Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

إسماعيل الغندور

إسماعيل الغندور

( 12 آذار 2024 )

23 عامًا, يروي كيف مات أبناء عمّه وجاره دهسًا عندما حاولوا الحصول على طحين ومعلّبات من قافلة كانت تنقل المؤن الغذائيّة إلى شمال القطاع

سكنتُ حتّى الحرب في مخيّم جباليا للاجئين مع والدَيّ وإخوتي: باسم (27 عامًا)، فاطمة (18 عامًا) ومصطفى (15 عامًا).

بقينا نحن في منزلنا رغم عمليّات القصف ورغم أنّ الجيش أمر سكّان الشمال بالنزوح جنوبًا، لأنّه ليس لدينا عائلة أو أصدقاء في الجنوب ولم يكن لدينا مكان نذهب إليه. في تشرين الثاني تضرّر منزلنا من جرّاء القصف وأصيب بعض أفراد الأسرة بجروح طفيفة. لم يتبقَّ في المنزل سوى غرفة واحدة يمكننا استخدامها.

في 1.12.23 أمرنا الجيش بالنزوح إلى غرب غزّة، فتوجّهنا إلى مدرسة اليرموك في مدينة غزّة. بعد أسبوعين، اقتحم الجيش المدرسة واضطررنا إلى المغادرة مرّة أخرى. انتقلنا هذه المرّة إلى مستشفى الشفاء وبقينا هناك بضعة أيّام، ثمّ انتقلنا إلى أقاربنا في مخيّم الشاطئ للاجئين. لكنّ الوضع لديهم أيضًا كان سيّئًا جدًّا ولم يكن هناك ما يأكلونه أو يشربونه. في النهاية عدنا إلى منزلنا المدمَّر في مخيّم جباليا للاجئين.

نحن ما زلنا هنا، بين ركام المنزل، في ظروف مستحيلة. نأكل وجبة واحدة في اليوم، معظمها من الخبّيزة التي نجمعها بأنفسنا. بالكاد نحصل على الطحين الذي يبلغ سعره 120 شاقلًا للكيلو الواحد. إذا وصلت الإغاثة، بطريقة أو بأخرى، فعندها ينخفض السعر ​​إلى 50 شاقلًا. كما لا يوجد ماء تقريبًا، لا للشرب ولا للاستحمام. نحن نستحمّ مرّة واحدة في الأسبوع.

عندما تصل شاحنات الإغاثة إلى دوّار الكويت في شرق غزّة أو إلى دوّار النابلسيّ في غرب غزّة، أذهب إلى هناك مع أبناء عمّي وجيراني. ذهبتُ نحو عشر مرّات ولم أتمكّن من الحصول على أيّ شيء، ولا حتّى على القليل من الطحين، لأنّ الناس الجياع هنا كثيرون جدًّا. في كلّ مرّة كنتُ أعود إلى المنزل، قاطعًا مسافة 10 كيلومترات على الأقدام، بخُفّي حُنين.

في المرّة الأخيرة ذهبتُ إلى دوّار الكويت مع أبناء عمّي فارس الغندور (33 عامًا) ومحمّد الغندور (28 عامًا) وبدر الغندور (23 عامًا)، ومع جاري يزيد حجازي (29 عامًا). مشينا على الأقدام إلى هناك على أمل أن نتمكّن هذه المرّة من الحصول على شيء ما. وصلنا إلى هناك في الساعة التاسعة مساءً وكانت قد أصبحت هناك حشود من الناس الجياع تنتظر المساعدات.

انتظرنا حتّى الساعة 10 ليلًا، ثمّ وصلت 15 شاحنة محمّلة، في الأساس، بأكياس الطحين، وكذلك بالمعلّبات. فور وصولها، وحتّى قبل أن تتوقّف، انقضّت عليها حشود من الناس وخطفت الطحين والمعلّبات. ثمّ سمعنا إطلاق نار. هربنا، أنا وأبناء عمّي والجار، وانبطحنا على الأرض. أصيب بعض الأشخاص. واصلت الشاحنات السير بسرعة أيضًا ودهست الناس.

