"س. س."
في الأيام الأولى من الحرب، بقينا في المنزل، رغم سقوط القنابل بالقرب منا. بعد يومين، ذهبت إلى المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا شمال القطاع، في مهمة صحفية كمراسل ميداني لعدة قنوات. في ذلك الوقت، غادرت عائلتي المنطقة - بعضهم إلى جنوب القطاع وبعضهم إلى وسطه.
من المستشفى الإندونيسي، قمت بتوثيق أعمال القتل والأضرار التي ألحقها جيش الاحتلال بالبنى التحتية المدنية في المنطقة: العيادات والمدارس والمساجد. رأيت معاناة الناس الذين يعيشون في ظل الحرب، وأحيانًا اضطررت إلى تصوير القتلى والجرحى الذين تم نقلهم إلى المستشفى. كانت هناك جثث محترقة ومقطعة، مشاهد مروعة يصعب وصفها. وأحيانًا لم أستطع التقاط صور لهذه المشاهد.
نقلونا إلى موقع عسكري قريب. بقينا هناك طوال الليل، عراة وأيدينا وأرجلنا مقيدة. كان الجنود يتبولون علينا ويضربوننا ويشتموننا طوال الوقت.
في 20.11.23، عندما اقتحمت قوات الاحتلال المستشفى الإندونيسي، انتقلت إلى مستشفى كمال عدوان وواصلت عملي الصحفي من هناك. لكن في 12.12.23، اقتحم الجيش مستشفى كمال عدوان أيضًا. وأسفر الاقتحام عن وفاة العديد من الجرحى والمرضى الذين كانوا يتلقون العلاج في المستشفى، وكان هناك أيضًا أطفال رُضع في قسم الخدّج وليس معروفًا ماذا حلّ بهم.
مع مرور الوقت، أصبح الوضع في شمال القطاع لا يطاق. كان من المستحيل تقريبًا التقاط الصور ـ فقد داهم الجيش كل مكان، وكان القصف مستمرًا والدمار في كل زاوية. قررت الانتقال إلى مستشفى الشفاء ومواصلة العمل من هناك. خلال الفترة التي قضيتها في مستشفى الشفاء، قمت بتوثيق الجرحى والمهجرين الذين وصلوا إلى المستشفى، صوّرت المساجد المدمرة، المذابح وأعمال القتل في دوّار النابلسي وفي دوّار الكويت، وطوابير السكان الطويلة للحصول على المياه، وقصف المدارس التي تم تحويلها إلى ملاجئ ومخيمات للمهجرين.
في كانون الثاني 2024، فرض الجيش الإسرائيلي حصارًا على مستشفى الشفاء وقصفه بشدة وأطلق عليه نيرانًا متواصلة من طائرات بدون طيار. خرجتُ من هناك بأعجوبة. كان ذلك في فصل الشتاء: كانت السماء تمطر وكان الجو شديد البرودة. ركضتُ في الظلام والوحول وشعرت بأنني أدوس على جثث الناس.
عندما انسحب الجيش من المستشفى، بعد أن تسبب بدمار كبير فيه واعتقل الكثير من الناس، عدت إلى العمل هناك كالمعتاد. ولكن في آذار 2024 اقتحم الجيش المستشفى مرة أخرى: بدأوا بقصف شديد على بوابات المستشفى، مع إطلاق نيران من طائرات بدون طيار. في غضون وقت قصير، طوقوا المستشفى من جميع الاتجاهات. كان المكان مليئًا بالمهجرين والجرحى والقتلى. كل من اقترب من النافذة أُطلقت عليه النار. كان الوضع مخيفًا للغاية، لدرجة أن الناس في المستشفى كانوا ينظرون إلى أطفالهم وأفراد أسرهم وجيرانهم كما لو كانوا يرونهم للمرة الأخيرة ويودعونهم، وكأنها لحظاتهم الأخيرة.
