Skip to main content
تصوير: جوناثان زيندل  Flash90
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

المحكمة العليا تشرعن الاحتلال

في 29 كانون الثّاني 2019 ألقت رئيسة المحكمة العليا القاضية إستير حيوت كلمة في المؤتمر الدوليّ السّنوي الذي نظّمه معهد أبحاث الأمن القوميّ شدّدت فيها على أنّ "دولة إسرائيل اعتبرت نفسها ملزمة منذ يوم إقامتها بمبدأ سلطة القانون وحماية حقوق الإنسان، في فترات الحرب كما في فترات الهدوء". ومن هنا فإنّ وظيفة المحكمة لا تعدو كونها جهاز رقابة على الطريقة التي تنفّذ بها الدولة التزامها هذا وبالتأكيد لا يُطلب من المحكمة "أن تحسم بين بدائل عمليّاتيّة أو أن تتساءل حول اعتبارات تتطلّب بوضوح اختصاصًا مهنيًّا". ومع ذلك تؤكّد الرّئيسة أنّ "المحكمة لا تتردّد في إجراء رقابة قضائيّة عندما تُطرح أمامها مسائل قانونيّة مبدئيّة تبرّر التدخّل".

لأجل توضيح التمييز الذي تُجريه بين أنواع الحالات تُحيل القاضية إلى حُكم المحكمة في التماس قُدّم إليها في شأن تعليمات إطلاق النّار التي يطبّقها الجيش خلال المظاهرات الجارية قرب الشريط الحدوديّ في قطاع غزّة منذ آذار 2018. تذكر القاضية أنّ القضاة حدّدوا في حُكمهم أنّ التعليمات "تضع معايير استخدام تدريجيّ لوسائل مواجهة الأخطار الناجمة عن الأحداث، وأنّ هذه المعايير ترتبط ارتباطًا مباشرًا بحجم الخطر [المتوقّع] ومدى التحقّق من وقوعه". إضافة إلى ذلك قرّر القضاة أنّه "رغم التعليمات التي وُضعت يبقى استخدام القوّة الفتّاكة في أيّة حالة عينيّة خاضعًا لمبدأين متشدّدين هما "الحاجة" و"التناسُب" المنصوص عليهما في القانون الدوليّ".

شرعنت المحكمة العليا على مرّ السّنين كلّ انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها إسرائيل في المناطق المحتلّة

إلى هنا إجابة القضاة على "مسألة قانونيّة مبدئيّة". أمّا طريقة تطبيق هذه التعليمات فتتعلّق - في رأي الرّئيسة - بـ"اعتبارات عمليّاتيّة" ولذلك رفضت المحكمة مناقشتها: "فحص طريقة تطبيق هذه التعليمات أمرٌ ذو أوجُه مهنيّة نشكّ في أنّ المحكمة تملك الأدوات للقيام به - خاصّة حيث الأحداث موضوع الالتماس لا تزال جارية". وعلى أيّة حال فالجيش يقوم "خلال وقوع الأحداث بعمليّة استخلاص عِبَر منظّمة يصدر في أعقابها إبراز نقاط وتوضيحات للقوّات في الميدان كما أنّه يجري تحويل حالات معيّنة إلى جهاز فحص مستقلّ في القيادة العامّة مهمّته التحقيق في أحداث استثنائيّة".

وهكذا تسعى الرّئيسة لرسم صورة مثاليّة ومتوازنة لمحكمة تفحص بجدّية وصدق جميع الاعتبارات ذات الصّلة وتمتنع عن التدخّل في ما لا يعنيها ولا تتردّد في الوقت نفسه في التدخّل عندما يساورها شكّ بوقوع مخالفة للقانون. غير أنّ الرّئيسة في سعيها هذا تؤكّد بالضّبط كم أنّ الواقع بعيد عن هذه الصّورة: التمييز بين حالات تثير "أسئلة قانونيّة مبدئيّة" وحالات تمسّ "اعتبارات عمليّاتيّة" تمييزٌ مخادع لأنّه يوحي ظاهريًّا بوجود رقابة قضائيّة تجريها المحكمة بينما هي تستخدمه على مرّ السنين لأجل إضفاء شرعيّة قانونيّة على نهب وسلب وقمع الفلسطينيّين والتجبّر بهم وقتلهم.

