يقاطع جميع المعتقلين الإداريّين الفلسطينيّين منذ 1.1.22 جلسات المحاكم التي تنظر في أوامر اعتقالهم. حتى الآن لم تعقّب أيّة جهة رسميّة على الحجج التي طرحها المعتقلون وتواصل المحاكم النظر في الأوامر كأنّ شيئاً لم يكن. منذ بدأت المقاطعة نظرت المحاكم في عشرات الملفّات رغم تغيّب المعتقلين ومحاميهم عن الجلسات.
ما يودّ المعتقلون إيضاحه هو أنّ إجراءات المحاكم الخاصة بالنظر في أوامر الاعتقال الإداريّ ليست سوى مسرحية يُراد منها الإيهام بوجود رقابة قضائيّة بينما يمثل المعتقلون مجرد "كومبارس" في هذه المسرحيّة الرامية إلى شرعنة حبسهم. وما إصرار الدولة على مواصلة عقد هذه الإجراءات كالمعتاد سوى إثبات على صحة الحجج التي يطرحونها وتجسيد لحقيقة أن لا معنى ولا أهمية لحُضورهم الجسدي في هذه المداولات.
تُظهر معطيات الجيش الرسميّة أنّ المحاكم العسكريّة تُلغي نسبة ضئيلة جدّاً فقط من أوامر الاعتقال التي تنظر فيها. في معظم الحالات يقبل القُضاة اعتبارات القائد العسكريّ دون أيّ اعتراض وأقصى ما فعلوه هو الإيعاز بتقصير مدّة الاعتقال قليلاً:
- في الفترة الواقعة بين العامين 2009 و 2013 تم إصدار 3,996 أمر اعتقال إداريّ . من بين الأوامر التي نظرت فيها خلال تلك الفترة، صادقت المحاكم على 2,422 أمراً (نحو 60%) وقصّرت مدة الاعتقال في 1,052 منها (نحو 26%) دون أية قيود على إمكانيات تمديدها مرة ثانية بينما لم تلغ المحاكم سوى 99 أمراً فقط (2.5%) وقصّرت مدة الاعتقال في 196 أمراً (5%) مع تقييد إمكانيّة تمديدها. أما الأوامر الـ 214 المتبقّية (5.3%) فقد أقرّتها المحاكم مع تقييد إمكانيّة تمديد فترة الاعتقال.
- في الفترة الواقعة بين العام 2015 ونهاية تمّوز 2017 نظرت المحاكم العسكريّة في 3,909 أوامر اعتقال إداريّ. من بين الأوامر التي نظرت فيها خلال تلك الافترة، صادقت المحاكم على 2,953 منها (نحو75%) وقصّرت مدة الاعتقال في 390 أمراً (نحو 10%) دون تقييد إمكانيّة التمديد وألغت 48 أمراً (1.2%) بينما قصّرت مدة الاعتقال في 181 أمراً (4.6%) مع تقييد إمكانيّة التمديد. أما الأوامر الـ 320 المتبقّية (8.1%) فقد وافقت المحاكم على فترة الاعتقال مع تقييد إمكانيّة التمديد.
يُنفّذ الاعتقال الإداري بناءً على قرار يُصدره قائد المنطقة العسكريّ، دون تقديم لائحة اتهام ودون محاكمة. فالتشريعات العسكريّة تتيح اعتقال أيّ شخص لمدّة ستّة أشهُر يمكن تمديدها دون أيّ تقييد بحيث تكون مدّة الاعتقال غير محدّدة ولا يمكن أن يعرف المعتقل متى يمكن الإفراج عنه. خلال ثمانية أيّام من يوم إصدار أمر الاعتقال الإداري أو من يوم تمديده ينبغي إجراء رقابة قضائيّة وإحضار المعتقل للمثول أمام قاضٍ يكون مخولاً صلاحية المصادقة على أمر الاعتقال أو إلغائه أو تقصير مدّة الاعتقال. يمكن للمعتقل تقديم استئناف على قرار القاضي أمام محكمة الاستئناف العسكريّة بل وتقديم التماس إلى محكمة العدل العليا أيضاً.
لكن في الواقع لا تمارس المحاكم العسكريّة أيّة رقابة قضائيّة على أوامر الاعتقال الإداريّ وإنّما تؤدّي دورها في مسرحيّة يُراد منها الإيهام بوجود رقابة كهذه. فالقضاة يقبلون دون أي اعتراض ما يسوقه جهاز "الشاباك" من ادعاءات بشأن "خطورة" الشخص المُعتقل والتي تبرر اعتقاله بصورة فورية. هذه الادعاءات التي يقدّمها "الشاباك" تستند إلى أدلّة تبقى سريّة ولا يمكن للمعتقل أو محاميه الاطّلاع عليها. وهكذا فالمعتقل لا يعرف سبب زجّه في السّجن ولا يملك وسيلة لدحض الادّعاءات المتوفرة ضده، ظاهرياً. أحياناً يطلب القضاة الاطلاع بأنفسهم على الموادّ السريّة بينما يمتنعون في أحيان أخرى عن النظر في هذه المواد ولا يحاولون حتى استيضاح ماهيّة المعلومات التي يستند إليها أمر الاعتقال. في الحالتين يبقى المعتقل نفسه مجرّداً من أيّة إمكانية لمجابهة تلك المعلومات الأمر الذي ويُفرغ الإجراء القضائيّ من أيّ مضمون.