كان الحصار شاملاً. لم يكن من الممكن إدخال الماء أو الطعام إلى المستشفى. كان ذلك في شهر رمضان وقضينا أياماً كاملة دون طعام. كان من الصعب عليّ رؤية الأطفال والنساء يتضورون جوعاً ويبكون من الخوف، مذعورين من القصف ومداهمة الجيش.
في منتصف آذار 2024، اقتحم الجيش أقسام المستشفى، وأمرنا الجنود، جميعًا، بتسليم أنفسنا ـ بما في ذلك المرضى والأطباء والمهجرون. قال لنا الجنود: "سلموا أنفسكم أو نقتلكم".
لا يمكن وصف الخوف الذي شعرنا به. ودّع الناس بعضهم البعض بالنظرات.
. قام طبيب بفحصنا ثم نقلونا إلى قفص آخر، كان فيه حوالي 100 معتقل. عندها حصلت على ملابس للمرة الأولى - وقال لي السجانون: "أهلًا بك في جهنم".
وقفنا في طوابير: النساء على جانب والرجال الشباب على الجانب الآخر. عندما اقتربت من الكاميرا، قال لي الجندي: "اخلع ملابسك وسلم كل ما معك". سلمت الكاميرا و 10,000 دولار كانت معي والهاتف وساعة اليد والحاسوب المحمول.
اقترب مني ضابط استخبارات وقال لي: "مرحباً. انتهت اللعبة". عندما أخبرته أنني صحفي، قال: "أنا ضابط شاباك (جهاز الأمن العام)". أدخلوني إلى غرفة، وقيدوا يدي وتركوني عارياً. كان في الغرفة أيضاً أشخاص مرضى وكبار في السن. ضربنا الجنود وعذّبونا.
أخذونا إلى حفرة حفروها في داخل أرض المستشفى. عندما دخلنا الحفرة، ظننت أنهم سيعدموننا، لكنهم نقلونا من هناك إلى موقع عسكري قريب. بقينا هناك طوال الليل، عراة وأيدينا وأرجلنا مقيدة. كان الجنود يتبولون علينا ويضربوننا ويشتموننا طوال الوقت.
من هناك نقلونا إلى معتقل "سديه تيمان". ضربونا طوال الطريق. وعندما وصلنا إلى هناك، وضعونا في قفص كبير. قام طبيب بفحصنا ثم نقلونا إلى قفص آخر، كان فيه حوالي 100 معتقل. عندها حصلت على ملابس للمرة الأولى - وقال لي السجانون: "مرحباً بك في الجحيم". كان المسؤول هناك رجلاً يُدعى "الكابتن أبو علي".
احتجزوني في "سديه تيمان" حوالي ثلاثة أشهر. في معظم الوقت، كنت مقيد اليدين والقدمين مع عصابة على عيني. كانوا يوقظوننا عند الفجر ويأخذون فرشاتنا ويجبروننا على الركوع في وضعية السجود - على الركبتين مع لمس الجبين بالأرض - طوال اليوم. كانوا يسمحون لنا بالدخول إلى الحمّام لمدة دقيقتين فقط، ونحن مكبلون بالأصفاد والباب مفتوح. كانوا يسمحون لنا بالاستحمام مرة واحدة كل أسبوعين ولمدة دقيقتين فقط، ولم نحصل على أي ملابس للتغيير. كنا نحصل على القليل من الطعام. على سبيل المثال، في وجبة الإفطار كنا نحصل على علبة لبن صغيرة وشريحتين من الخبز المتعفن. أحيانًا كانوا يعطوننا خبزًا جافًا لدرجة أن السجناء الكبار كانوا ينزفون من أفواههم عندما يحاولون أكله.
كانت عمليات القمع تتم بشكل يومي تقريبًا. كنا نستيقظ في منتصف الليل وسط انفجارات القنابل اليدوية ونباح الكلاب وصراخ الجنود، ثم يضربوننا لساعات متواصلة. خرجنا جميعًا مصابين بجروح من هذه الاعتداءات. أصبتُ أنا بكسور في الضلوع وجرح في الرأس احتاج إلى تقطيب.