في هذه المرحلة أضَعْتُ أبناء عمّي وجاري، بسبب الظلام والذعر من إطلاق النار. رأيتُ مشاهد مروِّعة وهربتُ من هناك. لكنّني كنتُ أعلم بأنّني لا أستطيع العودة مرّة أخرى بيدين خاليتين، وبأنّني يجب أن أحصل على كيس من الطحين وبعض المعلّبات لي ولعائلتي. نهضتُ وقفزتُ على شاحنة. أخذتُ كيس طحين 25 كيلو وهربتُ. لم أجد أبناء عمّي ولا الجار. انتظرتُ قليلًا جانبًا ثمّ بدأتُ أبحث عنهم، لكنّني لم أعثر عليهم. كانت هناك حشود من الناس واستمرّ إطلاق النار وعَمّ المكان فزَع شديد.

بعد بضع دقائق تحدّثتُ هاتفيًّا مع زوجة ابن عمّي فارس، وقالت لي إنّها حاولت الاتّصال إلى هاتفه وإنّ شخصًا ما ردَّ وقال لها إنّه قُتِل. عندما سمعتُ ذلك أخذتُ أبحث عنهم مرّة أخرى، وعندما لم أعثر عليهم ذهبتُ إلى مستشفيي الشفاء والمعمداني. بحثتُ عنهم حتّى الساعة 1:00 فجرًا ولم أجدهم. عدتُ إلى البيت من دون أبناء عمّي ومن دون الجار.

في صباح اليوم التالي عدتُ إلى دوّار الكويت لمواصلة البحث عنهم، فعثرتُ على فارس وبدر ومحمّد مطروحين على الأرض صرعى. سُحقوا حتّى الموت تحت عجلات الشاحنات.

كنتُ مصعوقًا حتّى النخاع. كان المشهد مفزِعًا. تعرّفتُ عليهم من خلال ملابسهم فقط. بكيتُ بكاءً مُرًّا ولم أصدّق ما تبصره عيناي. أبناء عمّي ماتوا لهثًا وراء كيس طحين وبعض المعلّبات!

قمتُ بنقلهم مع جثّة أخرى عثرتُ عليها ملقاةً على الأرض بعربة يجرّها حصان إلى مستشفى الشفاء. تمّ دفنهم في أرض المستشفى. اتّضح لي أنّ جاري، يزيد حجازي، نُقِل ليلًا إلى مستشفى الشفاء وهو جريح، لكنّه توفّي هو أيضًا في صباح اليوم التالي.

كان هذا الحدث كارثة مروّعة بالنسبة لي. فقدتُ أبناء عمّي وجاري، وجميعهم أصدقائي، وكلّ ذلك فقط من أجل الحصول على قليل من الطحين والمعلّبات، بعد أشهر من المجاعة. المجاعة هنا حقيقيّة ومُدقعة، وليس لدينا أيّة طريقة أخرى للحصول على طعام. نحن نذهب ونخاطر، لأنّ ذلك هو الخيار الوحيد، لكن عندما تذهبُ إلى هناك فأنتَ لا تعلم ما إذا كنتَ ستعود أم لا.

الآن، لا أعرف ما إذا كنتُ سأقدر أن أذهب إلى هناك مرّة أخرى. من ناحية أخرى، عندما ينفد الطحين عندنا في المنزل فلن يكون لديّ أيّ خيار، على الرغم من الخطر. الخيار الثاني هو الموت جوعًا. الطحين الذي لدينا سيكفي لمدّة تقلّ عن أسبوعين، وبعد ذلك لن يكون لديّ أيّ خيار. سأضطرّ إلى المخاطرة مرّة أخرى في محاولة للحصول على طحين.

دفع أبناء عمّي وجاري حياتهم ثمنًا لمحاولتهم الحصول على طحين، لكنّ الجوع يُرغمُ الناس على فعل أشياء لا يمكن تصوّرها. ربّما سأكون القتيل التالي. هذا هو وضعنا هنا في شمال قطاع غزّة. عائلتي تتضوّر جوعًا وأنا لا أستطيع رؤيتهم بدون أيّ طعام على الإطلاق. هذا ما يحضّني على الذهاب إلى هناك ومحاولة إحضار كيس من الطحين مرّة أخرى، علّه يخفّف قليلًا من ضائقة المجاعة لدينا.

* هذه الإفادة سجّلها باحث بتسيلم الميدانيّ محمّد صباح هاتفيًا في 12.3.24.