Skip to main content
تصوير: محمد زعنون، أكتيفستيلس
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

عار التجويع: إسرائيل مسؤولة عن جريمة التجويع في قطاع غزة

نيسان 2024

في مطلع نيسان 2024 قُتل سبعة من العاملين في منظمة World Central Kitchen الإغاثيّة جرّاء قصف إسرائيليّ استهدف وفداً من المنظّمة وهو في طريقه لتوزيع إغاثة إنسانيّة في قطاع غزة. في أعقاب الحادثة جمّدت المنظمة أنشطتها في المنطقة، علماً أنّها كانت عاملاً هامّاً ومركزيّاً في جهود توزيع الإغاثة في القطاع منذ بداية القتال. كما وأعلنت عدّة منظّمات أخرى تجميد أنشطتها في قطاع غزة خوفا على حياة موظّفيها. مقتل العاملين في الإغاثة، وستة منهم مواطنون من دول أجنبية، أثار انتقادات حادّة لإسرائيل وجّهها مسؤولون كبار في المجتمع الدولي، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي جو بايدن - الذي نشر بياناً خاصّاً ذكر فيه أنّ إسرائيل لا تبذل الجُهد الكافي لتجنّب إيذاء المدنيّين والعاملين الذين يحاولون إيصال الإغاثة الضرورية للسكّان الذين يعانون من الجوع في غزة، وأضاف أنّ هذه الحادثة ليست الوحيدة من نوعها. ويأتي كلّ ذلك استمراراً للأمر المؤقت الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في نهاية كانون الثاني الماضي وأمرت فيه إسرائيل بالسّماح بإدخال الإغاثة الإنسانية إلى القطاع.

بتأثير من الضغط الدوليّ التزم مسؤولون في إسرائيل - بضمنهم الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ وقائدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة - بالعمل على تحسين الوضع الإنسانيّ في القطاع، كما ونشروا معطيات بهذا الخصوص، وحتى أنهم أعلنوا عن فتح "معبر إيرز" وزيادة عدد شاحنات الإغاثة التي يُسمح بإدخالها إلى قطاع غزة. بل إنّ الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ عرض على الإعلام الأجنبيّ "خطّة توسيع الإغاثة الإنسانيّة لسكّان قطاع غزة".

من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان التغيير في السياسة الإسرائيلية سيؤثر الواقع على الأرض وكيف سيؤثر ذلك. ومع ذلك، يمكن القول بالفعل أن التغيير الحالي في السياسة "قليل جدًا ومتأخر جدًا"، بل إنه يشير إلى مسؤولية إسرائيل الأساسية عن الأزمة الإنسانية التي تفاقمت منذ اندلاع الحرب قبل نحو ستة أشهر حتى بلغت حدّ الكارثة الإنسانية التي نشهدُها حاليّاً. طوال أشهر رفضت إسرائيل السّماح بإدخال الإغاثة الإنسانية عبر المعابر البرّية الواقعة في أراضيها وحدّت بذلك من حجم الإغاثة التي يمكن أن تدخل إلى القطاع. وحتى عندما وافقت إسرائيل في أعقاب الضغط الدوليّ على السّماح بإدخال الإغاثة من أراضيها فقد فعلت ذلك ببُخل شديد وعلى نطاق هو أبعد ما يكون عن تلبية احتياجات السكّان، بل وحاولت تقديم صورة زائفة توهم بأنّه لا توجد أزمة خطيرة في كميّات المواد الغذائيّة المتوفّرة في قطاع غزّة. التغيير الحاليّ في السياسة لا يمكنه أن يعفي إسرائيل من مسؤوليّتها عن أزمة الجوع في قطاع غزة، ومن المشكوك فيه أن تستطيع "التسهيلات" التي أعلنتها إسرائيل تلبية الاحتياجات الحاليّة للسكّان المدنيين في قطاع غزة، وأصلاً من المبكر تحليل تأثيرها واقعيّاً إذا طبّقت بهذا القدر أو ذاك.

سوف نستعرض في هذه الوثيقة الوضع الحاليّ في كلّ ما يتعلق بحجم أزمة الجوع المتكشّفة في قطاع غزّة وعواقبها على المديين القصير والطويل، وكذلك الطريقة التي تتصرّف بها إسرائيل حيال هذه المسألة والآثار القانونية للأداء الإسرائيليّ. المعطيات والتقارير التي تعتمدُها هذه الوثيقة هي تلك التي توفرت حتى كتابتها.

إنّ مجموعة التقارير الصادرة عن الهيئات الدوليّة حول ما يحدث في قطاع غزة والشهادات التي جمعها باحثو بتسيلم الميدانيّون، تقودنا إلى الاستنتاج المؤسف بأنّ إسرائيل ترتكب في قطاع غزّة منذ أشهُر جريمة التجويع الواردة نصّاً في القانون الدوليّ.

 

وضع الجوع في قطاع غزّة في الأشهُر الأخيرة

في نهاية شهر آذار نُشر تقرير IPC، وهي مبادرة شاركت فيها أكثر من 15 منظمة إنسانيّة دوليّة بقيادة هيئة الأمم المتحدة، وهو التقرير الذي حدّد أنّ قطاع غزّة على شفا مجاعة (Famine)، أي الوضع الذي يمثل الدرجة الخامسة والأكثر خطورة في مؤشّر IPC التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (Integrated Food Security Phase Classification)، حيث يعاني نصف سكّان قطاع غزة من نقص كارثيّ في ​​الأمن الغذائي. ووفقاً للمعيار الدوليّ المقبول، تكون منطقة ما في حالة "مجاعة" عندما يواجه ما لا يقل عن 20% من الأسَر فيها نقصاً حادّاً في الغذاء ويعاني ما لا يقل عن 30% من الأطفال هناك من سوء التغذية الحادّ.

