(59 عامًا)، أب لأربع بنات وثلاثة أبناء، من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، تحدّث عن الاعتداءات على مستشفى العودة الذي كان يعمل فيه، وعن قصف سيّارة إسعاف كان ينقل بها مُعالَجين إلى مستشفى كمال عدوان في 18.10.24، وعن نزوحه إلى مخيّم الشاطئ للّاجئين
أنا مسعف في مستشفى العودة في جباليا، ومسؤول عن الإسعاف الأوّليّ والإخلاء في شمال قطاع غزّة. في بداية الحرب نزحت عائلتي من مخيّم جباليا للّاجئين إلى منزل ابنتي في مخيّم الشاطئ للّاجئين، غرب مدينة غزّة. بقيتُ أنا في جباليا وواصلتُ عملي.
لم نتوقّف عن العمل منذ بداية الحرب. غالبًا ما نستقبل في العودة الحالات البسيطة نسبيًّا، ونقدّم لها العناية الطبّيّة الأساسيّة. أمّا الحالات التي تحتاج إلى علاج أكثر تعقيدًا فنقوم بنقلها إلى مستشفيات أخرى في شمال قطاع غزّة. نقلنا إلى مستشفيي كمال عدوان والإندونيسيّ أطفالًا جرحى، والِدات كان من المتوقّع أن يحتاج مواليدهنّ إلى حاضنة، وحالات أخرى. نحن نترك معظم العمل الميدانيّ لجمعيّة الهلال الأحمر الفلسطينيّ، ولكن عندما يُصاب أحد ما أو يحتاج إلى علاج في مكان قريب منّا فنحن الذين نقوم بإخلائه.
في 18 كانون الأوّل 2023 حاصر الجيش الإسرائيليّ مستشفى العودة، واعتقل عددًا من الأطبّاء وأعضاء الطاقم: مدير المستشفى، د. أحمد مهنّا، وسائق سيّارة الإسعاف خالد أبو سعدة، ومسؤول القوى البشريّة والأمن، إياد أبو شرخ، والممرض إبراهيم فودة. ولا يزال جميعهم معتقلين حتّى اليوم. كما احتجز الجيش بعض المرضى، لكنّي لا أعرف أسماءهم.
استمرّ الحصار على المستشفى نحو عشرين يومًا، أطلق خلالها الإسرائيليّون النيران الحيّة علينا، وقصفوا المستشفى عدّة مرّات. وقعتْ إحدى الهجمات بعد وقت قصير من بدء الحصار. أطلق الإسرائيليّون قذيفة على الطابق الثالث من المستشفى حيث يقع مقرّ "منظّمة أطبّاء بلا حدود"، ما أدّى إلى قتل ثلاثة أطبّاء، هم: محمود أبو نجيلة، زياد التتري وأحمد السحار.
وفي هجوم آخر، أطلق فيه القنّاصة النار، قُتِل أربعة أشخاص: أشرف أبو دغيّم، مسعف متطوّع، ومحمّد أبو عوكل، عامل صيانة، وعايدة أبو نصر، عاملة صيانة، ومدنيّ كان يقيم في خيمة للنازحين قرب المستشفى، وقد قنصوا هذا المدنيّ أثناء وجوده بين الخيام والمستشفى، وبقيتْ جثّته هناك لمدّة يومين حتّى تمكّنت عائلته من أخذها للدفن.
في أيّار 2024 اقتحم الجيش المخيّم مرّة أخرى، وحاصر المستشفى. استمرّ الحصار هذه المرّة خمسة أيّام. كانت تلك الأيّام من أصعب الأيّام التي مررنا بها على الإطلاق. دخل الجنود إلى المستشفى وفتّشونا وصوّرونا وأخذوا بطاقات هويّتنا للفحص، ثمّ أمرونا بالخروج من المستشفى ونحن نرفع راية بيضاء. قبل أن نخرج وضعونا أمام كاميرات وأمرونا بخلع ملابسنا. صوّرونا أثناء خلع ملابسنا، وفي أثناء ذلك استجوبونا: ما اسمك، ماذا تعمل، ومَن يوجد داخل المستشفى. لم يتركوا في المستشفى سوى بعض الجرحى وبعض أعضاء الطاقم الطبّيّ لمعالجتهم. تعرّضت جميع سيّارات الإسعاف لنيران حيّة أو لقذائف مدفعيّة.