تكمن المشكلة الأساسيّة في هذه الإجراءات القضائيّة الخاصة بالاعتقال الإداري في أنّ فرضيّة العمل التي يعتمدها القُضاة هي انّ هذا الاعتقال هو وسيلة قانونيّة. السّؤال الوحيد الذي ينظرون فيه هو مدى معقوليّة اعتبارات قائد المنطقة العسكريّ في الحالة العينية التي أمامهم. لكنهم لا ينظرون في قانونيّة الصّلاحيّة نفسها إطلاقاً.
بذلك يتجاهل القُضاة تماماً حقيقة أنّ إسرائيل تستخدم الاعتقال الإداريّ على نحو يجعله غير قانوني. خلافاً لأحكام القانون الدوليّ التي تقيّد اللّجوء إلى هذه الوسيلة، تستخدم إسرائيل الاعتقال الإداريّ على نحو واسع وروتيني إذ زجّت على مرّ السّنين بآلاف الفلسطينيّين في سجونها دون محاكمة ودون أن تُطلعهم على الاتّهامات الموجّهة إليهم ودون أن تمكّنهم ومحاميهم من الاطّلاع على الأدلّة ودون أن تُبلغهم متى سيتمّ الإفراج عنهم.
وفقاً لمعطيات مصلحة السجون الإسرائيلية، تحتجز إسرائيل اليوم 579 فلسطينيين رهن الاعتقال الإداري. في سنوات الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية احتجزت إسرائيل مئات عديدة من الفلسطينيّين بموجب أوامر الاعتقال الإداريّ. منذ آذار 2002 لم يمرّ شهر واحد كان فيه عدد المعتقلين الإداريّين أقل من مائة وفي جزء من العام 2003 (خلال الانتفاضة الثانية) بلغ عددهم أكثر من ألف معتقل. يختلف الاعتقال الإداريّ عن عقوبة السّجن التي توقعها المحاكم بشخص ما بعد إدانته بارتكاب مخالفة وغايتها الرسميّة من ذلك ردعه عن إعادة ارتكابها مستقبلاً، لا معاقبته على مخالفة ارتكبها سابقاً. إلّا أنّ إسرائيل تستخدم الاعتقال الإداريّ كبديل سهل ومُريح عن الإجراء الجنائيّ وخاصّة حين لا تملك السّلطات أدلّة تثبت التهمة أو حين لا ترغب في كشف الادلّة التي تزعم أنّها في حوزتها. كما تستغل إسرائيل الاعتقال الإداريّ لوضع فلسطينيّين رهن الاعتقال جرّاء آرائهم السياسيّة ونشاطهم السياسيّ السلميّ فقط.
يوضع المعتقلون رهن الاعتقال الإداريّ لفترات طويلة تتراوح ما بين عدّة أشهر وعدّة سنوات إذ يجري تمديدها المرة تلو الأخرى وكثيراً ما يصدر أمر الاعتقال الجديد قبَيل انتهاء فترة أمر الاعتقال السّابق بينما يكون المعتقل مقتنعاً بأنه قد أصبح على وشك العودة إلى منزله وبينما تكون أسرته قد أصبحت تتوقع عودته إليها. فتمديد الاعتقال ليس أمراً استثنائيّاً. هنا بعض الأمثلة:
- في نهاية آب 2012 كانت إسرائيل تحتجز 184 فلسطينيّاً رهن الاعتقال الإداريّ بضمنهم 29 مضى على اعتقالهم ما بين نصف سنة وسنة (ما يعني أنّه قد جرى تمديد اعتقالهم مرّة واحدة على الأقلّ) و 106 مضى على اعتقالهم أكثر من سنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّتين على الأقلّ).
- في نهاية آب 2016 كانت إسرائيل تحتجز 652 فلسطينيّاً رهن الاعتقال الإداريّ بضمنهم 279 مضى على اعتقالهم ما بين نصف سنة وسنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّة واحدة على الأقلّ) و96 مضى على اعتقالهم أكثر من سنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّتين على الأقلّ).
- في نهاية آب 2020 كانت إسرائيل تحتجز 355 فلسطينيّاً رهن الاعتقال الإداريّ بضمنهم 134 مضى على اعتقالهم ما بين نصف سنة وسنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّة واحدة على الأقلّ) و54 مضى على اعتقالهم أكثر من سنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّتين على الأقلّ).
الاعتقال الإداريّ وسيلة قاسية يستخدمها النظام الإسرائيليّ ضدّ الفلسطينيّين بشكل واسع ومخالف للقانون. زيادة على ما في لاعتقال نفسه من مصاعب ورداءة الظروف في السّجون وعزل المعتقل عن أسرته وأصدقائه ومحيطه يُضاف أيضاً ظلم إبقاء المعتقل في حالة التساؤل وعدم الوضوح سواء بشأن سبب اعتقاله أو بشأن موعد الإفراج عنه.
يجري النظر في أوامر الاعتقال الإداريّ أمام محاكم عسكريّة يجلس فيها قضاة ومدّعون إسرائيليّون بالزيّ العسكريّ ويعملون بموجب أوامر عسكريّة. بعض الأوامر يتمّ الاستئناف عليها في التماسات إلى محكمة العدل العليا وهناك ينظر فيها قضاة المحكمة العليا. هؤلاء أيضاً لا يمثّلون مصالح المجتمع الفلسطينيّ، مجتمع المعتقلين الماثلين أمامهم، وإنّما مصالح نظام الاحتلال الإسرائيليّ. وبكونهم كذلك، فمن غير الممكن أن يقوموا بدور المحكَّم الحياديّ الذي يسعى لإحقاق العدالة. بدلاً من ذلك، يشكل هؤلاء القضاة إحدى الآليات المركزية في منظومة تكريس السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيّين في الضفة الغربيّة.