ويفيد التقرير بأنّ قطاع غزّة بأكمله كان خلال شهري شباط وآذار 2024 في الدرجة 4 من 5 في مؤشر الجوع، حيث يعاني 55% من الأسَر في شمال القطاع و-30% من الأسَر في وسطه و-25% من الأسَر في جنوبه من انعدام الأمن الغذائيّ من الدّرجة الخامسة، وهي الأعلى. كما أشار التقرير إلى أنه من المتوقع خلال الأشهر المقبلة أن يتفاقم الوضع في قطاع غزة، ويُتوقع أن يعاني 70% من الأسر في شمال قطاع غزة و50% في وسطه و45% في جنوبه، من نقص كارثيّ في ​​الأمن الغذائيّ (الدّرجة 5).

خلال الأسابيع الماضية نُشرت معطيات وتحذيرات مشابهة من قِبَل منظمة الصحّة العالميّة، USAID, Human Rights Watch, World Food Programme, The Global Nutrition Cluster وهيئات ومنظمات إنسانيّة دوليّة أخرى.

وفقاً لمعطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيّة (OCHA) - صحيحة لآذار 2024 - يعاني 2.2 مليون إنسان (نحو 100%) من سكّان القطاع انعدام الأمن الغذائيّ من الدّرجة 3 فما فوق، و-1.17 مليون قد بلغوا الدرجة 4 فما فوق، ونحو نصف مليون منهم يعانون انعدام الأمن الغذائيّ من الدّرجة الخامسة وهي الأعلى.

"لا يوجد هنا طعام ولا ماء. والحقّ أنّه لا يوجد أيّ شيء. في السّوق أيضاً لا يمكن العثور على موادّ غذائيّة - لا معلّبات ولا طحين ولا أرزّ ولا حتّى شعير. كنّا أحياناً نجمع الخبّيزة من جوانب الطرقات أو الحقول، وإذا حالفنا الحظ وعثرنا على كرتون أو حطب لإشعال موقد نطبخها بالماء ونتناولها مرّة كلّ يوم أو يومين. نُسكت جوعنا على الأقلّ وننام بشكل أفضل.

كنّا في الماضي نأكل الخبيزة مرّة في السّنة ربّما، والآن أصبحت هي مصدر غذائنا الوحيد. في الأيّام الأربعة الماضية لم نستطع النوم بتاتاً من شدّة الجوع، لأنّنا وبكلّ بساطة لم نتناول أيّ طعام. لم نتمكّن من الحصول على أيّ طعام. أنا منشغل طوال الوقت بالبحث عن طعام ولا أنام اللّيل بسبب ذلك. جميع الناس هنا في المخيّم وجوهُهم شاحبة وبالكاد يستطيعون الوقوف على أرجلهم".

خميس الأعرج (52 عاماً) مخيّم المهجّرين في الفالوجة -لقراءة الإفادة كاملة

في بداية شهر نيسان قدّرت سمانثا باور – رئيسة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) أنّ شمال القطاع قد تجاوز عتبة المجاعة ومن المعقول الافتراض أنّ السكّان في هذه المنطقة باتوا يعانون من جوع حقيقيّ. وقد تمّ تقديم هذا التقييم كجزء من مناقشة أجرتها لجنة الشؤون الخارجيّة في الكونغرس الأمريكيّ إنّها المرّة الأولى التي تعلن فيها جهة أميركيّة رسميّة أنّ حالة المجاعة قد بدأت بالفعل في غزّة، بعد أشهر طويلة من التحذيرات من تفاقم الجوع وُصولاً إلى أخطر درجاته.

وتفيد تقارير العديد من المصادر أنّ عواقب المجاعة بدأت تظهر دلائلها واقعيّاً. الطواقم الطبيّة الدوليّة التي زارت مستشفى كمال عدوان، المؤسّسة الطبية الوحيدة في شمال قطاع غزة التي تختص بطبّ الأطفال، تحدّثت عن وقوع كارثة إنسانيّة حقيقيّة. أعلن مدير عامّ منظمة الصحّة العالميّة أنّ 10 أطفال قد ماتوا نتيجة الجوع بينما كانوا يتلقّون العلاج في هذا المستشفى.

أفاد مكتب OCHA في تقرير له أنّ 32 شخصاً بضمنهم 28 طفلاً لاقوا حتفهم نتيجة سوء التغذية أو الجفاف منذ بداية الحرب في قطاع غزّة. إضافة إلى ذلك أفاد بأنّ 16% من الأطفال في شمال القطاع، ممّن هُم تحت سنّ سنتين، يعانون من سوء تغذية حادّ، وتبلغ نسبتهم في منطقة رفح 5%. كذلك منظمة الصحّة العالميّة أفادت بأنّ جميع الأسَر في القطاع تتخلّى عن وجبات نتيجة نقص الغذاء الحادّ، وأنّ البالغين يقلّصون استهلاكهم للغذاء لكي يُتيحوا للأطفال أن يأكلوا. وقد ورد في تقرير الوضع الإنسانيّ الصّادر عن صندوق الطوارئ الدوليّ للطفولة التابع للأمم المتحدة (UNICEF) أنّ الهيئة تلقّت خلال الأسبوع الواقع بين 29 شباط و-6 آذار أكثر من ألْف اتّصال على الخطّ السّاخن الذي تديرُه "يونيسف" موضوعُه نقص الغذاء أو الجوع، خاصّة في شمال القطاع.

"ولد يزن وهو يعاني من الوهَن العضليّ وخضع للعلاجات في مستشفيات في غزّة والقدس أيضًا. في السنوات الأربع الأخيرة تلقّى العلاج الطبيعيّ (فيزيوثيرابي) وحافظنا على نظام غذائيّ خاصّ له، وهو ما أتاح له أن يعيش حياة عاديّة. [...] منذ أن اندلعت الحرب لم نستطع أن نوفّر ليزن الغذاء الذي يحتاج إليه – لا البيض ولا الفواكه ولا الخضار. لم تكن متوفّرة هناك تقريبًا، ولم نستطع تحمّل تكلفة ما كان موجودًا منها. لم يصل الكثير من المساعدات إلى هناك، وكانوا يوزّعون المعلّبات والحبوب في الأساس، وعدا ذلك كان لدينا خبز وشاي بشكل أساسيّ. في الظهيرة كنّا نعدّ له عصيدة السميد، ولأنّه كان من المستحيل الحصول على الحليب الطازج أيضًا، استخدمنا مسحوق الحليب. أحيانًا كنتُ أسافر حتّى رفح للبحث له عن السميد، وعندما لم أتمكّن من العثور عليه كنتُ اشتري له الحلاوة. كما لم نتمكّن من الحصول على الأدوية التي كان يتلقّاها قبل الحرب، وبالطبع لم يتلقّ العلاج الطبيعيّ أيضًا. لم يكن هناك ماء أو كهرباء وكان المكان متّسخًا. وبسبب سوء التغذية فقد عانى جميع أطفالنا من عسر الهضم.

