Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

راسم نبهان

راسم نبهان

( 17 شباط 2025 )

41 عاماً، أب لسبعة أولاد، حول النزوح، الطفل الذي انتشله من بين الأنقاض بعد قصف مخيّم للمهجرين واحتضنه إلى أسْرته، وعن العودة إلى جباليا المُدمَّرة

راسم نبهان مع الطفل حمّودة. صورة قدّمها الشاهد مشكوراً

قبل الحرب كنت أعمل سائق تاكسي، وكنت أقيم في شقة بالإيجار في بلدة جباليا، مع زوجتي فواكه (35 عاماً)، وأولادنا: محمد (20 عاماً)، إسلام (18 عاماً)، آمنة (16 عاماً)، مريم (11 عاماً)، نور الهُدى (10 سنوات)، مصطفى (8 سنوات) وعبد الله (5 سنوات).

في 7.10.23 تركنا منزلنا جرّاء القصف الشديد قربنا، وخاصّة جرّاء سُقوط قذيفة في مُحاذاة المنزل تماماً. خفنا كثيراً فانتقلنا إلى منزل والديّ في منطقة الفالوجة، الواقعة أيضاً في بلدة جباليا.

في جباليا أيضاً عانينا من القصف العنيف الذي أجبرنا عدّة مرّات على النزوح من مكان إلى آخر، في داخل البلدة نفسها. كانت محطّة نزوحنا الأخيرة في جباليا مدرسة الرّافعي، وقد لجأنا إليها في كانون الأوّل 2023. كان هناك حشد غفير من المهجرين. مكثنا في تلك المدرسة نحو عشرة أيّام، ثمّ في 28.12.23، قصف الجيش الإسرائيليّ المدرسة وأصيب صفّان دراسيّان كانا يؤويان عدداً من المهجرين. عندما دخلت إلى أحد الصفّين شاهدت نحو ثمانية شهداء وأشلاء جثث، وكان هناك أيضاً جرحى ودمٌ كثير. فجأة سمعت بكاءً وحين التفتّ رأيت طفلاً صغيراً، لا يتجاوز عُمره عدّة أشهُر. حملته وخرجت من الصفّ. شاهدت الناس يفرّون وهُم يبكون ويصرخون فزعاً. لم أعرف ما إذا كان والدا الطفل من بين الشهداء أو الجرحى. وقفت هناك وانتظرت أن يتوجّه إليّ أيّ كان، ولكن كلّ من خرج من الصفّ مرّ عنّي ولم يسألني أحد عن الطفل.

أمر الجيش جميع الموجودين في المدرسة بإخلاء المكان والانتقال إلى جنوب قطاع غزّة فوراً. خرجت مع عائلتي من المدرسة وأخذنا معنا الطفل مجهول الهُويّة. أسميته حمودة (صيغة التحبّب للاسم محمد).

ذهبنا عبر شارع صلاح الدّين إلى الحاجز الذي أقامه الجيش في "نتسريم"، ولكن لم نتمكّن من اجتياز الحاجز بسبب القصف المكثّف وإطلاق النيران في المنطقة . اضطررنا أن نعود أدراجنا، وقد لجأنا إلى مدرسة في حيّ الزيتون قريبة من الحاجز. مكثنا هُناك ليلة واحدة وفي الصّباح خرجنا مجدّداً في رحلة النزوح، سيراً على الأقدام، وذهبنا في اتّجاه الحاجز، والطفل معنا.

حمّودة (محمد) أبو جبل. صورة قدّمها الشاهد مشكوراً

وصلنا إلى مدينة دير البلح، وسط قطاع غزّة، وبقينا هُناك نحو أربعين يوماً. من هُناك انتقلنا إلى مدرسة في خان يونس، ولكن بسبب وُجود أعداد هائلة من النازحين ونظراً للاكتظاظ الشديد، بقينا هُناك يومين فقط.

من هُناك انتقلنا إلى منطقة تلّ السّلطان في مدينة رفح. ذهبنا سيراً على الأقدام لأنّنا لم نملك نُقوداً لاستخدام المُواصلات. كان وضعُنا صعباً: كان من الصّعب الحُصول على مُنتجات غذائيّة وخُبز، وأحياناً كانت غير متوفّرة أصلاً. رغم هذا كلّه، حاولت جاهداً أن أجلب حليباً وحفاضات للطفل حمّودة، لأنّه الآن في عُهدتنا وأمانة في أعناقنا.

ونحن في رفح وجدت عملاً في بيع النايلون، وهكذا استطعت أن أشتري الطعام لعائلتي والحليب لحمّودة. وتفرّغت زوجتي للاعتناء بالطفل. لقد تبنّيناه وأصبح واحداً من أفراد العائلة، وبالنسبة لأولادي أصبح حمّودة أخاهُم الصّغير المُدلّل. توجّه إلينا أناس يُريدون أن يتبنّوا حمّودة فلم أوافق، لأنّني وزوجتي قد أخذنا عهداً على أنفسنا أن نعتني به. لقد أحببنا حمّودة كثيراً، كأنّه واحد من أولادنا.

