(34 عاماً)، أمّ لطفلة رضيعة، من سكّان القرية البدويّة في بيت لاهيا، تحدّثت عن مشقّات النزوح وعن الظروف القاسية التي أنجبت فيها طفلتها
حتى اندلاع الحرب كنت أقيم مع زوجي فهد (34 عاماً) في القرية البدوية شمال بيت لاهيا، وهي قريبة جدّاً من الحدود مع إسرائيل. زوجي رجُل فقير، كان يعمل في أيّ عمل يُتاح له لكي يعيلنا، لكنّنا استطعنا مع ذلك وبجُهد شاقّ أن نبني لنا بيتاً بسيطاً ومتواضعاً يغمره الحبّ والدّفء وكان يعني لنا كلّ شيء - الرّاحة، الأمن والطمأنينة، الانتماء والكرامة. كنت أحبّ أيضاً بيت لاهيا، البلدة التي كانت بيتاً لي والتي حلمت أن أكبر فيها، أن أربّي فيها أولادي وأن أمضي حياتي بين شوارعها وأناسها.
يوم اندلاع الحرب كان بداية رحلة نزوح طويلة ملؤها الخوف والفقر والمُعاناة، رحلة فقدت فيها تقريباً كلّ شيء وما زالت تبدو بلا نهاية. كانت الصّواريخ تتطاير فوق رؤوسنا والقذائف العشوائيّة تنفجر من حولنا، بسبب قُربنا من الحدود. منذ اليوم الثاني للحرب هربنا لكي ننجو بأنفسنا ولم نأخذ معنا شيئاً. منذ ذلك اليوم نزحنا أكثر من عشر مرّات هرباً من القذائف وشتّى المخاطر. لكنّ الحرب كانت تلاحقنا حيثما ذهبنا وبلا توقّف.
في البداية نزحنا مع عائلة زوجي إلى مدرسة حفصة بنت عمر، في منطقة الفالوجة، في مخيّم جباليا للّاجئين. عندما وصلنا كان المكان يكتظّ بأعداد هائلة من المهجرين الذين كانوا ينامون على الأرض وفي غرف الصفوف والممرّات، دون أيّة خصوصيّة أو أمان. لم نمكث هناك طويلاً.
في 18.11.23، عندما اشتدّ القصف بشكل لا يمكن استيعابه، قرّر زوجي أن ننزح جنوباً حفاظاً على حياتنا. اجتزنا شارع الرّشيد سيراً على الأقدام حتى وصلنا إلى مخيّم النصيرات للّاجئين، ومن هناك سافرنا إلى مدينة رفح في أقصى جنوب القطاع. استأجرنا هناك شقّة صغيرة وسكنّا فيها مدّة شهر ونصف الشهر تقريباً.
في 3.1.24 قصفت إسرائيل المنزل المجاور لنا فأصبت أنا وزوجي من شظايا رُكام وتمّ إخلاؤنا إلى مستشفى أبو يوسف النجّار. بعد ذلك انتقلنا إلى منطقة محور فيلادلفيا، المتاخمة للحدود مع مصر، ظنّاً منّا أنّها سنجد هناك الأمان بعيداً عن قصف المنازل والمجازر التي كانت تحدث كلّ يوم وكلّ لحظة. كانت الحياة في الخيمة صعبة جدّاً، إذ لم توفّر لنا خصوصيّة ولا حماية من برد الشتاء أو حرّ الصّيف.