يزن الذي كان وزنه 15 كيلوغرامًا قبل الحرب فقد وزنه بسرعة. قبل 35 يومًا قرّرنا الانتقال إلى رفح على أمل أن نتمكّن من العثور له على أدوية وطعام صحّيّ أكثر هنا وكذلك على بيئة أنظف [...] لكن حتّى في رفح لم نتمكّن من الحصول على أدوية أو طعام مناسب ليزن، واستمرّت حالته في التدهور. أخذتُه إلى مستشفى أبو يوسف النجّار وبعد أن فحصه الأطبّاء قالوا إنّه يجب أن ندخله إلى المستشفى بسبب سوء التغذية وفقدان الوزن الحادّ، كما كان يعاني من تراكم البلغم في صدره. أعطوه محاليل غذائيّة عبر الوريد وأوصلوه بجهازي استنشاق وأوكسجين. لكنّ حالته استمرّت في التدهور.

في 2.3.24 أحضرت له ملابس نظيفة وعندما بدّلنا له ملابسه نظرتُ إليه وتألمتُ ألمًا شديدًا. لم يبقَ منه إلّا الجلد والعظم. انخفض وزنه إلى النصف. في اليوم التالي، عند الساعة 4:00 فجرًا، اتّصلت بي زوجتي وأبلغتني بأنّ يزن قد تُوفّي. ذهبتُ على الفور إلى المستشفى. حضنتُه".

شريف الكفارنة (31 عاماً) مخيمّ المهجّرين في رفح - لقراءة الإفادة كاملة

وفي تقرير له أفاد طاقم طوارئ طبّي مؤلّف من متطوّعين من منظّمات إغاثة عديدة من أنحاء العالم أنّه في ظروف سوء التغذية الحادّ هناك مرضى يموتون نتيجة إصابتهم بالتلوث. العاملون في مجال الإغاثة ممّن يصلون إلى المستشفيات في قطاع غزة يلتقون طواقم طبّية منهكة وجائعة وفي حاجة ماسّة إلى الغذاء والماء. كذلك المرضى في المستشفيات - ممّن يعانون أمراضاً مزمنة كالسرطان والسكّري، والمتعافين من إصابات خطيرة وعمليات جراحيّة وفقدان أطراف جرّاء القتال، والوالدات والمواليد الجُدد - جميعهم يعانون من الجوع الذي يؤخّر ويحدّ من إمكانية شفائهم أو تعافيهم.

رئيس المجلس الوطنيّ للأمن الغذائيّ في إسرائيل، البروفيسور روني سْترييِر، كتب مُعلّقاً على الوضع الغذائيّ في قطاع غزّة: "توجد شهادات دامغة من منظمات دوليّة نقيم معها علاقات عمل مستمرّة، مثل البنك الدوليّ ومنظمة الصحة العالميّة ومنظمة الأغذية العالميّة وكذلك مؤسّسات مختلفة مثال منظمات إغاثة دوليّة ومنظمات رعاية وصُحف عالميّة كُبرى تشير إلى وُقوع كارثة إنسانية بعيدة المدى تشمل جوعاً شديداً يعانيه السكّان المحليّون".

آثار الجوع على صحّة السكّان

قد يؤدّي سوء التغذية إلى زيادة تعرّض الإنسان وخاصّة الأطفال والرضّع لعدوى الأمراض والالتهابات، وخطر وفاتهم نتيجة لها.[1] إنّه يُطيل بشكل كبير مدّة التعافي من الأمراض والإصابات القائمة ويزيد من فرصة حدوث آثار صحّية طويلة المدى. منذ الآن يُسجّل بين أطفال غزة معدّل وفيات مرتفع جرّاء اجتماع سوء التغذية وأمراض سابقة أخرى.

"نحن تسعة أنفار في الخيمة بدون ماء ولا كهرباء ولا دواء وبدون طعام تقريباً. نشعر أنّ حياتنا تحوّلت إلى ما يشبه الكارثة. نحن عالقون هنا في صحراء وفي ظروف لا تليق ببني البشر. من الصّعب الحصول على مياه صالحة للشرب وحتى مياه للتنظيف. لا توجد أيّة إمكانيّة للاستحمام، كما أنّنا لا نغسل ملابسنا. نعاني من البرد الشديد إذ لا نملك ملابس دافئة. الحشرات في كلّ مكان - بعوض وذباب وزواحف أيضاَ. جميعنا فقدنا الكثير من وزننا ونشعر بالوهن والإرهاق طوال الوقت. نكاد لا ننام في اللّيالي. أولادنا يعانون من مشاكل صحّية. كنان يشكو من نقص في الكالسيوم ويحتاج إلى حقنة مرّة في الشهر. خلال الحرب تمكّنت من الحصول على هذه الحقن مرّتين فقط، لأنّها تكلّف 30 ش.ج. في الشهر، وحتى هذا المبلغ لا يتوفّر معنا. قبل الحرب كان زوجي عاطلاً عن العمل ووضعنا الاقتصاديّ سيّئاً جدّا. محمد يعاني من اليرقان، وهذا لا علاج له - المطلوب هو الحفاظ على تغذية صحّية وإمكانيّاتنا لا تسمح بتوفيرها".

فاطمة بكر (37 عاماً) مخيّم المهجّرين في رفح - لقراءة الإفادة كاملة

إلى جانب الآثار المدمّرة على المدى القصير، فإنّ للمجاعة أيضا عواقب مصيريّة على المدى الطويل. إن سوء التغذية والآثار الجانبية المصاحبة له لها تأثير بعيد المدى على النموّ العصبيّ والذهنيّ الطبيعيّ لدى الأطفال، خاصة في الفترة ما بين الولادة وسنّ السّنتين. الأطفال الذين يولدون بوزن منقوص والأطفال الذين يعانون من سوء التغذية لديهم معدّل ذكاء أقلّ، وأداء وتحصيل دراسيّ أكثر تدنّياً. كما يساهم الجوع بشكل كبير في زيادة المشاكل السلوكيّة والنفسيّة لدى الأطفال.

