Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

محمود جابر (20 عاماً)، من سكّان حيّ جابر في وسط مدينة الخليل، اعتقله جنود في 16.8.24 وأطلق سراحه بعد أيام من التنكيل القاسي

محمود جابر (20 عاماً)، من سكّان حيّ جابر في وسط مدينة الخليل، اعتقله جنود في 16.8.24 وأطلق سراحه بعد أيام من التنكيل القاسي

أقيم مع والديّ وإخوتي الأربعة في منزل يقع قبالة مدرسة زياد جابر. أعمل في الزراعة مع والدي، في منطقة البقعة، شرقيّ الخليل. بسبب الإغلاق الذي فرضه الجيش على المنطقة منذ 7 أكتوبر، أحيط حيّنا كلّه بمكعّبات الإسمنت والسّياج الشائك. وهذا الإغلاق يُجبرنا على الالتفاف عبر طرق طويلة بغية الوُصول إلى أماكن عملنا.

محمود جابر. الصورة قدمها الشاهد مشكورًا

في يوم الجمعة الموافق 16.8.24 ذهبت لزيارة صديق لي يُدعى أحمد في منزله الذي يبعُد عنّا بضع مئات من الأمتار. كنّا قد خطّطنا للشواء فأخذت معي كيسًا فيه فحم وأسياخ. بتّ عنده، وفي صباح اليوم التالي، نحو السّاعة 7:00، أيقظتني وأفراد أسرته طرقات قويّة على باب المنزل. حين فتح والده الباب اندفع إلى الدّاخل نحو 15 جنديّاً وأمرونا، أنا وأفراد أسرة أحمد، أن ندخل إلى إحدى الغرف، ثمّ راحوا يفتّشون المنزل. عندما أنهوا نادوني وطلبوا بطاقة هُويّتي، ثمّ فتّشوني وأعادوني إلى الغرفة. وبالمثل، أجروا تفتيشاً جسديّاً للجميع، واحداً تلوَ الآخر.

بعد التفتيش الجسديّ، خرج الجنود من المنزل مخلّفين وراءهم فوضى عارمة. بقوا في الخارج، قرب المنزل، نحو عشر دقائق ثمّ دخلوا إلى المنزل ثانية. حين خرجوا أمروني أن أرافقهم فانصعت لأوامرهم وخرجت. سألوني أين هاتفي فأجبتهم إنّه في الشحن في منزل أحمد، فأرسلوني لكي أجلبه. عندما عُدت اقتادوني إلى حاجز جابر 2، وهُناك كبّلوا يديّ خلف ظهري بواسطة أصفاد بلاستيكيّة وأجلسوني بجانب مكعّبات إسمنتية. كانوا يفتّشون هاتفي، ثمّ غطّوا رأسي بقميص جلبه أحد الجنود من منزل صديقي وأدخلوني إلى سيارة "جيب" عسكريّة ودخل معي عدد من الجنود.

رفعني جنديّان آخران ثمّ وجّها ركلة قويّة إلى ركبتيّ. واصلوا ضربي مراراً وتكراراً وآلموني جدّاً. كنت أقع أرضاً كلّما وجّهوا إليّ ضربة، ثمّ يرفعونني ويضربونني فأقع مجدّداً

سارت سيارة "الجيب" مدّة خمس دقائق، وعندما توقّفت أنزلني الجنود منها وأجبروني على الرّكوع فوق أرض خشنة. كان وجهي لا يزال مغطّىً لكنّني شعرت أنّني موجود داخل غرفة مغلقة. بعد ذلك انهالوا عليّ يضربونني ويركلونني بقوّة في وجهي وكتفي وظهري، وهُم يشتمونني. قالوا لي "كسّ أمّك، يا منيك".

