Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

سامية عبد اللطيف عبد الغفور

سامية عبد اللطيف عبد الغفور

( 20 أيار 2024 )

(40 عامًا)، أرملة وأمّ لسبعة، من سكّان خان يونس، روت كيف نزحت أسرتها مراراً وتكراراً في أعقاب تعليمات أصدرها الجيش الإسرائيليّ، وكيف ثكلت زوجها وأربعة من أولادها وأقارب آخرين في قصف إسرائيليّ

قبل الحرب كنت أقيم في منزلنا الواقع في الجزء الغربيّ من خان يونس مع زوجي منير محمد عبد الغفور (52 عاماً) وأولادنا: عبد الرحمن (21 عاماً) وآلاء (18 عاماً) وأفنان (16 عاماً) وشيماء (15 عاماً) وضحى (12 عاماً) ومحمود (10 سنوات) ومحمد (7 سنوات). وإلى جانبنا كان يقيم والدا زوجي وإخوته وعائلاتهم.

منير عبد الغفور, زوج سامية. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
منير عبد الغفور, زوج سامية. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

في صباح يوم 7 أكتوبر سمعت إطلاق صواريخ حين كنت أساعد أولادي في الاستعداد للمدرسة. فهمت أنّ الوضع خطير ولم أسمح لهُم في ذلك اليوم بالذهاب إلى المدرسة أو الخروج أصلاً من المنزل. من تلك اللحظة كان كلّ يوم يمرّ علينا أصعب ممّا قبله. كان القصف في كلّ مكان ونحن التزمنا المنزل.

تفاقم الوضع في خان يونس وأخافنا كثيراً مع نهاية كانون الثاني - بداية كانون الأوّل، بعد انتهاء وقف إطلاق النار. وزّع الجيش منشورات تأمرنا بإخلاء المنطقة فانتقلنا إلى منزل عائلتي في وسط خان يونس، وبقي إخوة زوجي ووالداه في منازلهم.

في 7.12.23، نحو السّاعة 10:00، قُصفت المنطقة التي يقع فيها منزلنا واستُشهد 34 من أقاربنا - والد زوجي ووالدته وإخوته وعائلاتهم. لم ينجُ سوى سلفتي إيمان عبد الغفور (50 عاماً) وأولادها الخمسة، وسلفتي إيمان محمود عبد الغفور، التي فقدت زوجها وكلّ أولادها. معظم الجثث لا تزال عالقة تحت الأنقاض حتى اليوم. الجثث وأشلاء الجثث التي وجدها الناس في الشارع تمّ دفنها، أمّا من دُفنوا تحت الأنقاض فلم يتمّ انتشالهم.

بعد ذلك أمرنا الجيش الإسرائيليّ بإخلاء وسط مدينة خان يونس أيضًل، وكنّا قد نزحنا إلى منزل عائلتي هناك. غادرنا وانتقلنا إلى مزرعة فيها أقنان دجاج يملكها أقارب لنا وتقع في منطقة ميناء القرّارة، غربيّ خان يونس. من قبل كان في المزرعة مهجرون آخرون من أقاربنا. أقمنا داخل دفيئة بلاستيك زراعيّة، وكان معنا كلّ من والدي عبد اللطيف عبد الغفور، وهو مسنّ في الـ85 من عُمره ومُقعد في كرسيّ عجلات عقب جلطة دماغيّة، وأخي سمير (48 عاماً) وأسرته. كانت الظروف صعبة جدّاً. لم يكن معنا أيّ شيء ولم يتوفّر هناك شيء، لا ماء ولا كهرباء. ناهيك عن الخوف والرّعب لأنّ القصف كان قريباً منّا ولم يكن لدينا مكان آمن نذهب إليه. لم يكن معنا حتى نقود لنشتري خيمة بعد أن صارت تُباع في القطاع بأسعار باهظة. كان المكان يعجّ بالحشرات، وكانت مراحيض بدائيّة يتشارك في استخدامها جميع المهجرين. لم تكن نظيفة ولم يكن ممكناً إبقاؤها نظيفة. أقمنا داخل هذه الدّفيئة مدّة ثلاثة أشهُر تقريباً.

محمود, شيماء, أفنان, ضحى وشيماء. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
محمود, شيماء, أفنان, ضحى وشيماء. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

في 9.3.24 شرع الجيش في تجريف النباتات قرب المزرعة. لم نعرف إلى أين نذهب فبقينا هناك. كانت البنات يبكين طوال الوقت من شدّة الخوف والقلق. في ذلك المساء بدأت مدافع الدبّابات تقصف المنطقة بكثافة. تجمّعنا كلّنا - أنا وأسرتي، والدي، أخي وأسرته. جلسنا ورؤوسنا بين أرجلنا.

في نهاية المطاف غفونا، ونحو الساعة 4:00 فجراً استيقظنا على صُراخ ابنتي ضُحى: "رجلي! رجلي! أمّي، لقد أصبت!". حين سلّطت ضوء مصباح هاتفي على رجليها رأيت أنّها مُصابة في رجلها اليُمنى وتنزف. ربطت رجلها بقطعة قماش لكي أوقف النزيف.