الحكم الذي أصدرته المحكمة يُظهر جيّدًا كم أنّ هذا التمييز فارغ ويخلو من أيّ معنى لأنّه لا أوسع من الفجوة بين تصريحات الدولة في هذه الحالة وما يحدث على أرض الواقع: مناقشة الالتماس جرت في 30.4.18 أي بعد مضيّ شهر على أولى مظاهرات الشريط الحدوديّ في قطاع غزّة قُتل خلاله جرّاء تطبيق هذه التعليمات 38 فلسطينيًّا وبضمنهم خمسة قاصرين، وجُرج أكثر من 1,900 بالرّصاص الحيّ. وإلى أن صدر حُكم المحكمة بعد ثلاثة أسابيع أي في 24.5.18 كان قد قُتل 69 فلسطينيًّا آخرين وبضمنهم تسعة قاصرين وجُرح أكثر من 3,600 بالرّصاص الحيّ. ومُذّاك حتى اليوم قتل 116 فلسطينيًا آخرين وبضمنهم 31 قاصرًا وجُرح أكثر من 4,000. عندما تعتبر الرّئيسة التعليمات قانونيّة وتتجاهل في الوقت نفسه نتائجها التي لا يتصوّرها عقل فهي عمليًّا تقول وعلى رؤوس الأشهاد أنّ الدّولة يحقّ لها القيام بممارسات مخالفة للقانون وأنّ المحكمة ستوفّر لها الغطاء القانونيّ الذي يكفل شرعنة هذه الممارسات - شرط أن تمتنع الدولة عن التصريح بالحقيقة أمام القضاة وتواصل عرض وثائق غير ذات صلة أمام المحكمة. وثائق تعكس تحليلًا قانونيًّا نظريًّا لا صلة له بما يحدث على أرض الواقع.

الأمر نفسه يُقال بخصوص رأي الرّئيسة أنّ الجيش يُصدر للقوّات في الميدان "إبراز نقاط وتوضيحات" وأنّه يفحص بنفسه "أحداثًا استثنائيّة". هذا الرأي أيضًا يعتمد وثائق قدّمتها الدّولة للمحكمة تفصّل فيها بتوسّع عمل "جهاز تطبيق القانون العسكريّ" لكنّه رأيٌ منفصل عن الواقع إذ أنّ "الجهاز المستقلّ في القيادة العامّة للتحقيق في الأحداث الاستثنائيّة" والأجهزة الأخرى المشابهة قد أثبتت مرّة تلو المرّة أنّها تعمل كأجهزة لطمس الحقائق وأنّها توفّر الحماية لمن صاغوا التعليمات، للضبّاط الذين يصدرونها وإلى الجنود الذين ينفّذونها.

هذا الحُكم القضائيّ الذي اختارت الرّئيسة في كلمتها تسليط الضّوء عليه بمبادرة منها ليس حكمًا استثنائيًّا بل هو مثال من أمثلة كثيرة تُظهر كيف تمتنع المحكمة العليا عن إجراء رقابة قضائيّة فعّالة وعن وضع قيود على ممارسات الجهات الأمنيّة حين يتعلّق الأمر بالفلسطينيّين وانتهاك حقوقهم - حتى إذا أثارت الحالة "أسئلة قانونيّة مبدئيّة". لقد أثبتت المحكمة العليا مرارًا وتكرارًا استعدادها لشرعنة كلّ ظُلم وكلّ انتهاك لحقوق الإنسان تقريبًا إذا كان هذا فلسطينيًّا. لقد حدث أن شرعنت المحكمة العليا على مرّ السّنين كلّ انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها إسرائيل في المناطق المحتلّة من ذلك أنّها صادقت على هدم منازل كوسيلة عقابيّة وعلى اعتقالات لفترات طويلة دون محاكمة وعلى فرض حصار مستديم على قطاع غزّة وسجن نحو مليونين من السكّان داخله وعلى تهجير تجمّعات بأكملها وترحيل سكّانها عن منازلهم وعلى إقامة جدار الفصل على أراضٍ فلسطينيّة ضمن سلب ونهب مساحات شاسعة من الأراضي.