في مرحلة ما، أمرني أحد الجنود بالوقوف على رجليّ. رفعني جنديّان آخران ثمّ وجّها ركلة قويّة إلى ركبتيّ. واصلوا ضربي مراراً وتكراراً وآلموني جدّاً. كنت أقع أرضاً كلّما وجّهوا إليّ ضربة، ثمّ يرفعونني ويضربونني فأقع مجدّداً. بعد ضرب استمرّ وقتاً طويلاً شعرت أنّني لا أقدر على الحراك. شتمني الجنود ثانية، وشتموا الإسلام واتّهموني بأنّني منتسب لحركة حماس. أجبروني على الوُقوف مرّة ثانية، وفي هذه المرّة اقتادوني بضعة أمتار إلى الأمام. دفعني أحد الجنود وخبط وجهي بحائط إسمنتيّ. فعل ذلك ثلاث مرّات متتالية. كنت أصرخ من شدّة الألم وانتابني دُوار شديد.

آثار التنكيل على جسم محمود جابر. الصور قدمها الشاهد مشكورًا

بعد مضيّ نحو ساعة، اقتادني الجنود إلى "بيت درج". حين رفضت هُبوط الدّرج دفعني جنديّان فدحْرجاني من أعلى الدّرج إلى أسفله، وهناك بقيت مُلقىً دون قدرة على الحراك جرّاء الضرب. رفعني جنديّان واقتاداني إلى الأمام مسافة تُقارب خمسين متراً، حتى وصلنا إلى سيارة "جيب" عسكريّة. بعد أن انتظرنا نحو 10 دقائق أدخلوني إليها. سار بنا "الجيب"، وطوال السّفر - الذي استمرّ نحو عشرين دقيقة - كان الجنود يشتمونني ويشتمون أمّي وأخواتي.

عندما توقّف "الجيب" أخرجني الجنود منه وأبقوني واقفاً نحو نصف ساعة تحت الشمس. طلبت منهم ماءً لأشرب لكنّهم لم يستجيبوا. بعد مضيّ بضع دقائق اقتادوني إلى غرفة وأزالوا العصبة عن عينيّ. كان يجلس في الغرفة طبيب عسكريّ جلب لي ماءً وفحص ضغط الدّم لديّ. أخبرتُه بأنّ الجنود ضربوني، وأبلغته بأنّه يوجد "بلاتين" في فمي ورُكبتي اليمنى جرّاء حادث تعرّضت له في الماضي. قلت له إنّ رجلي تؤلمني جدّاً بسبب الضرب، لكنّه لم يردّ بشيء.

دفعني أحد الجنود فارتطم ظهري بجسم صلب وحادّ. تألّمت كثيراً وصدرت عنّي صرخة فانفجر الجنود ضاحكين. سمعت أيضاً ضحكات أناس عبر جهاز هاتف ففهمت أنّهم يصوّرونني في بثّ حيّ ويشاركون أصدقاءَهم

أعادني الجنود إلى "الجيب"، وبعد أن سار بضع دقائق أنزلوني واقتادوني مسافة بضعة أمتار وأصعدوني درجات من الحديد. دخلنا إلى غرفة أرضيّتها معدنيّة أيضاً وأجبروني على الركوع على رُكبتيّ، ثمّ راحوا يضربون الأرض بقوّة بالهراوات. كانت الضجّة قويّة وقد أخافتني كثيراً. كان الجنود يركلونني ويضربونني بالهراوات. كانت الضربات قويّة وموجعة جدّاً، حتى أنّني فقدت توازني ولم أستطع مُواصلة الرّكوع. حاولت تخفيف أوجاعي قليلًا بالجلوس على مؤخّرتي فمددتُ رجليّ إلى الأمام. عندما فعلت ذلك ركل عدّة جنود رُكبتيّ وفخذيّ بقوّة شديدة، وداسوا على رجليّ. كنت أصرخ من شدّة الألم، والجنود يُواصلون ضربي وشتمي واتّهامي: "أنت حماس، أنت مخرّب".