في 6.5.24، عندما شرع الجيش الإسرائيليّ في اجتياح مدينة رفح، هربنا من هناك مع أكثر من مليون شخص، سكّان رفح ومهجرين، ورُحنا نبحث مجدّداً عن مكان "آمن". توجّهنا إلى منطقة البركسات - مخازن وكالة الغوث، غربيّ مدينة رفح، لكنّنا لم نمكث هناك سوى تسعة أيّام، لأنّ القصف والقتل لحقا بنا إلى هناك. وحيث لم يكن في رفح حتى متر مربّع آمن، قرّر زوجي أن نذهب إلى مواصي خان يونس، كملجأ مؤقت. لم تكن معنا خيمة ولم نجد مكاناً نلجأ إليه. فرشنا بطّانيّات على الرّمال والتحفنا السّماء. مكثنا هناك 12 يوماً في ظروف لا ترحم. كنّا ننام على الرّمال، نرتجف من البرد في اللّيل، نحترق من الحرّ في النهار، متروكين عُرضة لأحوال الطقس وأنظار الجميع. كلّ هذا كان ممزوجاً بالخوف والرّعب في كلّ لحظة.
في كلّ نزوح عانينا الجوع، التعب، الخوف من الموت والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانيّة. في تلك الأثناء حملت، بعد مُحاولات فاشلة استمرّت أربع سنوات. أمضينا تلك الفترة مُعدمين نكافح من أجل البقاء على قيد الحياة، إلى أن أعلن وقف إطلاق النار، في كانون الثاني 2025، بين الفصائل الفلسطينيّة والجيش الإسرائيليّ. ظننّا آنذاك أنّ الحرب انتهت إلى غير رجْعة وأنّنا تخلّصنا من القتل والنزوح فرجعنا إلى مدينة غزّة في شمال القطاع سيراً على الأقدام.
ولكن عندما عُدنا لم يكن هناك منزل يستقبلنا لنأوي إليه ويحتوينا. حين ذهب زوجي إلى منزلنا ليتفقّد وضعه وجد أنّ الحيّ كلّه قد مُحي عن وجه الأرض والجيش الإسرائيليّ قد سيطر على كلّ منطقة القرية البدويّة وحوّلها إلى مُعسكر للجيش. أصبحنا مشرّدين بلا مأوىً ولم نعرف كيف سنُواصل حياتنا من هذه النقطة. في تلك المرحلة كنت قد أصبحتُ حاملاً وكان أكثر ما يهمّنا الحفاظ على حياتنا لكي نعيش لحظة ولادة طفلتنا.
في 2.2.25 ولدت طفلتي كِناز في مستشفى العودة. ولدتها على فرشة على الأرض وفي ظروف صعبة - لم تكن هناك أسرّة، ولم تتوفّر أيّة خصوصيّة، وبالكاد وُجدت أدوية أو معدّات طبّية. التفكير بأنّ طفلتنا البريئة تبدأ حياتها وسط ضجيج القذائف رافقه شعور لا يُطاق. كان زوجي معي في المستشفى وكان ينام في السّاحة في خيمة مخصّصة للرّجال.
بعد الولادة لم يتغيّر شيء. بقينا مهجرين دون مكان آمن نأوي إليه ودون أيّ من الاحتياجات الضروريّة لطفلتنا. مكثت في المستشفى أسبوعاً مع طفلتي كِناز ومن هُناك انتقلنا إلى منزل عائلتي في مشروع بيت لاهيا. بعد مضيّ شهر نزحنا إلى بيت حانون ونصبنا هناك خيمة. لكنّ الحرب سرعان ما استُؤنفت، في 18.3.25، وعاد كلّ شيء كما كان - القصف، القتل، الإبادة والنزوح عادت كأنّما لم تتوقّف أصلاً.
وسط القصف الجوّي والمدفعيّ وارتكاب المجازر، أمرنا الجيش الإسرائيليّ، عبر رسائل هاتفيّة ومنشورات ألقاها من الجوّ، أن نخرج من منازلنا ونتوجّه مجدّداً إلى جنوب القطاع. عادت الحرب أقسى وأشدّ حتى ممّا كانت قبل وقف إطلاق النار. مُجبَرين، غادرنا فوراً وتركنا وراءنا كلّ شيء.
