التي شرعنوها عبر قرار الحُكم الذي أصدروه.

مجرّد أن يُطلب من سكّان التجمّعات تقديم الإثبات على أنّهم يُقيمون في منازلهم هو أمرٌ يتجاوز المعقول، بل مُهين. منذ أجيال، من قبل أن تحتلّ إسرائيل الضفة الغربيّة، يعيش السكّان هناك حياتهم، يكسبون رزقهم من الأراضي، ويُربّون أبناءهم. لقد محا القضاة هذا كلّه بجرّة قلم، كأنّما لا يجري الحديث هنا عن بشر، وقرّروا أنّ شيئاً من هذا لم يحدث ولذلك يمكن للدّولة أن تهجّرهم من هناك.

الواقع أنّ ما جرى هنا جليّ واضح ولا يمكن عدم رؤيته بكل حقيقته، رغم كلّ الدّيكورات والزركشات. ما جرى ليس مداولة قضائيّة. من المفترض بالقضاة بالطبع أنهم ملمّون بأحكام القانون الدوليّ وتأويلاته المعتمَدة، فكم بالحريّ حين يتعلّق الأمر بمسائل جوهريّة إلى هذا الحدّ وقد عُرضت أمامهم بهذا القدر الكبير من التفصيل. غير أنّ القضاة ارتأوا مجدّداً أن يخدموا نظام الأبارتهايد. في هذه المرّة عثروا على طريقة يُشرعنون بواسطتها نقل الأرض من السكّان الفلسطينيّين إلى أيدٍ يهوديّة ويتيحون للنظام أن يستولي على المزيد والمزيد من الأراضي لكي يُواصل سعيه لتحقيق التفوّق اليهوديّ في قطعة أرضٍ أخرى إضافيّة، كجزءٍ من تصوّر أساسي مفاده أنّ الأرض الممتدّة بين النهر والبحر هي مورد لليهود، لليهود فقط.

لقد صاغ قرار الحُكم، على النحو الأكثر وضوحاً وعلى يد الهيئة القضائيّة الأعلى في إسرائيل، نظرة سلطات دولة إسرائيل إلى الضفّة الغربيّة: لا القانون الدوليّ ولا أحكام القضاء الإداريّ، ولا مبادئ الأخلاق والعدل بالتأكيد، هي التي ستُملي لإسرائيل كيف تتصرّف. تحديد ما هو ممنوع على الدّولة أن تفعله - وبالأساس، ما هو المسموح لها بأن تفعله - يقرّره الحاكم العسكريّ فقط وهو الذي يحسم ما اللّائق وما العادل وفقاً لاحتياجات إسرائيل واعتباراتها فقط ودون أيّ شيء آخر.

ها هنا وصف موضوعيّ للواقع وصياغة دقيقة لنهج إسرائيل في المناطق المحتلّة. المحكمة العليا تساند الدولة في كلّ الأوقات تقريباً وإن درجت على تمويه ذلك بطبقات من الفذلكات البلاغية عن أحكام القانون الدوليّ العُرفيّ، عن التناسبيّة والتوازنات التي ينبغي إجراؤها، عن "الاحتياجات العسكريّة" وعن حدود تدخّل المحكمة في اعتبارات السّلطات. غير أنّ القضاة اختاروا في قرار حُكمهم هذا إزالة المساحيق والتنازل عن هذه الصّياغات الملتوية فسهّلوا فهم موقفهم الحقيقيّ.

سمح القضاة للدّولة بأن تنفّذ جريمة حرب. إذا حدث هذا بالفعل فسيتحمل القضاة أنفسهم أيضاً المسؤوليّة عن تنفيذها، لأنّ النقل القسري لسكّان منطقة محتلّة ـ سواء إلى مكان آخر داخلَها أو إلى خارجَها - يشكّل خرقاً فادحاً للقانون الدوليّ الإنسانيّ وهو إحدى الجنايات المفصّلة في نظام روما الذي تعمل بموجبه محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي. في هذه الأيّام يجري المدّعي العامّ لهذه المحكمة تحقيقاً ضدّ إسرائيل. وفقاً لنظام روما، لا حاجة لوجود نيّة لتهجير السكّان بل يكفي معرفة أنّ هذا ما سيحدث باعتباره نتيجة متوقّعة. من المؤكد أن القضاة يعرفون أنّ النتيجة المتوقّعة لقرارهم ستكون تهجير السكّان من منازلهم. لذلك، فإنّ مسؤوليّتهم عن ارتكاب جريمة حرب ليست مسألة نظريّة. ليس أنّهم سمحوا لآخرين فقط بأن يرتكبوا جريمة، بل: هُم شركاء في الجريمة.