احتجزوني داخل تلك الغرفة مدّة ساعة تقريباً، ثمّ أنزلني الجنود على الدّرجات الحديديّة وأدخلوني إلى سيارة "جيب" عسكريّة. سار "الجيب" نحو عشر دقائق، وطوال ذلك الوقت كانوا ينهالون عليّ لكماً وركلاً وصفعاً وشتماً. عندما توقّف "الجيب" أنزلوني فوجدت نفسي وسط ساحة. لدى وُصولنا سمعتُ في الخلفيّة أذان الظهر. ساروا بي حتى وصلنا إلى غرفة، أدخلوني إليها وأجلسوني فيها على الركبتين مرّة أخرى. دفعني أحد الجنود فارتطم ظهري بجسم صلب وحادّ. تألّمت كثيراً وصدرت عنّي صرخة فانفجر الجنود ضاحكين. سمعت أيضاً ضحكات أناس عبر جهاز هاتف ففهمت أنّهم يصوّرونني في بثّ حيّ ويشاركون أصدقاءَهم.

نقطة عسكرية عند مدخل حي وادي الحصين. تصوير إيال هرئوفيني، بتسيلم، 2019

واصل الجنود ضربي على ظهري، بأيديهم وأرجُلهم. طلبت منهُم ماءً لأشرب وأن يعرضوني على طبيب، لكنّهم تجاهلوني. صرخت مجدّداً من شدّة الألم، وحين أوضحت لهُم أنّني أجريت عمليّة جراحيّة في الرُّكبة ضربوني بعُنف أشدّ حتى. وكلّما صرخت كان الجنود يقولون لي "اسكت يا منيَكْ، يا ابن الشرموطة" ويضربونني ثانية.

بعد مضيّ وقت قصير لم أعُد قادراً على الرّكوع فوقعت جانباً. اقترب منّي أحد الجنود وأجلسني مُجدّداً في الوضعيّة ذاتها، وهو يصرخ بي بالعبريّة. لم أفهم ما كان يقوله. كان القميص يغطّي كلّ رأسي، بما في ذلك أنفي وفمي وبالكاد كنت أتنفّس. جلب أحد الجنود ماءً وسمح لي أن أشرب منه قليلاً. واصلت الصّراخ بسبب شدّة الألم في رجلي. رفعني الجنديّ وأجلسني قرب باب الغرفة، وهناك صار الجنود كلّما دخلوا أو خرجوا يدوسون رجلي ويضربونني، وأحياناً بالهراوات. حين سألتهم: "لماذا تفعلون بي كلّ هذا؟" كان جوابُهم الضحك والتهكّم.

صار الجنود كلّما دخلوا أو خرجوا يدوسون رجلي ويضربونني، وأحياناً بالهراوات. حين سألتهم: "لماذا تفعلون بي كلّ هذا؟" كان جوابُهم الضحك والتهكّم

بقيت في المكان نفسه نحو ساعة أو أكثر، حتى جاء عدد من الجنود وأخرجوني ثمّ اقتادوني إلى سيارة "جيب" عسكريّة. في الطريق إلى "الجيب" لم أكن قادراً على المشي لكنّ الجنود كانوا يدفعونني بالقوّة وهُم يُواصلون ضربي. أدخلوني إلى "الجيب"، وفي أثناء السّفر - الذي استمرّ بضع دقائق - واصلوا شتمي وضربي.

عندما توقّف "الجيب" دفعني الجنود إلى الخارج فوقعت على الأرض. ومرّة أخرى رفعوني بالقوّة، ثمّ مشينا مسافة عشرة أمتار تقريباً، حتى وصلنا إلى غرفة أخرى. أحاط الجنود بي وأجلسوني مجدّداً على رُكبتيّ ثمّ انهالوا لكماً على رأسي ولكماً وصفعاً وضرباً على بطني وظهري. كان بعض الجنود يركّزون ضرباتهم على رُكبتي اليُمنى وعند ذلك صرت أصرخ عالياً من شدّة الألم، لكنّ صرخاتي لم تُجد نفعاً.