احتجزوني عاريًا، وأطلقوا الجنود عليّ كلابًا اغتصبتني. ضربوني على عضوي التناسلي وربطوه بحبل بلاستيكي وتسببوا لي بتورم ونزيف.
في جلسات التحقيق، كانوا يأخذونني إلى غرفة تسمى غرفة "الديسكو": لمدة ستة أيام، لم أكن أحصل للشرب سوى على غطاء قنينة من الماء في اليوم، وخيار واحدة وقطعة خبز فاسدة للأكل، كان الجندي يدوس عليها قبل أن يعطيني إياها. تعرضت للضرب المستمر وأحيانًا للصعق بالكهرباء. كنت أجلس على كرسي حديدي من الصباح حتى الليل. كان هناك مكبر صوت ضخم خارج الغرفة يبث أغاني باللغة العبرية بصوت عالٍ لا يطاق. تمزقت طبلة أذني ونزفت الدم من أذني. لم يكن هناك مرحاض في الغرفة، لذلك كنت أتبول في ملابسي.
قضيت في "سديه تيمان" أصعب أيام حياتي. ما زلت أعاني حتى اليوم من صدمة شديدة. احتجزوني عارياً، وأطلق الجنود عليّ كلاباً هاجمتني. ضربوني على عضوي التناسلي وربطوه بحبل بلاستيكي وتسببوا لي بتورم ونزيف. أحد المعتقلين فقد خصيته بسبب التعذيب.
بعد حوالي ثلاثة أشهر في "سديه تيمان"، نقلوني إلى "سجن عوفر"، وهناك أيضاً تعرضت للضرب المستمر، كما تعرضت للصعق بالكهرباء وأطلقوا عليّ الكلاب. احتُجزت لمدة شهر كامل مكبّل اليدين ومغطى العينين، وشربتُ مياهًا ملوثة.
بعد شهر في "سجن عوفر"، نقلوني إلى سجن النقب (كتسيعوت). عندما وصلنا إلى هناك، أقاموا لنا "حفل استقبال": قام الجنود بغلي الماء، رشوّا السكر على أجسادنا ثم سكبوا الماء المغلي علينا. أصيب حوالي 20 سجينًا بحروق شديدة، لكن فقط بعد عشرة أيام حصلنا على مرهم لعلاج الحروق.
كنا حفاة، وفي الصيف كانت الحرارة تحرق أقدامنا. كانت المياه في الصنبور مقطوعة ولا تتوفر سوى لساعة واحدة في اليوم. كانوا يُدخلون 200 معتقل إلى الحمّام دفعة واحدة، وحتى في الشتاء كنا نستحم بالماء البارد، وكان الجو شديد البرودة. كان الطعام الذي كنا نتناوله ضئيلاً وفاسداً ورطباً. رأينا جنودًا وكلابًا يتبولون عليه قبل أن يقدموه لنا. كنا ننام على الأرض: لم تكن هنالك فرشات أو بطانيات. كانت حياتي هناك جحيمًا. قضيت حوالي عام ونصف العام حافي القدمين، بدون ملابس مناسبة، بدون فرشة أو بطانية.
أصبتُ أنا وحوالي 200 شخص آخرين بمرض الجَرَب وكنا نحكّ أنفسنا حتى ننزف دماً. عندما طلبنا العلاج، قالوا لنا: "لم تروا شيئاً بعد". العلاج الوحيد الذي حصلنا عليه منهم كان حبة أكامول. طلبنا، مراراً وتكراراً، الذهاب إلى العيادة. في النهاية سمحوا لنا بذلك، ولكن في الطريق إلى العيادة ضربونا وأطفأوا السجائر على أجسادنا، كما قام الطبيب أيضًا بضربنا. كانت هنالك أيضًا حالات كسروا فيها أسنانًا للسجناء.