نزحنا إلى غرب مدينة غزّة، إلى جامعة الأزهر، وعشنا في قاعة صغيرة جدّاً مع خمس عائلات أخرى مكوّمين فوق بعضنا البعض طيلة ثمانية أشهُر. ثمانية أشهُر مرّت علينا كأنّها أهوال يوم القيامة أو عذابات الجحيم: قتل، قصف، جوع… في بداية شهر آب 2025 أعلن الجيش الإسرائيليّ أنّ مدينة غزّة مُحتلّة وأمر جميع سكّانها بالنزوح إلى جنوب القطاع، وكان الجيش في الوقت نفسه يتقدّم نحونا من كلّ الاتّجاهات. لم أتحمّل فكرة أن تمرّ ابنتي بهذا الموت كلّه.
في بداية شهر أيلول، نزحنا مجدّداً حين أضحى الوضع في غرب غزّة لا يُطاق، وبعد أن بقينا مشرّدين في الشارع طيلة أيّام نبحث عن ملجأ آمن. بعد جُهود عديدة عثرنا في الزوايدة، وسط قطاع غزّة، في منطقة الثعابين، على قطعة أرض استأجرناها مع عائلة زوجي؛ وكان معنا في هذه الأرض سبع عائلات أخرى، غُرباء - وما زلنا في المكان نفسه حتى الآن، نعيش في ظروف مروّعة، لا طعام، لا ملابس، لا بطّانيّات، لا أثاث، ولا ذرّة أمن في حياتنا اليوميّة.
في 10.10.25 أعلن أخيراً عن وقف إطلاق نار وأخذ الناس يعودون مرّة أخرى إلى مدينة غزّة. نحن لم نرجع لأنّ منزلنا قد هُدم ولا مكان لنا نعود إليه. بقيت مع زوجي وعائلته مهجرين، نعيش في خيام، جميعنا كسيرو القلوب، نسعى جاهدين للحصول على طعام وتوفير حياة آمنة لطفلتنا الصغيرة، وهو أمرٌ بات شبه مستحيل مع قدوم موسم الشتاء ونحن بلا ملابس ولا تجهيزات تحمينا من البرد القارس.
أصعب الأيّام مرّت علينا خلال العاصفة التي اجتاحت قطاع غزّة في 10.12.25. لم تصمد خيمتنا في وجه الرّياح العاصفة والأمطار الغزيرة. كنّا نحن الثلاثة جالسين في الخيمة ونشعر بها تترنّح من جهة إلى أخرى، ثمّ فاضت المياه علينا من السقف ومن الأرض وغمرت كلّ شيء - الفرشات والملابس والطعام. حاول زوجي أن يُصلح الخيمة بنفسه، أمسك بزوايا الخيمة محاولاً منع دخول المياه لكنّ محاولته باءت بالفشل أمام قوّة الرّيح وغزارة الأمطار. عندما رأيت ملامحه تعبّر عن العجز والإحباط ورأيت طفلتي الصغيرة ترتجف من البرد، أجهشت بالبكاء. بكيت كما لم أبك في حياتي من قبل. كلّ ما احتقن في داخلي خلال الحرب - الألم، الذلّ والمهانة، النزوح، الخوف، ومواجهة أضرار الطقس دون أيّة وسيلة حماية ـ كل ذلك انصبّ عندي في تلك اللّحظة التي وقفنا فيها وأقدامنا غائصة في المياه نحاول أن نحمي أنفسنا من الغرف في مأوىً من الكرتون والخيش كنا نسمّيه "بيت".
قصّتي هذه هي قصّة ألم. ألم أمّ حملت بطفلتها في رحمها وولدتها في أتون الحرب وألم زوج فقير يبذل أقصى ما في وُسعه لكي يحمي عائلته. ألم أطفال ينامون على الرّمل وتحت المطر. ألم عائلة فقدت منزلها، خصوصيّتها، أمنها ومستقبلها. ألم على حياة ملؤها الذلّ والخوف. لم أعد أطلب اليوم شيئاً سوى أن تنتهي الحرب، أن تكون لي خيمة تؤوينا أنا وزوجي وطفلتنا وتحمينا من العواصف والأمطار.
* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صبّاح في 28.12.25