إضافة إلى ذلك، يضرّ سوء التغذية في سنوات العُمر الأولى بتطور الجهاز الهيكليّ والعضليّ، ويضرّ أيضاً بتطوّر البكتيريا المعوية، والتي يؤدّي نقصها إلى زيادة احتمال الإصابة بالأمراض المزمنة في سنّ أكبر. يؤدّي سوء التغذية أثناء الحمل إلى الإضرار بالنمو الذهنيّ ويزيد من فرصة الإصابة بمرض السكّري والمعاناة من السّمنة في المستقبل. بل إنّ الجوع وسوء التغذية قد يُسهمان في تطوّر الاضطرابات الصحّية لدى الأجيال القادمة، بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية والسكّري والسّمنة وزيادة الميل إلى نقل الأمراض المُعدية والالتهابات، كالسلّ مثلاً.[2]

صعوبة نقل وتوزيع الإغاثة الإنسانيّة

بعد ستّة أشهر من القتال والقصف المتواصل (إضافة إلى سنوات طويلة من الحصار والحملات العسكرية المتكرّرة)، تقريباً لا توجد في غزّة إيّة إمكانيّة لزرع المحاصيل أو إنتاج الغذاء المُعتمد على الإنتاج المحليّ. جزء كبير من الأراضي الزراعيّة تعرّض للقصف والتدمير، والجزء الذي لم يُقصف ويدمَّر بعدُ لا يزال معرّضاً وبالتالي من الخطر تواجُد المزارعين فيه. جميع فروع إنتاج الغذاء لحقتبهاأضرارجسيمة، وأدّى الدّمار الهائل الذي خلّفه القصف الإسرائيليّ إلى تعطيل شبه كامل لمصانع الموادّ الغذائية والمخابز ومخازن الموادّ الغذائية والأسواق. إضافة إلى ذلك، تُرك الآلاف من المهجّرين الذين أُجبروا على ترك منازلهم دون أيّة إمكانيّة للحُصول على المياه الجارية والمعدّات اللازمة للطّهي، أو أتيحت لهُم إمكانيّات محدودة.

الإفادات التي وصلت إلى بتسيلم تفيد بأنّ أسعار الموادّ الغذائيّة والإمدادات القليلة التي ما زال ممكناً الحصول عليها في قطاع غزّة قد ارتفعت مئات الأضعاف، وأنّ الغالبية العظمى من السكّان لا تقدر على تحمّل الكُلفة الباهظة. في ظلّ هذا الوضع المروّع المنشورات المتكرّرة لمنسّق العمليات الحكومية في المناطق والمُرفقة بصور أكشاك أو بسطات الطعام المحمّلة بما لذّ وطاب من البضائع تثير الغضب وتقشعر الأبدان. وعندما نأخذ في الاعتبار أسعار الموادّ الغذائية في هذه البسطات، كما تصفها الإفادات، من الواضح أنّ الجيش الإسرائيلي يحاول بذلك إيهام الجُمهور بأنّ هناك ما يكفي من الغذاء في القطاع، في حين أن الواقع مختلف تماماً.

"كان ثمن كيس الطحين قبل الحرب 30 شيكل وأصبح الآن 600. أصبحنا مُجبرين على الاكتفاء بوجبة واحدة في اليوم، وقد مرّت علينا أيّام لم نتناول فيها أيّ طعام. أحياناً كان الجيران يتبرّعون لنا بالقليل من الماء والطعام. كذلك كان من الخطير جدّاً الخروج من أجل التزوّد بالموادّ الغذائيّة، بسبب إطلاق النيران والقصف. [...] نحصل على المياه مرّة كلّ 10-15 يوماً وأحياناً نحصل على طحين ونعدّ أرغفة خُبز، غير أنّنا في معظم الأحيان لا نجد ما نأكله. خلال الشهر المُنصرم تناولنا أقلّ من وجبة في اليوم. بسبب الجوع بالكاد تستطيع زوجتي إرضاع طفلنا يامن (9 أشهُر)، كما لا يمكن العثور على بدائل الحليب في أيّ مكان.

منذ فترة تمكّنا من شراء كيلو تمر بـ40 شيكل وهذا ما يُبقينا على قيد الحياة. نحن نقتات ممّا نستطيع الحصول عليه. القليل من الأرزّ، القليل من الذرة المطحونة وأيضاً الشعير، وهُما في الأصل مخصّصان لإطعام الدّواجن. ناهيك عن أنّ أسعار الشعير أضحت جنونيّة، والآن حتى الشعير قد نفد وبدأ الناس يطحنون حبوب إطعام العصافير والأرانب، وهذه أيضاً متوفّرة بكميّات قليلة. لم يعد هناك غذاء للبشر ولا للحيوانات".

إبراهيم الغندور (38 عاماً) مدينة غزّة - لقراءة الإفادة كاملة

من أجل الحصول على الغذاء، أصبح سكّان قطاع غزة يعتمدون بشكل شبه كامل على الإغاثة الخارجية من الدول والمنظمات الدوليّة. فوق ذلك، تمرّ شاحنات الإغاثة بعمليّة شاقّة وطويلة من أجل الوصول إلى وُجهاتها داخل القطاع، حيث يتمّ تخزين معظم لوازم الإغاثة والموادّ الغذائية في العريش، ومن هناك يجب نقلها بالشاحنات إلى قطاع غزة عبر واحد من معبرين لا ثالث لهُما في جنوب القطاع، وطريق الوصول إليهما مُمضّة وطويلة وتتضمّن العديد من التوقّفات. إلى جانب ذلك، يتمّ تفتيش البضائع المحمّلة على الشاحنات عدّة مرّات، معظم الأحيان في معبر رفح وأيضاً في معبر "نيتسانا" أو كرم أبو سالم، ممّا يؤدّي إلى تأخير كثير. يتمّ تفريغ لوازم الإغاثة من الشاحنات في المعابر ومن ثمّ تحميلها على شاحنات أخرى ونقلها إلى مخازن داخل القطاع، ومن هُناك يتمّ توزيعها على مختلف مناطق القطاع بالتنسيق مع إسرائيل. ولا يصل من هذه الإغاثة سوى جزء ضئيل إلى شمال القطاع بسبب القيود التي تفرضها إسرائيل والأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية جرّاء القصف الإسرائيليّ. وبالفعل تُظهر المعطيات هناك تفاقُم الوضع الإنسانيّ عموماً والجوع على وجه الخُصوص.

