Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

حازم المدهون

حازم المدهون

( 28 شباط 2024 )

32 عاماً وسكان مدينة غزة، ثكل زوجته وطفلتهما الرّضيعة (4 أشهُر)

حور المدهون. صورة قدّمها والدها مشكور.
حور المدهون. صورة قدّمها والدها مشكور.

قبل اندلاع الحرب كنّا نقيم أنا وزوجتي روان عبد الواحد (25 عاماً) وابنتنا حور (4 أشهُر) في شارع المخابرات في مدينة غزّة. في 13.10.23 خرجنا من المنزل بعد أن أمر الجيش بإخلاء المنطقة. خرج معنا أيضاً شقيقاي مازن (42 عاماً) ومحمد (36 عاماً) كلّ مع أسرته، وكذلك والدتي سناء المدهون (65 عاماً) وهي تعاني من سرطان الرّئة. نزحنا إلى منزل خالتي صفاء المدهون (62 عاماً) في مدينة حمد في خان يونس.

كان القصف كثيفاً في كلّ مكان وكنّا طوال الوقت هناك نسمع القذائف تُطلق من الدبّابات والسّفن الحربيّة. لا كهرباء ولا ماء ولا إنترنت ولا مُواصلات. كان الوضع صعباً إلى درجة يصعب وصفُها.

في 15.11.23 كان لوالدتي موعد في مستشفى أبو يوسف النجّار في رفح، وقد رافقتها إلى هناك. في اليوم نفسه سافرت زوجتي مع طفلتنا حور لتزور عائلتها في مخيّم النصيرات للّاجئين - لأنّها لم ترهُم منذ مدّة طويلة، وأيضاً لأنها أملت أن تستطيع تطعيم حور هناك بعد أن تأخّر تطعيمها في خان يونس بسبب النقص في التطعيمات. كانت المحادثة الأخيرة بيننا نحو السّاعة 11:00 عندما اتّصلت لأطلب منها أن تطمئنني لدى وُصولهما بالسّلامة إلى منزل والديها.

عندما لم تتّصل بي رَوان حاولت الاتّصال بها لكنّها لم تجب. نحو السّاعة 16:30 هاتفت سائق التاكسي الذي أقلّها فقال إنّه سمع أنّ الجيش قصف بناية عائلتها وقُتل جرّاء ذلك أناس كثيرون. هي بناية مؤلّفة من ستّة طوابق وفي كلّ طابق 4 شقق. أجهشت بالبكاء. نزل هذا النبأ عليّ كأنّه الصّاعقة. شعرت كأنّما شيء ما يخنقني.

هاتفت أخي مازن وطلبت منه أن يحاول الحصول على معلومات ويستطلع ما إذا كان الخبر صحيحاً وما الذي جرى بالضّبط. حاول مازن، وكذلك مدير مستشفى أبو يوسف النجّار، الاتّصال بمستشفى شهداء الأقصى في دير البلح لكي يعرفوا ماذا حدث لزوجتي وطفلتنا، ولكن كانت الاتّصالات مقطوعة.

بعد مضي ساعة أبلغني مازن أنّ بعضاً من أفراد عائلة روان قُتلوا: شقيقها عبد الرحمن (19 عاماً) وعمّها محمود سمّور (60 عاماً) وزوجته وبناتهما الثلاثة وهُنّ في العشرينيّات من أعمارهنّ، وعمّتها سحر سمّور (58 عاماً) وولداها عبد الله (18 عاماً) وفيصل (21 عاماً). لاحقاً فهمت أنّ هناك شهداء من عائلة زوجتي وعائلات أخرى كذلك، وأنّ هناك عشرات الشهداء. بعد ذلك اتّصل بي مازن وقال إنّ اسمَي زوجتي وطفلتي لا يظهران في قائمة الشهداء فاطمأننت قليلاً، لكنّه قال إنّ عليّ أن آتي إلى المستشفى الأوروبيّ في خان يونس لأنّ هناك جرحى.