لكنّ المهمّ في الأمر أنّ المحكمة العليا تتجاهل أيضًا السّياق الواسع للالتماسات التي تُرفع إليها. إنّها تتجاهل وجود نظام عسكريّ صارم يستمرّ منذ أكثر من خمسين سنة وحقيقة أنّ مقدّمي الالتماسات جزء من قطاع سكّانيّ محروم من أيّ تمثيل وتُدار حياته على يد حُكم عسكريّ أجنبيّ. سكّان سُلبت حقوهم السياسيّة ولا يشاركون في صُنع قرارات تمسّ أساسيّات حياتهم. يقتضي العقل السّليم وأحكام القانون الدّولي أن ينحو القضاة في هذه الظروف تحديدًا نحو تعزيز حماية هؤلاء السكّان حيث أنّهم بحاجة ماسّة إلى ذلك ولكنّ القضاة عوضًا عن ذلك يختارون حماية الذين يُؤذونهم وينتهكون حقوقهم.

إذا كان الأمر كذلك فما هي الفائدة الحقيقيّة من التئام المحكمة العليا بوصفها محكمة عدل عليا في كلّ ما يتعلّق بالمناطق المحتلّة؟ الإجابة على ذلك تقدّمها لنا رئيسة المحكمة العليا القاضية إستير حيوت في تتمّة كلمتها المذكورة حيث تفصّل ما تنطوي عليه الأحكام القضائيّة الصّادرة عن المحكمة العليا من مزايا تستفيد منها الدّولة، إذ تعتبر الرّئيسة أنّ الرّقابة القضائيّة "تعكس التزام الدّولة بسلطة القانون". ومن هنا فإنّ "أحد نتاجاتها الجانبيّة المهمّة" بغضّ النظر عن الأحكام التي يصدرها القضاة في الالتماسات المرفوعة إليهم "أنّها تُسهم في تكريس شرعيّة إسرائيل دوليًّا". إلى ذلك تضيف الرّئيسة أنّ دخول المحكمة العليا على الخطّ يساعد في "إحكام الحُجج ’الاستكماليّة‘ التي تقدّمها دولة إسرائيل في مواجهة إجراءات جنائيّة أمام محاكم أجنبيّة دوليّة أو تابعة لدول أخرى".

وهذا هو صُلب المسألة في الحقيقة: ترى المحكمة العليا أنّ من ضمن وظائفها حماية صورة دولة إسرائيل وحماية مسؤوليها الذين يخالفون القانون. والحقّ أنّ المحكمة العليا تقوم بوظيفتها هذه بأمانة وبما يقتضيه ذلك من تأويلات للقانون خارجة عن نطاق المعقول وأحيانًا باطلة من أساسها. تأويلات يرفضها تمامًا معظم خبراء القانون في العالم.

صحيح أنّ قضاة المحكمة العليا ليسوا هم من يسنّ القوانين وليسوا من يصيغ السّياسات أو يطبّقها ولكن من صلاحيّتهم بل من واجبهم أن يحكموا في شأن قانونيّة السّياسات التي ينظرون فيها وأن يمنعوا تطبيقها حين يتبيّن أنّها تنتهك دون مبرّر حقوق الإنسان لسكّان المناطق المحتلّة وتخالف أحكام القانون الدّولي التي وُضعت لتكفل حمايتهم. وحيث يرفض قضاة العليا القيام بذلك فإنّ الهيئة القضائيّة الأعلى في إسرائيل تشرعن ليس الانتهاكات وحسب وإنّما الاحتلال نفسه.