ونظرًا للصعوبات العديدة التي واجهتها جهود الإغاثة البرّية، فقد بدأت المبادرات والخطط البديلة لجلب المساعدات عبر الجوّ والبحر تكتسب زخماً. إضافة إلى ممرّ المساعدات البحريّة الذي تمّ إنشاؤه قرب شواطئ غزة، حتى بداية شهر نيسان حصلت تسع دول - الأردن ومصر والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة وألمانيا وهولندا وبلجيكا وفرنسا وسنجافورة - على إذن بإنزال إغاثة من طائرات نقل تحلّق في أجواء القطاع. صحيح أنّ هذه الحلول الالتفافيّة تُتيح التغلّب على التعقيدات البيروقراطيّة التي تفرضها إسرائيل، لكنّ الخبراء يقولون إنّها بطيئة ومُكلفة ومحدودة جدّاً من ناحية الكميّات مقارنة بالمساعدات التي تصل إلى القطاع بالشاحنات. إضافة إلى ذلك، ثبت أيضًا أنّ إنزال الإغاثة سبّب أضراراً وإصابات، بل إنّها تسبّبت في مقتل خمسة أشخاص منذ بداية شهر آذار، وفقاً لتقارير وسائل إعلام فلسطينيّة.

ولا تكتفي إسرائيل بالصّعوبات الجمّة التي تفرضها على إدخال الإغاثة الإنسانيّة المقدّمة استجابة للكارثة التي خلقتها هي نفسها، إذ نجدها تصعّب أيضاً عمليّة توزيعها بنجاعة للسكّان الذين يكافحون من أجل البقاء. على سبيل المثال، رغم الدّور الحاسم الذي تلعبه وكالة غوث وتشغيل اللّاجئين الفلسطينيّين (الأونروا) في تركيز وتوزيع المساعدات اتخذت إسرائيل منذ بداية القتال خطوات للتضييق على نشاط الوكالة، بل وتعمل على إخراجها من قطاع غزّة، بحجّة مزاعم حول ضُلوع بعض موظفي الوكالة في هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر، علماً أنّه لم يتمّ العثور حتى الآن على جهة يمكن أن تحل محلّ وكالة الغوث في العديد من الأدوار المدنيّة والإنسانيّة التي تقوم بها.

تدّعي وكالة الغوث والعديد من منظّمات الإغاثة الإنسانيّة الرّائدة أنّ إسرائيل لم تف بالتزاماتها القانونيّة والأخلاقيّة منذ عدّة أشهر، ولا تقدّم في الواقع سوى إغاثة غذائيّة محدودة وضئيلة وبعيدة كلّ البُعد عن الاستجابة لحجم أو نطاق الجوع حاليّاً. المعطيات حول الازدياد المُتسارع في حجم الجوع في قطاع غزة توكّد صحّة هذه الادّعاءات. في آذار الماضي ادّعى جوزيف بوريل، المندوب السّامي للاتحاد الأوروبيّ للشؤون الخارجيّة والأمنيّة أنّ إسرائيل تتسبّب في مجاعة وتستخدم التجويع كسلاح في الحرب. إضافة إلى ذلك، إسرائيل تجنّبت منح تأشيرات دخول للعاملين في منظمات الإغاثة الذين يريدون القدوم إلى قطاع غزّة، بل إنّها تتباهى برفض الطلبات.

ومن جهتها تتنصّل من مسؤوليتها عن الوضع بطرق عدّة منها الادّعاء بأنّ حماس هي المسؤولة عن عرقلة قوافل الإغاثة وسرقة الإغاثة التي تدخل فعليّاً. هذه الادّعاءات، بغضّ النظر عن صحّتها أو كذبها، لا تعفي إسرائيل من مسؤوليّة اتخاذ جميع التدابير اللّازمة لتلبية الاحتياجات الإنسانيّة للسكّان الواقعين تحت الاحتلال.

"وضعنا صعب جدًّا ونحن لا نعيش الآن إلّا بفضل المساعدات من منظّمات خيريّة، لكن ليس هناك ما يكفي من الطعام. يتمّ هنا بيع المعلّبات والحبوب فقط، وبأسعار مرتفعة. لا يوجد طعام صحّيّ. لم نأكل الخضار والفواكه منذ أشهر. فهي نادرة ومكلفة جدًّا. واللحوم هي شيء غير وارد على الإطلاق. نسيتُ شكلها تقريبًا. عندما تصل اللحوم إلى الحوانيت يكون سعرها 120 شيكل للكيلو الواحد. البيض أيضًا نادر وتكلّف الكرتونة 100 شيكل".

حنان أبو ربيع (30 عاماً) مخيّم المهجّرين في رفح - لقراءة الإفادة كاملة

شحنات الإغاثة التي تستطيع تخطّي العراقيل الكثيرة - بضمنها تلك التي تفرضها إسرائيل، تواجه أحياناً آلة الحرب الإسرائيليّة التي تستمرّ في العمل طوال الوقت. في مُنتصف شهر آذار نُشر أنّ وزارة الصحّة الفلسطينيّة أبلغت عن سقوط ما لا يقلّ عن 21 قتيلاً و-150 جريحاً جرّاء نيران أطلقها الجيش الإسرائيليّ أثناء تجمهُر الناس للحُصول على الإغاثة الإنسانيّة، في دوّار الكويت في مدينة غزّة. وفي وقت سابق خلال شهر شباط وقعت حادثة مشابهة حيث قُتل أكثر من 100 شخص وجُرح أكثر من 700 بعد أن تدفّق الآلاف على شاحنات الإغاثة التي وصلت إلى شارع الرّشيد في مدينة غزّة.

