Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

عرفات الخواجا

عرفات الخواجا

( 18 كانون الأول 2025 )

(35 عاماً)، أب لثلاثة، من سكّان مخيّم الشاطئ للّاجئين، تحدّث عن مقتل ابن أخيه تيّم (رضيع ابن شهرين) الذي توفي جرّاء البرد في منزل مهدّم جزئيّاً لجأت إليه العائلة في مدينة غزّة:

تيم الخواجا. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

أنا عمّ الطفل الرّضيع تيم الخواجا (شهران) الذي توفّي جرّاء البرد.

حتى اندلاع الحرب كنت أقيم مع زوجتي وأولادنا الثلاثة في مخيّم الشاطئ للّاجئين، في مدينة غزّة، في بناية مؤلّفة من ثلاثة طوابق كلّ منها عبارة عن شقّة مساحتها 200 متر مربّع. كان هناك طابق خاصّ بوالديّ وطابق آخر خاصّ بأخي محمود (27 عاماً). بعد ذلك، عشنا هذه الحرب القاسية بكلّ صعوباتها ومآسيها، مثل بقيّة العائلات في قطاع غزّة.

في بداية الحرب، بتاريخ 9.11.23، قصف الجيش الإسرائيليّ منزل جيراننا في المخيّم واستُشهد جرّاء القصف عدد من الأشخاص. لذلك قرّرنا النزوح إلى مدينة رفح في جنوب القطاع. كان الوضع في رفح صعباً وعشنا في ظروف قاسية.

عندما اجتاح الجيش الإسرائيليّ رفح، في أيّار 2024، انتقلنا إلى مخيّم للمهجرين في مواصي خان يونس. في فترة مكوثنا هناك، في 15.11.24، تزوّج أخي محمد من روان الخواجا (21 عاماً). لم نُقم حفل زفاف ولم تكن هناك أيّة مظاهر فرح. احتفلنا على نطاق ضيّق بحضور أفراد العائلة المقرّبين. كنّا نعيش آنذاك في خيام وفي ظروف صعبة، كان الوضع مُخيفاً جدّاً.

في فترة وقف إطلاق النار، في كانون الثاني 2025، عندما عُدنا إلى الشمال، إلى منزلنا في مخيّم الشاطئ للّاجئين، وجدنا أنّه قد تضرّر. رمّمناه قدْر المُستطاع وسكنّا فيه. في أيّار 2025 استؤنفت الحرب بقوّة وقسوة أشدّ من ذي قبل، لكنّنا بقينا في المنزل. في تلك الفترة عشنا الأهوال وقد تملّكنا الرّعب والضغط بدرجات لا يمكن وصفها.

كانت روان حاملاً بطفلها تيم، ولكن بسبب الجوع ونقص الموادّ الغذائيّة في قطاع غزّة لم تتناول مكمّلات غذائيّة وفيتامينات كما تفعل النساء الحوامل وعانت من سوء التغذية. لم تكن تشرب الحليب، مثلًا، ولم تتناول البيض أو الفواكه أو الخضروات.

في أيلول 2025، عندما اشتدّ القصف في مدينة غزّة، نزحنا مجدّداً، وفي هذه المرّة انتقلنا إلى مخيّم النصيرات للّاجئين، في وسط قطاع غزّة. سكنّا جميعاً في خيمة واحدة - عائلتي، محمود وروان ووالديّ. في فترة مكوثنا هناك، في 9.10.25، علمنا أنّ الجيش الإسرائيليّ قصف منزلنا وأنّه قد تهدّم تماماً.

في تلك الفترة ساءت صحّة محمود، وعندما أجرى فحوصات تبيّن أنّه مُصاب بالسرطان ولديه أورام في البطن. هذا الخبر صدمنا جميعاً. هو يتلقّى الآن العلاج الكيميائيّ وينتظر أن تسمح إسرائيل له بالسّفر إلى الخارج لاستكمال العلاج. في 15.10.25، ولدت روان، زوجة محمود، ابنهما تيم في مستشفى العودة، في مخيّم النصيرات للّاجئين. كان محمود يعاني وهناً شديداً ولم يستطع مرافقة زوجته إلى المستشفى. وُلد الطفل صغيراً جدّاً، إذ لم يتجاوز وزنه كيلوغرامين لكنّه، والحمد لله، كان بصحّة جيّدة.