في لحظة ما قالت ابنتي أفنان: "أبي، أين أبي!؟ لم يستيقظ!". سلّطت مصباح هاتفي على زوجي فوجدته مصاباً بشظايا في رأسه ويحتضر. أصيبت أيضاً ابنتي شيماء في رأسها وكانت في شبه غيبوبة. سلفتي إيمان (45 عاماً) كانت تصرخ "رجلي! رجلي!" وعندما حاولت أن أساعدها أطلقت نحونا قذيفة أخرى من دبّابة وقتلت بناتي الثلاث، أفنان وضُحى وشيماء وابني محمود، وابن أخي واسمه أيضاً محمود (19 عاماً). وقع أخي سمير أرضاً وسمعته يتلو الشهادتين. والدي، المقعد، كان ينادي مستغيثاً لأنّه وقع على الأرض، ولكن لم أستطع حمله. كان الوضع مُرعباً. كان المكان كلّه مليئًا بالدخان ورائحة الدّم والموت.

محمود سمير عبد الغفور، ابن شقيق سامية. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
محمود سمير عبد الغفور، ابن شقيق سامية. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

بعد مضيّ ساعة وصلت سيّارات إسعاف وأخلت الشهداء والجرحى إلى مستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح، وبضمنهم ابني محمد الذي جُرح في رجله، وقد رافقته. عندما وصلنا إلى المستشفى وضعوا جميع الشهداء والجرحى على الأرض وحاولوا إجراء إنعاش لمن سمح وضعه بذلك. ولكن بلا فائدة. أخذوا جثّة زوجي وبناتي الثلاث ضُحى وأفنان وشيماء وابني محمود، وجثث خمسة آخرين من عائلتي استُشهدوا أيضاً هناك. أخي سمير كان مصاباً بجروح بالغة وأدخلوه لتلقّي العلاج.

بعد أن ودّعت زوجي وبناتي وابني أخذوهم إلى المقبرة. ما زلت حتى اليوم تحت وقْع الصّدمة ولا أصدّق ما جرى لنا. أنا وثلاثة من أولادي نجونا من الموت، لكنّني فقدت زوجي وأربعة أولاد - ولم أستطع أن أفعل شيئاً من أجلهم.

الحمد لله، والدي بخير، والآن هو ليس في المزرعة. أنا بقيت في المستشفى إلى جانب ابني محمد الذي أصيب بشظية في رجله، ثمّ انتقلت مع أولادي إلى خيمة أخي محمد في منطقة المواصي ومكثنا عنده نحو شهر.

بعد ذلك قرّرت أنّني مُجبرة على الخروج من قطاع غزّة والسّفر إلى مصر مع من تبقّى لي من أولادي. لقد بلغنا الحضيض. لم تكن تلك حياة، وأنا لم أقدر بعدُ على البقاء هناك. أحسست بأنّني أختنق. كان الموت أفضل بالنسبة لي من البقاء هناك.

في نيسان تمكّنت من مغادرة قطاع غزّة مع أولادي والوصول إلى مصر. الوضع هنا أفضل والحمد لله. بدأت ألتقط أنفاسي تدريجيّاً، رغم ألم فقدان زوجي وأولادي.

لم يبق لي شيء في غزّة سوى الذكريات الأليمة. حياتي كلّها دُمّرت. أدعو الله أن يُلهمني الصّبر ويمنحني القوّة لكي أتحمّل فقدان عائلتي. لقد ضاع منّي كلّ شيء خلال لحظات!

نحن مدنيّون، لسنا مسلّحين. لقد انتقلنا مرّة تلو المرّة عملاً بتعليمات الجيش، ولكن لا يوجد مكان آمن في قطاع غزّة. كلّنا، كلّ ما يتحرّك، أصبح هدفاً للجيش بمن في ذلك النساء والأطفال. ماذا فعلت لهُم أنا ليحرموني عائلتي؟! لقد قصفونا ونحن نازحون بلا مأوىً.

* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 20.5.24

 

في قصف المزرعة التي وجدت فيها عائلة عبد الغفور ملجأ، يوم 10.3.24، قُتل كل من:

منير عبد الغفور (52 عامًا)، زوج سامية، وأولادهما:
أفنان (16 عامًا)
شيماء (15 عامًا)
ضحى (12 عامًا) 
ومحمود (10 سنوات)

محمود سمير عبد الغفور (19 عامًا)، ابن شقيق سامية 

أقارب آخرون: 
صدقي عبد الغفور (80 عامًا) وأولاده:
نجوى صدقي عبد الغفور (40 عامًا)
أحمد صدقي عبد الغفور (35 عامًا)، متزوج وأب لخمسة، أصيب وتوفي في اليوم التالي
إلهام يونس عبد الغفور (25 عامًا)، متزوجة وأم لطفلين صغيرين
سعيد فايز العسولي (70 عامًا

إفادة عبد الرحمن عبد الغفور، ابن سامية