زعمت إسرائيل أنّ معظم الوفيات حدثت نتيجة الدّهس تحت عجلات الشاحنات والاكتظاظ الشديد، وأنّ قوّاتها تصرّفت وفقاً لتعليمات إطلاق النار، غير أنّ وزارة الصحّة الفلسطينيّة قد أبلغت عن إصابات كثيرة وقعت جرّاء إطلاق نيران، وهو ما ورد أيضاً في الإفادات التي وصلت إلى بتسيلم.

" لن أنسى طوال حياتي ما حدث في 29.2.24 في دوّار النابلسي. ذهبتُ إلى هناك شأني شأن آلاف الأشخاص الآخرين لأخذ أكياس من الطحين، وعندما اقترب الناس من الشاحنات أطلِقت عليهم نيران كثيفة. أصيب الكثير من الأشخاص من جرّاء إطلاق النار وسقط قتلى أيضًا. كان ذلك مشهدًا مريعًا ومروّعًا. اختلط الدم بالطحين، وأصبحت عبارة "خبز مغمّس بالدّم" حقيقة واقعة.

ذهب الناس إلى هناك فقط لإحضار الطعام لعائلاتهم. عاد بعضهم مصابين والبعض الآخر لم يعدْ على الإطلاق. كلّ ما أريده هو أن ينقذونا من الجوع الذي يقتلنا جميعًا في شمال القطاع. على الأقلّ أن ينقذوا الأطفال الذين يتضوّرون جوعًا هنا منذ فترة طويلة جدّاً".

أحمد أبو فول (40 عاماً) مخيّم جباليا للّاجئين- لقراءة الإفادة كاملة

جريمة التجويع

تتضمّن القوانين الدوليّة لحقوق الإنسان حظراً شاملاً على التجويع، وضمن ذلك تحظر على الدول اتّخاذ تدابير تؤدّي إلى حرمان البشر من الحُصول على الغذاء، حتى لو كانوا يعيشون في منطقة خارج أراضيها.[3]

إنّ حظر التجويع كأسلوب من أساليب القتال مُشتقّ من واجب عامّ منصوص عليه في قوانين الحرب يُلزم بحماية السكّان المدنيّين أثناء الحرب، وينجم عنه حظر إلحاق الأذى بكلّ ما يُعتبر من ضرورات البقاء.[4]

ينصّ ميثاق روما الأساسيّ، الذي يشكّل دستور المحكمة الجنائيّة الدوليّة (ICC)، على حظر عينيّ وجنائيّ للتجويع. وتنصّ هذه الاتفاقيّة على أنّ تجويع المدنيّين كوسيلة من وسائل القتال هو جريمة حرب مُدرجة في قائمة جرائم الحرب التي يقع التحقيق فيها والمحاكمة عليها ضمن اختصاص المحكمة.

تعريف الجريمة كما يظهر في ميثاق روما:

"Intentionally using starvation of civilians as a method of warfare by depriving them of objects indispensable to their survival, including wilfully impeding relief supplies"

(Rome Statute of the ICC, art. 8(2)(b)(xxv))

وبالعربيّة:

"تجويع المدنيّين عمداً كوسيلة قتال، عبر حرمانهم من الموادّ التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمّد عرقلة الإمدادات الغوثيّة"

تشتمل الجريمة على أربعة مركّبات إذا تحقّقت فالجريمة واقعة: الفعل والنيّة والسّياق وإدراك السّياق. فيما يلي سنفحص بإيجاز ممارسات إسرائيل في قطاع غزّة في الأشهر الأخيرة استناداً إلى المُعطيات المعلومة لنا، وذلك على ضوء هذه المركبات الأربعة:

  1. الفعل المحظور هو منع (أو إنقاص متعمّد في توفير) الوسائل الضرورية لبقاء السكّان. والوسائل المطلوبة للبقاء قد تتنوّع وقد تشتمل على مكوّنات مختلفة وفقاً للظروف العينيّة. الأفعال التي تؤثر بشكل غير مباشر في الحصول على الوسائل الضرورية للبقاء يمكن أن تعتبر تجويعاً أيضًا، عندما تُسهم بالنتيجة في منع الحصول عليها.

وكما أوضحنا آنفاً، منعت إسرائيل طوال أشهُر نقل الإغاثة الإنسانيّة إلى قطاع غزّة بالقدْر المطلوب، بما في ذلك الغذاء والدواء - وبشكل خاصّ إلى شمال القطاع. الدّمار الذي خلقته إسرائيل خلال الحرب في قطاع غزة أدّى واقعاً إلى إعدام أيّة إمكانيّة تقريباً لزراعة أو إنتاج الغذاء محلّيًّا. وبسبب هذا الوضع، يعتمد النظام الغذائي لسكّان قطاع غزة بشكل شبه كلّيّ على الإغاثة الخارجيّة التي تسيطر عليها إسرائيل. وكما فصّلنا أعلاه، لم تفِ إسرائيل خلال الأشهر الماضية بالتزاماتها بهذا الخُصوص، إذ لم تسمح بدخول إغاثة كافية إلى القطاع، ولم تهتمّ بما يكفل وصول الإغاثة إلى وُجهتها، حتى في المناطق التي سبق أن أعلنت أنّها أرض محتلّة من قِبَلها.

