45 عاماً، أمّ لتسعة، من سكّان بيت حانون، تحدّثت عن تهجيرها المتكرّر وظروف الحياة الصّعبة في مخيّم المُهجَّرين في رفح
في 7.10.23 غادرنا، العائلة كلّها، منزلنا في مدينة بيت حانون لأنّه قريب جدّاً من الحدود مع إسرائيل وخفنا أن يقصفنا الجيش الإسرائيليّ. نحن نعدّ 12 نفراً - أنا وزوجي حافظ وأولادنا السّبعة، إحدى كنائني وحفيداي. هربنا في البداية إلى منزل ابنتي روان، في شارع الجلاء في مدينة غزّة. بقينا عندها ثلاثة أيّام، ثمّ حين أمر الجيش الإسرائيليّ بإخلاء البناية انتقلنا إلى مدرسة صلاح الدين التابعة لوكالة الغوث. هناك أيضاً بقينا ثلاثة أيّام، حتى 13.10.23، ثمّ أمرنا الجيش بالذهاب إلى الجنوب. فعلنا مثلما قالوا لنا، ووصلنا في اليوم نفسه إلى مخيّم المُهجَّرين التابع لوكالة الغوث في خان يونس.
مكثنا في هذا المخيّم ثلاثة أشهر. كان الوضع فيه مُزرياً. لا مياه ولا غاز ولا كهرباء. ونحن لم يكن معنا المال الكافي لشراء الحطب من أجل إشعال موقد وإعداد الطبيخ أو الخُبز. كانت أسعار الحاجيّات جُنونيّة وكنّا نأكل فقط معلّبات حمّص وفول وبازيلاء. هذا النوع من الغذاء سبّب لنا آلاماً في البطن وإسهالات وتقيّؤاً.
بعد مضيّ ثلاثة أشهر اقتحم الجيش المخيّم وأمرنا أن نُغادر، إلى رفح في هذه المرّة. لم نكد نغادر حتى بدأ إطلاق القذائف فأصيب ابني عبّاس (17 عاماً) بشظايا في كتفه وظهره. لم يكن بمقدور سيّارات الإسعاف أن تصل إلى هناك، لكنّ طبيباً كان في مركز وكالة الغوث قام بتعقيم وتضميد جروح عبّاس، وبعد ذلك فوراً هربنا من هناك وأبقينا كلّ أغراضنا وراءنا - البطّانيّات والفرشات وما تبقّى من طعام، لأنّنا خفنا البقاء هناك لحظة واحدة أخرى. عند الخروج من المخيّم جرى تأخيرنا لأنّ الجيش نصب هناك حواجز، واحداً للنساء والأطفال وآخر للرّجال. وقفنا في هذه الحواجز تحت المطر نحو ساعتين.
في نهاية الأمر وصلنا إلى رفح ونصبنا خيمة من النايلون في الشارع. كان عددنا نحو 20 نفراً في هذه الخيمة، بما في ذلك 10 أطفال. الوضع سيّء إلى درجة يستحيل وصفها. هنا أيضاً لا يوجد ماء صالح للشرب أو للاغتسال، ولا توجد كهرباء. حفرنا بئراً نستخدمها كمرحاض ونقضي فيها حاجتنا. يوجد نقص في اللحوم والحليب والبيض، وما زلنا نأكل طوال الأسبوع فقط ما تقدّمه منظّمات الإغاثة: معلّبات حمّص وفول وفاصولياء وبعض الطّحين والزيت والسكّر، وأحياناً البسكويت أيضاً. بين الفينة والأخرى نحصل أيضاً على طبيخ تعدّه منظمات الإغاثة هنا. ولكن معظم الوقت نبقى جائعين وخاصّة الأطفال. نحاول إشباع جوعهم بساندويشات صغيرة نضع فيها الزعتر والجبن الذي توزّعه منظمات الإغاثة. حفيدي هيثم، يبلغ من العمر سنتين، يستيقظ أحياناً في اللّيل ويطلب الطعام، ولكن لا نجد دائماً ما يمكن أن نقدّمه له. نحن مضطرّون إلى الاكتفاء بالموجود. الأطفال يحتاجون إلى الحليب والحفاضات، ولا يوجد معنا مال لشراء هذه الحاجيّات. إنّها باهظة الثمن.
أنا مشتاقة لأيّامنا السّابقة قبل الحرب ودون كلّ هذا القصف والقتل. لقد تعبنا. نحن محطّمون وقد انهدّ حيلنا. في إحدى الغارات فقدت الكثير من أفراد عائلتي، وقد نجا والداي بأعجوبة. الآن من المحتمل أن يقتحم الجيش رفح ويطردنا من هنا أيضاً. لا أعرف إلى أين يمكننا الفرار بعد. لقد اقتُلعنا ونزحنا أربع مرّات ولا أدري أيّ مصير ينتظرنا. جميع المناطق في قطاع غزّة خطيرة ولا يوجد بعد أيّ مكان آمن. أتمنّى أن تنتهي هذه الحرب، أن لا يقتحموا رفح، وأن يوقفوا ذبحنا هنا.
* * هذه الإفادة سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 18.2.24