في سجن النقب، تعرضت للتحرش الجنسي من قبل جنديّة وضعت يدها على رقبتي في إحدى المرات عندما كنت في طريقي إلى المحكمة.
احتجزوني عاريًا، وأطلقوا الجنود عليّ كلابًا اغتصبتني. ضربوني على عضوي التناسلي وربطوه بحبل بلاستيكي وتسببوا لي بتورم ونزيف.
أدخلونا إلى زنازين "العزل الجماعي": زنازين صغيرة مصنوعة من المعدن، بدون مراحيض وبدون مياه جارية. كان معي في الزنزانة معتقل اسمه محمد الأسطل، توفي في العزل الجماعي بعد أن منعوه من استخدام المرحاض لفترة طويلة ما أدى إلى انسداد أمعائه. كنا جميعًا في الوضع نفسه: لم أستخدم المرحاض لأكثر من عشرة أيام. فقط بعد وفاة الاسطل، أحضروا لنا دلوًا لقضاء حاجتنا. احتُجزت هناك لمدة نصف عام تقريبًا. كنّا عُرضة للبرد والحرّ: في الصيف كانت الحرارة لا تطاق وفي الشتاء كان البرد قارسًا. كان هناك أيضًا بعوض وثعابين وعقارب.
أخبرونا عدة مرات بأنه سوف يُطلق سراحنا، لكن في كل مرة كنا نجد أنفسنا في مكان آخر أو في سجن آخر. من سجن النقب نقلونا مرة أخرى إلى سجن آخر، كان نظيفًا نسبيًا، وحضر ممثلو الصليب الأحمر إلينا هناك وأخبرونا بأننا سيتم إطلاق سراحنا في غضون يومين.
في 23.10.25، قيدوا أيدينا وأخذوا بصماتنا ومسح شبكية العين. وأثناء ذلك، كانوا يضربوننا. في خارج السجن، كانت الحافلات تنتظرنا. كنا مقيّدين وتعرضنا للضرب والشتائم من الجنود طوال الطريق حتى وصلنا إلى الحافلات، أمام ممثلي الصليب الأحمر. لم يقل ممثلو الصليب الأحمر سوى: "نحن آسفون جدًا، لا يمكننا فعل أي شيء من أجلكم".
سافرنا وبعد وقت طويل وصلنا إلى معبر كرم أبو سالم ("كيرم شالوم"). دخلنا إلى قطاع غزة ومن هناك أخذونا إلى مستشفى ناصر في خان يونس. أطلق سراح عدد كبير من السجناء في ذلك اليوم. عندما وصلنا إلى مستشفى ناصر خضعنا لفحوصات طبية وحصلنا على مرهم للجَرَب.
كانت عائلتي تنتظرني هناك، وكنت سعيداً جداً بإطلاق سراحي وبأنني سألتقي بأولادي وزوجتي أخيراً. كان منظر السجناء المفرج عنهم وهم يحتضنون أفراد عائلاتهم، أمراً لا يُصدق وكأنه من الخيال.
لكن طفليّ لم يتعرّفا عليّ عندما التقياني. كانا خائفين مني. أنا أيضاً وجدت صعوبة في التعرف على إخوتي. لقد تغير مظهر الناس كثيراً خلال الحرب.
عندما خرجنا من مستشفى ناصر، توجهت أنا وعائلتي إلى مخيم النصيرات للاجئين في وسط القطاع، ثم استأجرت منزلاً صغيراً لنا. فقط بعد إطلاق سراحي علمت أنني فقدت 85 فرداً من عائلتي الموسعة في مجازر مختلفة.
اليوم، أنا في حالة نفسية صعبة للغاية بسبب ما مررت به وتعرضت له خلال نحو عامين في سجون الاحتلال. أحاول قدر المستطاع أن أتعافى ـ جسديًا ونفسيًا ـ وأن أنسى ما عشته في السجن.
* سجلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 2.11.25