  1. المركب الثاني المطلوب في تعريف الجريمة هو تعمّد استخدام التجويع كوسيلة قتال، أي استخدامُه بغرض إحراز أفضليّة عسكريّة أو بعبارة أخرى استخدامه كأداة لإضعاف قوّة العدوّ. الحظر يطال التصرّف عن إدراك ووعي أنّ ذلك يؤدّي إلى التجويع ويصبّ في صالح القتال، ولذلك لا يشترط التعريف حدوث أيّة نتيجة (مثل موت السكّان أو تفشّي وباء سوء التغذية) كنتيجة مباشرة للأفعال التي تدخل ضمن تعريف التجويع. تعمُّد إسرائيل استخدام التجويع لأجل إحراز أفضليّة عسكريّة يمكن تعقّبه في تصريحات لسياسيّين وعسكريّين كبار مفادُها أنّ منع الغذاء والماء عن سكّان القطاع هو جزء من النشاط الحربيّ الإسرائيليّ في القطاع. على سبيل المثال، أقوال وزير الأمن الإسرائيليّ، يوآف غالانت، وهو عضو في مجلس الحرب - أعلى الهيئات السياسيّة المُناط بها إدارة الحرب - حيث قال صراحةً أنّ منع الغذاء والماء هو جزءٌ من عمليّة القتال: "نحن نفرض حصاراً كليّاً على مدينة غزّة. لا توجد كهرباء ولا غذاء ولا ماء ولا وقود. كلّ شيء مغلق. نحن نقاتل حيوانات آدميّة ونتصرّف وفقاً لذلك".

أو أقوال وزير الأمن القوميّ، إيتمار بن جفير، حيث يربط بين جهود استعادة المختطفين الإسرائيليّين ومنع إدخال الإغاثة الإنسانيّة إلى القطاع: "طالما لم تطلق حماس سراح المختطفين الذين في أيديها - الشيء الوحيد الذي ينبغي أن يدخل إلى غزّة هو مئات الأطنان من متفجّرات سلاح الجوّ، وليس غرامًا واحدًا من الإغاثة الإنسانية".

أو أقوال وزير الخارجية، يسرائيل كاتس، "على مدى سنوات زوّدنا غزة بالكهرباء والماء والوقود. وبدلاً من أن يقولوا شكراً، أرسلوا آلاف الحيوانات البشرية ليذبحوا ويغتصبوا ويختطفوا، رضّعاً ونساءً ومسنّين - لهذا السبب قرّرنا وقف تدفّق المياه والكهرباء والوقود، والآن محطّة توليد الكهرباء المحليّة خاصّتهم قد انهارت ولا توجد كهرباء في غزّة، سوف نواصل تشديد الحصار حتى إزالة التهديد الحماسيّ لإسرائيل والعالم. ما كان لن يكون بعد".

وبخصوص إدراك إسرائيل ووعيها لحقيقة أنّ أفعالها تسبّب التجويع - لا شكّ أنّ جهات إسرائيليّة تدرك حالة الجوع الآخذة في النمو في قطاع غزة وخاصّة في منطقة الشمال، التي "احتُلّت" من قبَل إسرائيل وفقاً لرئيس الحكومة نتنياهو. يُستدلّ على هذا الإدراك من كميّة كبيرة من المنشورات والمعلومات الصّادرة عن جهات دوليّة كما من التماس إلى محكمة العدل العليا رفعته منظمات حقوق إنسان إسرائيليّة بقيادة منظمة "جيشاه - مسلك".

إضافة إلى ذلك، ممّا يدلّ على أنّ إسرائيل تدرك جيّداً الاحتياجات المعيشيّة الأساسيّة المطلوبة لسكّان القطاع أنّها تفرض عليه منذ سنوات حصاراً تأخذ فيه بعين الاعتبار اقتصاد احتياجات السكّان هناك، مع حساب الحدّ الأدنى المطلوب لبقائهم على قيد الحياة.

  1. سياق تنفيذ الجريمة ينبغي أن يكون صراعاً دوليّاً مسلّحاً. ولا يختلف اثنان في أنّ الحرب الدائرة في قطاع غزّة هي صراع دوليّ مسلّح.
     
  2. يجب أن تنطلق العمليّة أو الحملة من إدراك للسّياق والظروف التي يقوم عليها صراع كهذا. وفي هذا الشأن أيضاً لا يختلف اثنان في أنّ الجهات الإسرائيليّة الرسميّة تدرك وُجود صراع مسلّح، منذ أن أعلنت الحرب.

فحص المركّبات الأربعة لجريمة التجويع في القانون الجنائيّ الدوليّ على ضوء المعلومات المتوفّرة لدينا - استنادا إلى تقارير الهيئات الدوليّة المختلفة وإفادات الشهود التي جمعها باحثونا الميدانيّون - يدلّ على أنّ إسرائيل ترتكب جريمة التجويع منذ أشهر عديدة، بمختلف مكوّناتها. نذكّر أنّه في حال جريمة خطيرة ومعرّفة كـ "جريمة حرب" مثل جريمة التجويع، يُجيز القانون الدوليّ تحميل أفراد المسؤولية الجنائيّة الشخصيّة عن ارتكاب جرائم كهذه. وينصّ البند 27 في ميثاق روما على أنّ المسؤوليّة الجنائيّة الشخصيّة لا تسقط بسبب المكانة الرسميّة لأيّ شخص، كأن يكون رئيس دولة، أو بسبب أيّة حصانة يتمتّع بها بحُكم منصب وزاريّ أو أيّ منصب آخر.

في إطار البند 28 ينصّ ميثاق روما على المسؤوليّة الشخصيّة التي يتحمّلها قادة عسكريّون كبار (military commanders) ومسؤولون مدنيّون فاعلون (superiors).

"A military commander or person effectively acting as a military commander shall be criminally responsible for crimes within the jurisdiction of the court committed by forces under his or her effective command and control, or effective authority and control as the case may be, as a result of his or her failure to exercise control properly over such forces"

وبالعربيّة:

"يتحمّل القائد العسكريّ أو الشخص الذي يشغر وظيفة قائد عسكريّ مسؤوليّة جنائيّة عن الجرائم التي تقع ضمن اختصاص المحكمة التي ارتكبتها قوّات تخضع فعليّاً لإمرته وسيطرته أو هي تعمل فعليّاً تحت صلاحيّاته وسلطته، حسب الحالة - إذا هو لم يمارس السيطرة على هذه القوّات كما ينبغي".

تسري هذه المسؤوليّة على القادة في واحدة من حالات ثلاث هي: (1) القائد في حال ارتكب هو الجريمة مباشرة (2) القائد في حال أمر بارتكاب الجريمة (3) القائد في حال شارك في ارتكاب الجريمة.