بعد مضيّ بضع دقائق غادر الجنود، لكنّهم عادوا بعد وقت قصير واستأنفوا ضربي. غادروا وعادوا عدّة مرّات. في إحدى المرّات كانوا يلعبون بالكُرة ويضربون رأسي بها ويُطلقون عليه أجساماً كُرويّة من البلاستيك الصّلب تُصدر صليلاً مثل صوت المسدّس. كانوا يضربون بهذا الشيء في كلّ أنحاء جسمي، بما في ذلك رُكبتي اليُمنى. كما أنّهم رشقوني بالقمامة والزجاجات الفارغة التي كانت في الغرفة. لا أستطيع القول كم من الوقت مضى عليّ في تلك الغرفة، ولكن في مرحلة معيّنة أصبح الجوّ بارداً ففهمت أنّ الشمس قد غربت. أذكر أنّني فقدت توازني، وأنني حاولت النوم لفترة قصيرة لكيلا أحسّ بالألم، لكنّ أحد الجنود ضربني فوراً. كنت خائفاً ومتوتّراً جدّاً، وقد حاولت قدْر الإمكان أن أحْمي رُكبتي لأمنعهُم من إيذائها مرّة أخرى.

في مرحلة معيّنة تجمّع الجنود داخل الغُرفة وشغّلوا موسيقى وأخذوا يرقصون. بعد ذلك أخرجوني من الغُرفة وأمروني أن أمشي إلى الأمام وهُم يدفعونني لكي أقع. لم أعرف إلى أين أنا ذاهب، وقد أحسست أنّني أدوس على حجارة وأشواك. وصلنا إلى سيارة "جيب" عسكريّة، وهناك دفعني جنديّ فارتطم جسمي ببوّابة حديديّة. أخذ الجنديّ يصرخ بي أن أصعد إلى "الجيب"، لكنّني لم أقدر على ذلك. كنت أعاني آلاماً شديدة. أدخلني الجنود بالقوّة ثمّ سار "الجيب". سار لمدّة طويلة، وفي مرحلة معيّنة تمكّنت من رفع الغطاء عن رأسي قليلاً فرأيت أنّنا نقترب من مدخل مستوطنة "غوش عتصيون"، التي أقيمت إلى الجنوب من مدينة بيت لحم.

عندما توقّف "الجيب" أنزلني منه الجنود بعُنف وأوقعوني على الأرض. أحسست بوُجود قوّة عسكريّة كبيرة من حولي. أجبرني الجنود مجدّداً على الرّكوع. صرخت بسبب الألم في رُكبتي اليُمنى. ضربني الجنود بقوّة فوقعت على جنبي. عندما كنت ملقىً على الأرض واصل أحد الجنود ركلي وضربي. بعد ذلك أمرني أن أنهض، ولكنّني لم أقدر على النهوض فضربني ثانية ورفعني وهو يشدّني من قميصي. بعد ذلك أجلسني الجنود راكعاً، وفي هذه المرّة على أرضيّة مليئة بالحصى.

بعد بضع لحظات أمسكني الجنديّ من مؤخّرة عُنقي وأجبرني على الوُقوف مرّة أخرى، ثمّ اقتادني بضعة أمتار وهو يدفع برأسي، ومن حين لآخر كان هو والجنود الآخرون يوقفونني ويضربونني على رأسي وظهري. أذكر أنّ يديّ آلمتاني كثيراً.