خرجنا من المستشفى وتوجّهنا سيرًا على الأقدام، حسب أوامر الجيش، إلى منطقة الفالوجة غربيّ المخيّم. أخبرونا بأنّ الجنود الموجودين في الدبّابات على الطريق يعلمون بأنّ الجنود أخرجونا من المستشفى.
لم أعد إلى عملي في المستشفى إلّا بعد انتهاء العمليّات العسكريّة في جباليا.
في 6.10.24 اجتاح الجيش شمال مدينة غزّة. قاموا أثناء الاجتياح بقصف مجمّع سكنيّ يضمّ عدّة عائلات ويقع قرب المستشفى. قُتِل 24 شخصًا، وأصيب كثيرون. نقلنا الجثث إلى ساحة المستشفى وأردنا دفنها هناك، لكن بسبب الحصار المُحكم على المستشفى لم نستطع فعل ذلك، كان الأمر خطيرًا جدًّا. حافظنا على الجثث من الكلاب والقطط حتّى تمكّنا من نقلها إلى مستشفى كمال عدوان. اتّفقنا بشأن ذلك مع الإدارة هناك، ثمّ قمتُ أنا وأحد زملائي بوضع الجثث في سيّارتين ونقلناها إلى هناك. عثر طاقم المستشفى على مكان لدفنها في منطقة السوق بمدينة بيت لاهيا.
بعد ذلك رجعنا إلى العودة عبر طريق أخرى ظنناها أكثر أمانًا. لكن في الطريق صادفنا دبّابات وسواتر رمليّة، وكانت الطريق خطيرة جدًّا. لم نتمكّن من الوصول إلّا بصعوبة.
قرّرتُ في ذلك اليوم أنْ لا أغادر المستشفى مرّة أخرى، بسبب الخطر في الخارج. كانت جميع الشوارع مسدودة، وكانت الدبّابات قريبة منّا، وكنّا معرّضين لإطلاق النار.
في 19.10.24 كان في المستشفى عدّة حالات بحاجة لمواصلة تلقّي العلاج في مستشفيات أخرى، بمَن في ذلك أمّ مُنجِبة وطفل رضيع، وكان يجب نقلهما سويّةً مع مرافقتها إلى مستشفى كمال عدوان (على بُعد أقلّ من كيلومتر واحد). طلب منّي مدير المستشفى أن أنقلهم، لكنّني رفضتُ لأنّني خفتُ من الوضع الخطير على الطرُق. قلتُ له إنّني مستعدّ للخروج فقط في حال كان هناك تنسيق مع الجيش، لكنّه قال لي: "سألتُ سائق سيّارة إسعاف جاء من مستشفى كمال عدوان وقال لي إنّ الطريق خالية. يمكن القول إنّ الوضع معقول". وقال لي أيضًا إنّ إنقاذ الأرواح البشريّة هو الأمر الأهمّ.
أحضرتُ سيّارة الإسعاف. كان لدينا هناك ثلاث سيّارات إسعاف، وقرّر طاقم المستشفى مَن يُنقَل، وأدخل مجموعة من المرضى والمصابين في كلّ واحدة منها. كان في سيّارة الإسعاف الخاصّة بي تسعة أشخاص: امرأة وابنتها، طفل مصاب مع والده، وامرأة مع طفلها الرضيع، وأمّ منجِبة مع رضيعها ومرافقتها. وكان في كلّ واحدة من سيّارتي الإسعاف الأخريين سبعة جرحى أو ثمانية.
