Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

محمود أبو فول (26 عامًا)، من بِيت لاهْيا

محمود أبو فول (26 عامًا)، من بِيت لاهْيا

محمود أبو فول بجانب خيمته في مخيم اللاجئين على شاطئ الزوايدة في جنوب قطاع غزة. صورة قدمها الشاهد مشكورًا

حتى بدء الحرب، كنت أسكن مع والديّ وستة من إخوتي وأخواتي بالقرب من مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا.

خلال حرب 2014 ("عملية الجرف الصامد") أصبتُ بشظايا من قصف إسرائيلي لمنطقة السوق في مخيم جباليا للاجئين. بسبب خطورة إصابتي، نُقلتُ إلى مستشفى النجاح في نابلس ورقدتُ فيه ثلاثة أشهر خضعت خلالها لعمليات جراحية وتم بتر ساقي. في طريقي من المستشفى في نابلس إلى قطاع غزة، تم اعتقالي عند حاجز "إيرز" وسُجنتُ لمدة سنتين في سجن النقب (كتسيعوت).

بعد اندلاع الحرب في تشرين الأول 2023، تعرضت منازل في شمال القطاع لقصف جوي مكثف. ونظراً لقرب منزلنا من مستشفى كمال عدوان، شاهدت عدداً هائلاً من الجرحى والقتلى الذين وصلوا إلى المستشفى. كان الوضع خطيرًا ومخيفًا للغاية. بسبب شدة القصف، غادرنا منزلنا ولجأنا إلى المستشفى. مكثنا هناك حوالي شهر ونصف الشهر وكنا ننام في الرواق. طوال تلك الفترة، كان القصف متواصلًا واشتعلت النيران من حولنا.

هربنا من المستشفى إلى منزل عائلة أبي في مخيم جباليا للاجئين. كان الوضع هناك أقل خطورة قليلاً. بقينا هناك من كانون الأول 2023 حتى نهاية أيار 2024. كانت تلك فترة صعبة للغاية، لأننا كنا محاصَرين في مخيم اللاجئين وكنا نعاني من الجوع والعطش. كان إخوتي يخرجون كل صباح للبحث عن شيء نأكله، لأن عائلتنا فقيرة أصلاً ثم أصبحنا معدمين أثناء الحرب.

ألقى بي الجنود على الأرض، عمداً، داسوا عليّ وضربوني على جميع أنحاء جسدي. بسبب ساقي المبتورة، لم أستطع الوقوف بمفردي [...]. كانت هنالك لحظات اعتقدت فيها أنني على وشك الموت من شدة الضرب.

في 6.10.24 بدأ اقتحام إسرائيلي آخر لمخيم جباليا للاجئين. اشتدّ القص الجوية والمدفعية وأصبح الوضع في المخيم مخيفًا للغاية. هربنا مرة أخرى وعدنا للبحث عن ملاذ في مستشفى كمال عدوان وبقينا فيه حتى 21.12.24 ثم حاصر الجيش المستشفى من جميع الجهات لمدة أسبوع.

في 27.12.24 أمر الجيش، عبر مكبرات الصوت، جميع الرجال والنساء والأطفال بمغادرة المستشفى، باستثناء المرضى والطاقم الطبي. غادرتُ مع الجميع. كنت نحيفًا ومرهقًا وبالكاد كنت أستطيع المشي على عكازي. عندما اقتربت من الحاجز العسكري، ناداني جندي وأمرني بخلع ملابسي والتقدم. قام الجنود بتقييد يديّ بعنف خلف ظهري وبدأوا بضربي بلا رحمة، حتى بأسلحتهم. ركلوني حتى سقطت على الأرض. داسوا على وجهي بأحذيتهم ونزفت من وجهي وأنفي، حتى أصبح بصري مشوشاً.

غطى الجنود عينيّ وأخذوني مع معتقلين آخرين إلى منطقة "زيكيم" في شمال القطاع. ومن هناك، نقلونا بالحافلة إلى معسكر الاعتقال "سديه تيمان". حال وصولنا، ضربونا مرة أخرى بوحشية. أمسكني أحد الجنود وضرب رأسي مرارًا وتكرارًا بطرف الحافلة، كما ضربني جنود آخرون على صدري حتى شعرت بأن أضلاعي قد كسرت وأصبح كل شهيق غير محتمل. خفتُ كثيرًا.

ألقى بي الجنود على الأرض، عمداً، داسوا عليّ وضربوني على جميع أنحاء جسدي. بسبب ساقي المبتورة، لم أستطع الوقوف بمفردي، فساعدني المعتقلون الآخرون على النهوض. كانت هنالك لحظات اعتقدت فيها أنني على وشك الموت من شدة الضرب.

على مدى ستة أشهر، تعرضت في "سديه تيمان" لتعذيب شديد ومستمر. كنت أتعرض للضرب كل يوم. كنت أبكي من الألم وأتوسل لتلقي العلاج الطبي، لكن دون جدوى. خلال فترة اعتقالي، تم التحقيق معي. سألني ضابط "جهاز الأمن العام" (الشاباك) كيف بُترت ساقي، فأجبته أن ذلك حدث نتيجة قصف الجيش لسوق جباليا. اتهمني بالتعاون مع المقاومة. سألته كيف يمكنني التعاون وأنا مبتور الساق وبالكاد أستطيع الوقوف أو المشي. ضرب المحقق ساقي المبتورة بقوة حتى نزفت، ثم ضربني على وجهي حتى فقدت الوعي.