جلب أحد الجنود جهاز كشف معادن ومرّره على جسمي. عندما وصل عند رُكبتي اليُمنى أصدر الجهاز صفيراً - بسبب البلاتين، وعندئذٍ ضربني بالجهاز على رُكبتي تلك

عندما وصلنا إلى غرفة دفعني الجنديّ الذي اقتادني إلى إحدى زوايا الغرفة، وهناك انهال عليّ ضرباً في كلّ أنحاء جسمي. كان في الغرفة جنود آخرون، وهؤلاء أخذوا يضحكون. كان الجنديّ يوجّه إليّ لكمات وصفعات سبّبت لي دُواراً. بعد ذلك سألني شخصٌ، باللّغة العربيّة، ما اسمي ولماذا جلبوني إلى غرفته. أزال الجنود العصبة عن عينيّ وعندئذٍ رأيت ضابطاً يجلس إلى جانب طاولة مكتب ومن حوله عدد من الجنود. حدّثته بما جرى معي، وقام هو بإزالة الأصفاد عن يديّ. رأيت جنديّاً يجلس بجانب طاولة مكتب أخرى وإلى جانبه عدد آخر من الجنود. بعد الاستجواب، قام الجنود الخمسة الذين كانوا في الغرفة وأخذوا يضربونني بشدّة. عندما أنهوا، أجبروني على خلع جميع ملابسي. جلب أحد الجنود جهاز كشف معادن ومرّره على جسمي. عندما وصل عند رُكبتي اليُمنى أصدر الجهاز صفيراً - بسبب البلاتين، وعندئذٍ ضربني بالجهاز على رُكبتي تلك. بعد ذلك أمروني أن أرتدي ملابسي وعندما ارتديتها أخذ أحد الجنود 50 شيكل كانت في جيبي، وأجبرني أن أخلع ملابسي مرّة أخرى ثمّ أمرني أن أقوم بحركة "تمرين الضغط" 150 مرّة. عندما قلت له إنّني لا أستطيع ذلك أخذ الجنود يضربونني ويشتمونني. كنت عارياً تماماً وشعرت بإهانة شديدة.

بعد عدّة دقائق أمرني الجنديّ بأن أرتدي ملابسي مرّة أخرى. عندما كنت أرتديها كانوا هُم يوجّهون اللّكمات إلى بطني وظهري. كبّل الجنود يديّ مجدّداً، وفي هذه المرّة كبّلوهما إلى الأمام وبأصفاد معدنيّة صلبة وشدّوها وهُم يضغطون ذراعيّ. بعد ذلك أجلسوني ثمّ أمسك أحد الجنود بالأصفاد ورفعها إلى أعلى لكي أنهض، ثمّ أخرجني من الغرفة، وفي تلك الأثناء كان الجنود يصفعونني ويضربونني بأيديهم. وكان أحدهم يدفع برأسي إلى أسفل لأظلّ منحنياً طوال الوقت.

أجبرني أن أخلع ملابسي مرّة أخرى ثمّ أمرني أن أقوم بحركة "تمرين الضغط" 150 مرّة. عندما قلت له إنّني لا أستطيع ذلك أخذ الجنود يضربونني ويشتمونني. كنت عارياً تماماً وشعرت بإهانة شديدة

وصلنا إلى السّاحة الداخليّة في سجن "عتصيون"، وهناك لم أعدْ قادراً على الحراك بتاتاً. فكّ الجنود الأصفاد واقتادني اثنان منهم إلى داخل السّجن ثمّ ألقياني في داخل زنزانة كان فيها من قبْل 11 معتقلاً. في الزنزانة، حملني المعتقلون وأجلسوني على أحد الأسرّة، وكانت عليها فرشة رقيقة جدّاً. استلقيت على السّرير وغفوت، رغم الأوجاع ورغم إحساسي بأنّ حديد السّرير ينغرس في ظهري.

في اليوم التالي، السبت المُوافق 17.8.24، حاول الأسرى في الزنزانة إقناع الجنود بأن يستدعوا لي طبيباً لكنّهم رفضوا. كانت رُكبتي اليُمنى متورّمة جدّاً. في مرحلة معيّنة جاء الجنود وأخرجوني من الزنزانة ثمّ كبّلوا يديّ ورجليّ بأصفاد معدنيّة واقتادوني إلى مركبة كانت متوقّفة في الخارج. سافرت بنا المركبة مدّة عشر دقائق تقريباً، وتوقّفت داخل ساحة خالية. أخرجني الجنود من المركبة وهُم يشتمونني ثمّ أوقفوني قرب جدار معدنيّ وربطوا يديّ إلى الجدار. أبقوني على هذا الحال قرابة ساعة، تحت الشمس الحارقة، حتى أحسست بأنّي على وشك الإغماء. سمعتُ الجنود يشتمونني وأنا لا أقدر على فتح فمي ولو لكي أطلب الماء، حتى.