فوراً سافرت مع والدتي إلى المستشفى الأوروبيّ. حين وصلنا سألت عن زوجتي وابنتي، تنقّلت بين الأقسام - قسم الطوارئ وقسم الأطفال والعناية المكثفة. بعد أن بحثنا عنهما طوال ساعتين توجّهت والدتي إلى إحدى الممرّضات وطلبت منها أن تساعدنا في العثور عليهما. بعد بضع دقائق عادت إلينا وقالت إنّه يوجد في مستشفى شهداء الأقصى أشلاء سبع جثث لم يتمّ التعرّف عليها. عندئذٍ تهاويت لأنّني كنت متأكّداً أنّ زوجتي وابنتي من بين هؤلاء السّبعة. وقعت أرضاً وكنت على وشك الإغماء فأعطوني حقنة مهدّئة. بقيت في المستشفى الأوروبيّ وانتظرت طلوع الصّباح لكي أسافر إلى مستشفى شهداء الأقصى.

في الصّباح لم أتمكّن من السّفر لأنّني لم أعثر على تاكسي يقلّني. جاء إلى المستشفى مُسعف في سيّارة إسعاف من مستشفى شهداء الأقصى وحين أراد العودة إلى هناك لم يوافق أن يأخذني معه في سيّارة الإسعاف. لكنّه أخذ رقم هاتفي وقال إنّه إذا ما وجد زوجتي فسوف يتّصل ويُبلغني عن وضعها.

لاحقاً في اليوم نفسه هاتفني شقيق زوجتي وأبلغني أنّها وطفلتنا من بين الشهداء السّبعة المقطّعة جثثهم. عندما سمعت ذلك رُحت أصرخ بأعلى الصّوت. أغمي عليّ وفقدت وعيي، وعندما أفقت وجدت والدتي وأخي بجانبي.

سافرنا إلى مستشفى شهداء الأقصى. كانت حور داخل كيس من البلاستيك، أشلاء. تعرّفت على زوجتي من خاتم الزواج (المحبس). أخذنا جثمانيهما ودفنّاهما معاً ومع أقارب آخرين في قبر واحد، لأنّه لا يوجد مكان.

أنا أريد أن أفهم، ماذا فعلت زوجتي وطفلتي الرّضيعة للجيش؟ لقد قصفوهما دون أيّ سبب. كانت زوجتي وطفلتي من المدنيّين. ابنتي كانت في الشهر الرّابع من عُمرها فأيّ خطر منها هدّد الجيش؟

بقيت دون أسرتي. كانت حياتنا الأسَريّة في بدايتها وعشنا معاً حياة سعيدة كأسرة. في 13 تشرين الأوّل احتفلنا بعيد زواجنا الأوّل. من هذا كلّه لم يتبقّ لي سوى خاتما زواجنا، وأنا أحتفظ بهما. الآن لا أملك أيّة ذكرى حيث فقدت الصّور والفيديوهات جميعها. ملابسنا وأغراض زوجتي وابنتي جميعها اندثرت. منزلي في غزّة سُوّي بالأرض خلال القصف. لقد قُصف المنزل قبل أن أغادر غزّة بيوم واحد. جميع ذكرياتي مع أسرتي ضاعت إلى الأبد. مصاغ زوجتي ضاع وأوراقنا الثبوتيّة…

أنا لا أنام اللّيل منذ أن استشهدت زوجتي وابنتي. لا أستطيع التوقّف عن التفكير بهما. عندما أرى أطفالاً أتذكّر ابنتي حور. أتذكّر ضحكتها، وكيف كنت أحضنها وألاعبها وأطعمها. كانت معظم الوقت بين ذراعيّ. كنت أنتظر اليوم الذي ستكبر فيه. كنت أجلب لها الألعاب والملابس. كلّ هذا اختفى في لحظة! لقد فقدتها إلى الأبد.

الآن هناك كلمة واحدة تظلّ تنقر رأسي - أشلاء. أشلاء ابنتي. أنا الآن لست إنساناً طبيعيّاً. طوال الوقت تدهم مخيّلتي مشاهد وأفكار عن الإبادة.

رَوان كانت أكثر من زوجة لي. لقد كانت صديقتي وحبيبتي. فقدتها دون أودّعها. كنت أوصلها إلى الجامعة، ولكي تتمكّن من إعداد وظائفها كنّا نقوم بأعمال المنزل سويّة. لقد كنّا أسرة سعيدة، والآن مُحي ذكرُ أسرتي وحلّ محلّها الحزن والأسى والألم والذكريات.

*هذه الإفادة سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 28.2.24.