ارتديتُ سترة واقية وخوذة، وغادرنا المستشفى قرابة الساعة 15:30، وكانت سيّارة إسعاف واحدة تسير أمامي وأخرى خلفي. عندما كنّا قد أصبحنا قريبين من مستشفى كمال عدوان أطلق الجيش، فجأةً، قذيفة أصابت الجزء الخلفيّ من سيّارة الإسعاف التي كنتُ فيها. فحدث انفجار قويّ جدًّا وشعرتُ وكأنّ سيّارة الإسعاف تطير في الهواء. كانت أذناي تطنّان وشعرتُ كما لو أنّني فقدتُ سمعي. بدأتُ أتفحّص جسمي، لأرى إن كنتُ قد أصبتُ أو إن كنتُ أنزف من مكان ما. صرخ كلّ الذين كانوا في سيّارة الإسعاف.
نزلتُ لأتفقّد حالة الأشخاص الذين كنتُ أنقلهم في سيّارة الإسعاف، ورأيتُ إحدى النساء تحتضر. كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة حرفيًّا. لم أستطع أن أفعل لها أيّ شيء. أمّا سيّارتا الإسعاف الأخريان فقد تركتانا وهربتا من المكان. ظنّوا أنّنا قُتلنا جميعًا، لأنّ القذيفة أصابت سيّارة الإسعاف التي كنّا فيها بشكل مباشر.
بعد ذلك أخذوا يطلقون النار علينا بقوّة شديدة، فهربتُ من هناك سويّةً مع الطفل المصاب ووالده وإحدى النساء وابنتها. اختبأنا في داخل مخزن ما. وهربت المرأة الأخرى وابنتها باتّجاه مستشفى كمال عدوان. وبقيت المرأتان الأخريان والطفل الرضيع داخل سيّارة الإسعاف.
اتّصلتُ من المخزن بالسائقين الآخرين وأخبرتهما بأنّني بخير. وبعد ربع ساعة حضرت إلينا سيّارتا إسعاف، ولكن ما إن وصلتا حتّى أطلق الإسرائيليّون قذيفة عليهما أيضًا. وشاء ربّك فنَجَوَتا. إحدى سيّارتي الإسعاف هربت من المكان، وقمتُ أنا والمسعف الذي بمعيّتي بوضع المصابين في سيّارة الإسعاف الأخرى، لكن لم نتمكّن من نقلهم جميعًا واضطررنا إلى الفرار من هناك. وبقيت المرأتان والطفل الرضيع داخل سيّارة الإسعاف التي تعرّضت للإصابة.
عندما وصلنا إلى مستشفى كمال عدوان أبلغتُ الأطبّاء والطاقم بما حدث، وأخبرتهم بأنّني تركتُ المرأتين والطفل الرضيع في سيّارة الإسعاف. فاتّصلوا بالصليب الأحمر، لكنّ الجواب كان أنّه ليس هناك ما يمكن فعله.
في وقت لاحق وصل إلى المستشفى شابّ مرّ في المكان الذي قُصفت فيه سيّارة الإسعاف. وقال إنّه سمع صوت بكاء طفل رضيع في داخل سيّارة الإسعاف. لم أستطع النوم في تلك الليلة. فكّرتُ كثيرًا في ذلك الطفل الرضيع الذي يجب الوصول إليه لإنقاذه، لكنّني خفتُ على نفسي وعلى زملائي.
في فجر اليوم التالي، 20.10.24، قرابة الساعة 2:30، تلقّى المستشفى بلاغًا عن قصف منزل عائلة البرعي في مخيّم جباليا للّاجئين، قرب المكان الذي بقيت فيه سيّارة الإسعاف. خرجنا بسيّارات الإسعاف إلى منزل عائلة البرعي وعندما وصلنا وجدنا هناك اثنين من الجرحى واثنين أو ثلاثة قتلى. نقلنا الجرحى والقتلى في سيّارة الإسعاف، وفي طريق العودة توقّفنا قرب سيّارة الإسعاف.