في اليوم الذي تلا ولادة تيم قرّرنا العودة إلى مدينة غزّة. مرّت فترة بحثنا خلالها عن مكان نُقيم فيه وفي النهاية انضممنا إلى عائلة عمّي في منزلهم الواقع قبالة شاطئ غزّة. كان وضع بيتهم سيّئاً جدّاً جرّاء القصف. فقد تهدمت جُدرانه الخارجيّة والداخليّة كلّها وأصبح البيت كلّه فضاءً واحداً متّصلاً. نظفنا البيت ووضعنا شوادر بدلاً من الجُدران وعُدنا جميعاً للسّكن فيه.

بدأ شتاء هذا العام شديدًا ونحن نعاني كثيراً لأنّ المنزل الذي نقيم فيه بلا جُدران. البرد شديد وليس لدينا ما يكفي من الملابس الدافئة والبطّانيّات والفرشات. في هذا البرد يحتاج كلّ شخص إلى أكثر من بطّانيّة واحدة ونحن لا نملك حتى بطّانية لكلّ فرد منّا. عندما نزحنا عن منزلنا أخذنا معنا القليل من الملابس والأغراض وبعد أن قصفوا المنزل لم يتبقّ لنا شيء. نحن نتقاسم البطّانيّات وأحياناً نقترض ملابس من الأصدقاء أو الجيران.

عندما سمحت إمكانيّاتنا اشترينا بالمال القليل الذي توفّر معنا بعض الملابس، لنا وللأولاد، وخاصّة لتيم. اهتمّ محمود وروان بطفلهما تيم طوال الوقت وحاولا أن يوفّرا له الدفء باستخدام البطّانيّات والملابس التي حصلنا عليها. أعطيتهم أيضاً من ملابس أولادي، لكنّ هذا لم يكن كافياً في تلك الظروف حيث المنزل بلا جُدران ومكشوف على البحر.

في 11.12.25 هبّت عاصفة قويّة. كانت الرّياح شديدة لدرجة أنّها اقتلعت الشوادر التي وضعناها. فجأة سمعت روان تصرخ. عندما أسرعنا إليها رأيناها تحمل تيم وقد ازرقّ وجهه وجسمه. كان تيم كأنّه جَماد، لا يتنفّس. حملته فوراً إلى مستشفى الشفاء. عندما وصلت وفحصه الأطبّاء قالوا إنّه يُعاني هبوطاً حادّاً في نسبة السكّر في الدّم نتيجة البرد القارس ويعاني أيضاً عدوى جرثوميّة. أدخلوه إلى قسم العناية المكثفة وبقيت أنا في المستشفى لكي أتابع وضعه عن كثب.

لم يأت والدا تيم، محمود وروان، معي إلى المستشفى لأنّ المرض كان اشتد على محمود. في البداية قال لي الأطبّاء أن وضع تيم يتحسُّن، ثمّ صُدمت عندما أخبروني عند السّاعة 21:00 أنّه قد فارق الحياة.

لحظة اتّصالي بمحمود وروان وإخبارهما أنّ تيم قد توفّي كانت صعبة جدّاً. قال لي محمود: "خذوه مباشرة إلى المقبرة وادفنوه. لا تجلبوه إلى المنزل. لن أتحمّل ألم فراقه ووداعه". لكنّ روان أصرّت أن نأتي بتيم إلى المنزل لكي تودّعه.

في اليوم التالي عُدت إلى مستشفى الشفاء مع والدي لكي نأخذ جثمان تيم. في هذه المرّة أيضاً لم يأت محمود وروان معي. دفنّا تيم دون أن نُحضره إلى المنزل.

ما زلنا نقيم في منزل عمّي المشرّع للرّياح ونعاني من برد شديد. محمود وروان في حداد وحُزن عميق على ابنهما الوحيد ونحن نساندهما ونواسيهما، أنا وزوجتي ووالديّ.

هذا هو حالُنا في قطاع غزّة. نحن عالقون هنا في ظروف مُرعبة وقاسية. عالقون داخل دائرة مُغلقة من الفقدان، الأسى، القهر وحسرة القلب على وفاة أولادنا وأشخاص آخرين يعزّون علينا.

* سجلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 18.12.25