استيقظت ولم أرَ شيئًا. لم أستطع فتح عينيّ اللتين كانتا تؤلمانني بشدة. بدأت أبكي. قال لي أحدهم إنه طبيب وإنني في المستشفى. قال لي بالعربية: "أنت أعمى، يا ابن العاهرة. لن تبصر النور مرة أخرى، أبدًا".

استيقظت ولم أرَ شيئًا. لم أستطع فتح عينيّ اللتين كانتا تؤلمانني بشدة. بدأت أبكي. قال لي أحدهم إنه طبيب وإنني في المستشفى. قال لي بالعربية: "أنت أعمى، يا ابن العاهرة. لن تبصر النور مرة أخرى، أبداً ". بكيت وصرخت وطلبت العلاج، لكن لم يستجب أحد لطلبي وأعادوني إلى سجن "سديه تيمان".

بعد فترة أخرى في "سديه تيمان"، قام الجنود ذات يوم بجرّي على الأرض ووضعي في زنزانة ضيقة، مثل تابوت. قال لي الجندي: "سنبقيك في هذا التابوت حتى تموت، يا ابن الزانية". كنت مرعوباً وظننت أنهم سيقتلونني. بقيت محبوسًا في ذلك "التابوت" لعدة أيام، معزولًا تمامًا، بدون طعام وبدون ماء تقريبًا. كلما صرخت طالبًا الماء أو الطعام، كان الجنود يفتحون "التابوت" ويضربونني بشدة ثم يغلقونه مرة أخرى. عندما كنت بحاجة إلى الذهاب إلى المرحاض، كنت أنادي الجنود، لكنهم لم يعيروني أي اهتمام. حاولت أن أصبر، لكني اضطررت في النهاية إلى التبول على نفسي. كان الجنود يفتحون "التابوت" من حين لآخر فقط ليتأكدوا أنني ما زلت على قيد الحياة. بعد ذلك، توقفت عن مناداتهم تقريبًا، لأنني كنت أعرف ما سيحدث كلما فُتح الباب.

في الأيام التي كنت خلالها محبوسًا في "التابوت"، شعرت بأنني سأموت. كنت وحيدًا في مكان مغلق، دون أن أعرف إن كان نهار أو ليل، وكان الجو باردًا جدًا. كانت الرائحة في داخل "التابوت" كريهة، لأسباب منها أن ملابسي كانت مبللة بالبول. لم تكن هناك أي تهوية في الحجرة الضيقة والمغلقة، مما جعل التنفس صعباً عليّ، خاصة بسبب إصابتي في الصدر من الضرب. شعرت وكأن إنسانيتي قد سُلبت مني. مررت بلحظات مرعبة للغاية داخل "التابوت" وشعرت بأنهم يريدون أن أموت هناك، دون أن يعلم أحد بما حل بي.

قال لي الجندي: "سنبقيك في هذا التابوت حتى تموت، يا ابن الزانية". كنت مرعوبًا وظننت أنهم سيقتلونني. بقيت محبوسًا في ذلك "التابوت" لعدة أيام، معزولًا تمامًا، بدون طعام وبدون ماء تقريبًا.

بعد أن أخرجوني من "التابوت" وأعادوني إلى الزنزانة، لم أستطع المشي بسبب الضربات التي تلقيتها وفقدان البصر، بالإضافة إلى إعاقتي أصلًا. عندما كنت أحتاج إلى استخدام المرحاض، كان السجناء الآخرون يساعدونني: كانوا يأخذونني إلى المرحاض، ينتظرون عند المدخل ثم يأخذونني إلى حنفية الماء ويساعدونني على غسل يديّ ووجهي. كانوا يساعدونني أيضًا في تناول الطعام وفي كل احتياجاتي الأساسية. كنت معتمدًا عليهم تمامًا.

كلما سمعت جندياً يقترب، كنت أطلب منه أن يأخذني إلى الطبيب.

بعد ستة أشهر من التعذيب في "سديه تيمان"، نقلوني إلى سجن "عوفر"، وهناك تعرضت للمزيد من التنكيل والضرب وإطلاق الكلاب عليّ والتهديدات. بسبب حالتي الصحية السيئة، بدأت إضراباً عن الطعام من أجل الحصول على علاج طبي. لكن الإضراب لم يُجدِ نفعًا، إذ رفض الجنود السماح لي بقابلة طبيب. هددتُ بالانتحار، فقال لي ضابط إنهم سيعالجونني، لكن ذلك لم يحدث.

في 10.10.2025 جاء ممثلو الصليب الأحمر إلى السجن وأخبرونا أن هناك وقفًا لإطلاق النار وسيُطلَق سراحنا. نُقلت من سجن "عوفر" إلى سجن النقب (كتسيعوت)، حيث احتُجزتُ لمدة ثلاثة أيام ومن هناك، نُقلنا إلى معبر كرم أبو سالم (كيرم شالوم) ومن هناك إلى مستشفى ناصر في خان يونس. كانت عائلتي تنتظرني هناك، لكنني وصلت في حالة سيئة للغاية بعد أن فقدتُ بصري.

أنا أقيم اليوم مع عائلتي في خيمة للاجئين على شاطئ الزوايدة، لأننا فقدنا منزلنا في الحرب. ما زلت أعاني من آثار التعذيب وآلام شديدة في الظهر والتهاب في العينين. توجهتُ إلى العديد من المستشفيات على أمل أن يساعدوني - المستشفى الأمريكي، مستشفى حمَد ومستشفى العيون في غزة - فقال جميع الأطباء إن حالتي صعبة جدًا ولا علاج متاح في القطاع. نصحوني بالذهاب لتلقي العلاج الطبي خارج غزة.

* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة في 18.11.25