وجدتُ الطفل الرضيع يبكي داخل سيّارة الإسعاف. كانت هناك أيضًا جثّة إحدى المرأتين، وكانت جثّة المرأة الأخرى في الخارج. الكلاب افترستهما، أمّا هو فقد نجا بطريقة ما.
أخذنا الطفل الرضيع والجثّتين وتابعنا طريقنا إلى مستشفى كمال عدوان. نُقل الطفل الرضيع إلى قسم الأطفال حديثي الولادة في مستشفى كمال عدوان. كانت حالته الصحّيّة جيّدة. بفضل الله، لم تصل الكلاب إليه. أبلغنا عائلته.
بقينا نحن عالقين في مستشفى كمال عدوان. لم نستطع العودة إلى مستشفى العودة، لأنّ الوضع كان صعبًا وخطيرًا، وكانت طائرات الكوادكوبتر تطلق النار على كلّ ما يتحرّك. بعد بضعة أيّام، في 27.12.24، اقتحم الجيش مستشفى كمال عدوان واعتقل د. حسام أبو صفيّة. وأعلنت طائرة الكوادكوبتر آمرةً الموجودين في المستشفى بالخروج إلى الساحة، مع انفصال النساء عن الرجال.
أمروا د. حسام أبو صفية بإخراج كلّ الطاقم الطبّيّ والمسعفين من المستشفى، لكنّه رفض لأنّ هناك جرحى ومرضى في المستشفى يحتاجون إلى عناية. بعد ذلك قال الإسرائيليّون إنّه يمكن إبقاء النساء اللواتي في الطاقم فقط، أمّا الرجال فمجبرون على الخروج.
أمرنا الجيش بخلع ملابسنا باستثناء الملابس الداخليّة، والذهاب إلى معسكر الجيش الواقع شرق مخيّم جباليا للّاجئين. كنّا نحو ثلاثين أو خمسين رجلًا وذهبنا على هذا النحو، لم يسمحوا لنا بإعادة ارتداء ملابسنا. عندما وصلنا قال لنا الجنود: "ألقوا ملابسكم جانبًا، وتوجّهوا إلى الكاميرا في مجموعات من خمسة أشخاص".
اعتقلوا البعض، وأجلسوا البقيّة، بمَن فيهم أنا، بجوار سيّارة جيب عسكريّة. بعد أن انتهوا من تصوير الجميع وتفتيشهم، قال لنا أحد الضبّاط: "خذوا ملابسكم واذهبوا إلى شارع صلاح الدين، ومن هناك باتّجاه غرب غزّة". رفض أحد الجنود أن يعطينا الملابس. فقلتُ له إنّ الضابط قال لنا "خذوا ملابسكم"، ثمّ ألصق الجنديّ سلاحه برأسي.
أجبرونا جميعًا على ترك ملابسنا، وبطاقات الهويّة، والنقود، والهواتف، والوثائق الخاصّة بنا والذهاب من هناك سيرًا على الأقدام. في الطريق وجدنا ملابس تركها الناس خلفهم. وجدتُ أنا قميصًا وبنطلونًا نسائيًّا، وهذا ما ارتديتُه.
بعد ذلك ركبنا عربة يجرّها حمار، ووصلنا إلى مفترق الكرم، شرقيّ بلدة جباليا. كانت سيّارات الإسعاف تنتظرنا هناك. أحضروا لنا طعامًا، ماءً وملابس. ومن هناك أخذوني إلى مخيّم الشاطئ للّاجئين، إلى بيت ابنتي حيث كانت تقيم بقيّة عائلتي.
أنا لا أزال أعمل. فتحنا مراكز ومحطّات لتقديم خدمات طبّيّة، ولكن من دون سيّارات إسعاف. هناك سيّارة إسعاف واحدة فقط، لتوصيل شحنات الأدوية والمعدّات إلى المستشفيات.
المسعفون الآخرون الذين كانوا معي عندما تمّ قصف سيّارة الإسعاف جميعهم بخير، وهم يواصلون عملهم.
* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 18.1.25