بعد ذلك أزالوا الأصفاد وأجلسوني على الأرض، ثمّ أعادوني إلى المركبة نفسها وأخذوني مرّة أخرى إلى السّجن. عندما وصلنا، أدخلوني مرّة أخرى إلى الزنزانة نفسها، ولكن بعد مضيّ عشر دقائق تقريباً أخرجوني منها وكبّلوا يديّ ورجليّ ثمّ أدخلوني إلى مركبة وأخذوني إلى المستشفى. لا أعرف أيّ مستشفىً كان ذلك، ولكن كان هناك الكثير من المستوطنين. دفع جنديّ رأسي إلى أسفل وأدخلني إلى إحدى الغرف وأجلسني على سرير. دخلت إلى الغرفة طبيبة تتحدّث العبريّة، فحصت كلّ جسمي وقاست ضغط الدم، ومن بعدها دخل طبيب وقام بفحص رجلي اليُمني. قلت له إنّ جسمي كلّه يؤلمني، وكان ذاك الطبيب يتحدّث العربيّة. قال لي إنّه يجب تصوير الرّجل. أمروني أن أذهب إلى غرفة تصوير الأشعّة. تصعّبت في الوُصول إليها لأنّها كانت بعيدة جدّاً عن غرفة الفحص والجنود رفضوا إزالة الأصفاد المعدنيّة عن رجليّ. بعد أن صوّروا رجلي، وفحصها الطبيب مرّة أخرى، قال لي إنّها مُصابة ولكنّه لا يستطيع تشخيص وضعها، بسبب التورّم. بقيت في المستشفى حتى السّاعة 23:00.

في تلك اللّيلة أخذوني إلى سجن "عوفر". عندما وصلنا إلى هُناك فتّشوني عارياً. بعد ذلك ألبسوني ثياب السّجن وأدخلوني إلى زنزانة مساحتها 1.5/1.5 متر. كانت الزنزانة قذرة وكان فيها سرير عليه فرشة وبطّانيّة، وفيها مرحاض وحوض لغسل الأيدي ونافذة صغيرة. أمضيت تلك اللّيلة كلّها في الزنزانة.

في صباح اليوم التالي، الأحد الموافق 18.8.24، أدخلوني إلى غرفة التحقيق. جلس محقّق قبالتي وكان يرتدي ملابس مدنيّة. سألني ما اسمي ومهنتي وأين كنت قبل أن يعتقلوني. أخبرته بكلّ شيء. استمرّ التحقيق حتى السّاعة 16:00، وجلبوا لي طعاماً وشراباً. تبدّل المحقّقون عدّة مرّات وجميعهم وجّهوا إليّ الأسئلة نفسها. جميعهم اتّهموني بحيازة سلاح وزعموا أنّني اعتُقلت لهذا السّبب. كذلك اتّهموني بالانتماء لحركة حماس فأوضحت لهُم أنّ هذا مُستحيل الجيش يتواجد لِصْقَ منزلي. أنكرت جميع التهم الموجّهة ضدّي. عندما أنهوا التحقيق أعادوني إلى الزنزانة.

بعد مضيّ ساعة أعادوني مرّة أخرى إلى غرفة التحقيق. كان هناك محقّق جديد، وقد وجّه إليّ الأسئلة نفسها وشتائم قاسية. لا أذكر كم من الوقت استمرّ هذا التحقيق. بعد ذلك أعادوني إلى الزنزانة.