ثمّ أمرنا الجيش مرّة أخرى بأن نُخلي رفح فانتقلنا إلى مدرسة في خان يونس حوّلوها إلى مخيّم للمهجرين. في المدرسة أيضاً توجّه إلينا أناس يطلبون أن يتبنّوا حمّودة، لكنّنا رفضنا لأنّنا أحببناه وشهدناه يكبر أمام أعيننا. لقد كان من الأشياء الجميلة النادرة التي حدثت معنا خلال تلك الفترة. لقد كبُر وتطوّر وصار يمشي.

طوال الوقت كنت أبحث عن عمل لكي أوفّر المال اللّازم لشراء الحليب له. عملت في الزراعة، في حقل قرب المدرسة.

لم أشعُر للحظة أنّ حمودة يشكّل عبئاً يُثقل عليّ. كنت أفرح كثيراً كلّما لبّيت احتياجاته، وكنت على قناعة أنّه "وجْه خير" علينا فقد فُتحت أمامي بفضله أبواب الرّزق. قلت لزوجتي وللأولاد أنّ حمّودة قد أصبح فرداً من العائلة وقطعة من قلبي. كنّا نهتمّ به ونحميه من كلّ شيء. ولكن إلى جانب ذلك كنّا راغبين جدّاً في أن نجد عائلته وأهله، ولذلك سألنا الناس وحاولنا العُثور عليهم.

عندما أعلن وقف إطلاق النار كانت قد مضت سنة على وُجود حمّودة معنا، وقد أخذ الناس يعودون إلى الشمال، إلى مدينة غزّة وأيضاً إلى بلدة جباليا. أنا وعائلتي انفعلنا وابتهجنا كثيراً للعودة بعد سنة من النزوح والترحال والمُعاناة. كذلك كان لديّ أمل أن أعثر على عائلة حمّودة. كنت أتخيّل كيف سنعود إلى جباليا ونلتقي عائلتنا ونعانق بعضنا البعض، وأتساءل بخُصوص حمّودة - هذا الطفل، من سيكون في انتظاره ويعانقه؟ وكم سيكون مُحزناً أن يبقى يتيماً بلا عائلة.

في طريق عودتنا، عندما كنّا قرب تلّة النويري، الواقعة غربيّ مخيّم النصيرات للّاجئين (شارع الرشيد)، التقينا مُراسلة فضائيّة "العربيّة" وكانت تغطّي عودتنا إلى الشمال في بثّ مُباشر. أجرت معي مُقابلة وأنا أحمل حمّودة على ذراعيّ، وقد رويت لها قصّته. بعد المُقابلة، واصلنا السّير في اتّجاه شمال القطاع. لم أعلم أنّ المُقابلة قد انتشرت على مواقع التواصُل الاجتماعيّ، وأنّ الجميع قد أخذوا يسألون عنّي وعن الطفل.

في نهاية المطاف، عثر علينا الوالد الحقيقيّ للطفل بفضل هذه المقابلة. قام هو بالاتصال مع المُراسلة التي أجرت معي المُقابلة، وهي بدورها اتّصلت بي. بعد ذلك التقينا والد حمّودة. اسمُه طارق أبو جبل، وهكذا فاسم الطفل الآن محمد أبو جبل. كذلك علمنا أنّ والدة الطفل قد استُشهدت. كان من الصّعب علينا أن نسلّم محمد لوالده وقد تملّكتنا مشاعر مُختلطة. من جهة، كنّا فرحين جدّاً للقاء محمد بوالده، ومن جهة أخرى كنّا نودّ لو أنّنا لا نفارقه. ناولته لوالده وأنا أبكي. محمد كان قد أصبح مُعتاداً عليّ ويُناديني "بابا"، ولذلك لم يقبَل والده ونظر إليّ بحُزن. منذ ذلك الحين زوجتي تبكي شوقاً إليه، وكذلك أولادي يشتاقون إليه. كان قد أصبح فرداً من العائلة. محمد كان أجمل ما حدث لنا خلال هذه الحرب. صورته لا تفارق مخيّلتي، وكذلك زوجتي والأولاد يفكّرون به طوال الوقت.

الآن نحن موجودون في شمال القطاع ونقيم في خيمة. لا يوجد هُنا شيء سوى أكوام الحجارة والرّمال. أرض محروقة. انتابتني الصّدمة عندما شاهدت الوضع هُنا. المنطقة ما عادت مُلائمة لسُكنى البشر، ولا حتى الحيوانات. لا يوجد هُنا أساس يقوم عليه وُجود إنسانيّ - لا طعام مغذّ وصحّي، لا ماء، لا كهرُباء، لا دواء، لا مُواصلات، لا خدمات إسعاف أوّلي للمرضى، لا وقود، لا غاز للطبخ. لا توجد شوارع أو طُرُق، ولا توجد مدارس ولا مُستشفيات.

فقط دمار وخراب تامّان. وضْع تعجز اللّغة عن وصفه. أنا مُنهار نفسيّاً. حزين ومُكتئب.

أعظم أمنياتي الآن هي الحُصول على "جرّة غاز" للطبخ، وقد باتت تكلّف مبلغًا كبيرًا. يبيعون هُنا أيضاً ألواحاً شمسيّة لتوليد الكهرباء، وهي أيضاً باهظة الثمن. اللّوح الواحد يُباع بـ6,000 شاقل، والبطّارية تكلّف 5,000 شاقل.

* هذه الإفادة سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 17.2.25