في اليوم التالي، الإثنين المُوافق 19.8.24، نقلوني إلى قسم آخر. عصبوا عينيّ واقتادوني نحو كرسيّ وأجلسوني عليه. جلست مدّة قصيرة ثمّ سمعت شخصاً يصرخ "أين جابر!؟". كان ذلك صوت عمّي - محمد جابر (55 عاماً) وفهمت بالطبع أنّه موجود في الغرفة المجاورة. سمعته يصرخ ويبكي من وراء الحائط. لم أستطع تحمّل بكائه. بعد مضيّ نصف ساعة تقريباً أدخلوني إلى زنزانة، وبعد وقت قصير أخذوني إلى غرفة تحقيق. كان عمّي يجلس هُناك، وكلانا كنّا مكبّلين بالأصفاد. المحقق الذي كان يجلس في الغرفة قال إنّ عمّي اعتُقل بسبب أفعالي، ثمّ خرج من الغرفة. بعد أن خرج سألني عمّي أين أخبّئ السّلاح. فوجئت بسؤاله كثيراً وغضبت إذ كيف يسألني مثل هذا السّؤال وهو يعرف جيّداً أنّه لا أحد يجرؤ على حمل السّلاح في المنطقة التي نسكنها. حين عاد المحقّق إلى الغرفة أعادني السجّان إلى الزنزانة.

في مرحلة ما، أخذوني من الزنزانة إلى الحمّام. عندما دخلت رأيت عمّي يجلس هُناك. وكان هناك ثلاثة عناصر شرطة إسرائيليّون بالزيّ الكحليّ، أمرونا بخلع ثيابنا. بعد ذلك جلبوا ماكينة حلاقة ثمّ أغلقوا الباب وأمروا عمّي أن يحلق لي شعر رأسي وشواربي ولحيتي. رفض عمّي أن يفعل ذلك، ولكنه وافق وحلق لي بعد أن هدّده عناصر الشرطة. كلانا شعرنا بإهانة فظيعة. عندما أنهى عمّي الحلاقة أمروه بحلق شعره هو في الأماكن نفسها. تردّد عمّي في البداية لكن عندما هدّدوه ثانية انصاع لأمرهم. بعد ذلك جلب لنا الجنود ثيابنا، وبعد أن ارتديناها كبّلونا بأصفاد معدنيّة وعصبوا أعيننا ونقلونا إلى غرفة أخرى. هناك أمرونا مرّة أخرى بأن نخلع ثيابنا وفتّشونا عاريين. بعد ذلك نقلونا إلى غرفة أخرى ثمّ أزالوا الأصفاد وعصبة العينين وأجلسونا واحداً بجانب الآخر. بعد وقت قصير أعادني أحد الجنود إلى غرفة التحقيق وهناك طلبوا أن أوقّع على إفادتي فوقّعت. بعد ذلك أدخلوا كلينا إلى سيارة عسكريّة سارت بنا إلى حاجز بيتونيا العسكريّ في رام الله. من هُناك عُدنا إلى المنزل بعد أن أطلقوا سراحنا. لم يُعيدوا لي هاتفي النقّال والـ 50 شيكل التي أخذوها منّي.

في اليوم التالي توجّهت إلى المستشفى الحكوميّ وأجريت فحوصات. كانت لديّ كدمات جدّية في كلّ جسمي. عالجوني وسرّحوني، غير أنّني عُدت مجدّداً إلى المستشفى بسبب آلام شديدة انتابتني حتى كدت أفقد وعيي. أجرى الأطبّاء صورة C.T وأبقوني تحت المراقبة حتى السّاعة 4:00 فجراً.

ما زلت لا أفهم حتى الآن لماذا اعتقلوني وضربوني بهذه القسوة. علامات الكدمات في كلّ جسمي ما زالت ظاهرة، والآلام في الظهر والرجلين لم تبارحني. أعاني من الأوجاع طول الوقت.

* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري في 22.8.24