إنّ عدد المسؤولين الكبار في الجيش الإسرائيليّ والهيئات السياسيّة المدنيّة الذين شاركوا في منع الإغاثة الإنسانيّة عن سكّان قطاع غزّة خلال الأشهُر الماضية كبير، والفرضيّة الرّاجحة هي أنّ كثيرين منهم كانوا يعون أفعالهم ويُدركون عواقبها.

على سبيل المثال، يمكن إيجاد دليل على إدراك القوى الميدانيّة للتدمير الهائل الذي ألحقوه بوسائل المعيشة الضروريّة في أقوال العقيد يوغيف بار شيشِت، نائب رئيس الإدارة المدنية، في مقابلة تلفزيونية من داخل قطاع غزّة: "ليس من المُجدي المسّ بشعبنا. هذه هي الرّسالة. لم يتبقّ شيء. من يعود إلى هنا لاحقاً، إذا عاد، فسوف يشهد هنا أرضاً محروقة. لا توجد منازل. لا توجد زراعة. ليس لديهم مستقبل".

 

خاتمة

"المعركة الحاليّة ضدّ القتَلة من ’حماس‘ هي فصل يُضاف إلى قصّة الصّمود الوطنيّ على امتداد أجيالها. "اذكُرْ ما فعله بك عماليق"، جاء في رسالة رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو إلى جنود الجيش الإسرائيليّ في 3 تشرين الثاني 2023. الاستعارة هي وسيلة يُضفى بها معنىً آخر على شيء ما، معنى مستعار من مجال آخر؛ والوصيّة الخاصّة بعماليق [المستعارة من التوراة، سِفر التثنية] يألفها كلّ من درس في جهاز التعليم الإسرائيليّ ويعرف أنّ المقصود منها هو الردّ على الهجوم بطريقة تمحو عن وجه الأرض ذكر الشعب المُهاجم (العماليق) بما في ذلك النساء والأطفال. عندما تتمّ المُساواة بين المعركة ضدّ حماس والمعركة ضدّ عماليق فالاستنتاج واضح: الوصيّة هي محو غزّة.

تعمل إسرائيل بهذه الرّوح منذ سبعة أشهُر: المُدن تحوّلت إلى أنقاض وأعداد القتلى لا يتصوّرها عقل وجهاز الصحّة لا يعمل والمستقبل مُبهَم. وانطلاقاً من رغبتها في الانتقام من الجرائم التي ارتكبتها حماس في 7 أكتوبر، تتصرّف إسرائيل في تجاهُل لأيّ معيار أخلاقيّ أساسيّ وانتهاك صارخ لما يُلزمها به القانون الدوليّ.

ومن بين عديد الأفعال غير المشروعة التي ترتكبها إسرائيل تبرز على نحوٍ خاصّ فظاعة نهج التجويع الذي تستخدمه إسرائيل ضدّ السكّان في قطاع غزّة. على مدى أشهُر طويلة تواصل إسرائيل سياسة الحصار المُطبق، وتدمير إمكانيّة إنتاج الغذاء داخل القطاع سواء الزّراعة أو صيد الأسماك، والحدّ من شحنات الإغاثة. نتيجة هذه السياسة أنّ ملايين الأشخاص يتضوّرون جوعًا.

حالة الجوع الشديد الذي نما في الأشهر الأخيرة في قطاع غزّة ليست من حُكم القدَر، بل هي نتاج سياسة إسرائيليّة عن سابق إدراك وتعمُّد قد صرّح بها بصريح العبارة صُنّاع السياسة الإسرائيليّون، بمن فيهم عضو مجلس الحرب الإسرائيليّ، بدءاً من أيّام القتال الأولى. لقد درست إسرائيل مُعمّقاً خلال سنوات الحصار الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة كمية الغذاء التي يحتاجها السكّان هناك من أجل البقاء. ولهذا الغرض، ابتكرت إسرائيل مُعادلات رياضيّة وألّفت جداول سُعرات حراريّة. معنى ذلك أنّ إسرائيل دخلت الحرب وفي حوزتها معرفة كثيرة باحتياجات السكّان في قطاع غزّة، وبالتالي اختارت عن وعيٍ ومعرفة عدم تلبية هذه الاحتياجات الأساسيّة والإخلال بواجب توفير الاحتياجات الإنسانيّة لسكّان قطاع غزّة.

لكي نتمكّن من جعل مئات آلاف الأشخاص ينحدرون إلى ذلّ المجاعة ولأجل استخدام "التجويع" كوسيلة من ضمن وسائل القتال - يتطلّب الأمرُ تجريد البشر من إنسانيّتهم بالكامل. لأسفنا الشديد، في المجتمع الإسرائيليّ تسارعت في الأشهر الأخيرة عملية تجريد الفلسطينيّين من إنسانيّتهم.

نأمل أنه من خلال الإشارة إلى المعاني المدمّرة لهذه السياسة وإلى المسؤوليّة الشخصيّة للسياسيّين الذين يشاركون في اتّخاذ القرارات والقادة العسكريّين المسؤولين عن تنفيذها، أن تدفع بإسرائيل نحو فهم ما كان يجب أن يكون مفهوماً ضمناً: التجويع لا يمكنه أبداً أن يكون وسيلة قتال. تجويع السكّان جريمة. إنّ وصمة العار الأخلاقية وكذلك المسؤولية الجنائية الناجمة عن أداء إسرائيل في الأشهر الأخيرة لا يمكن محوُها.

 

(*) الإفادات الواردة في هذه الوثيقة يمكن قراءتها كاملة كما إفادات أخرى من قطاع غزّة في مدوّنة "أصواتٌ منغزّة" على موقع بتسيلم.

 


[1] Daniel Ramirez, Steven A. Haas. Windows of Vulnerability: Consequences of Exposure Timing during the Dutch Hunger Winter, September 2022; World Health Organization. Famine in Gaza is imminent, with immediate and long-term health consequences, March 2024; UNICEF. Children in Gaza need life-saving support

[2] Historic famine leaves multiple generations vulnerable to infectious disease, University of California, Berkeley, October 2020.

[3] البند 25 في الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان (1948) وبند 2(1) العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

(1966)، وتأويل البند الذي اعتمدته اللجنة المشرفة على تطبيق العهد/المعادة – ملاحظة تأويليّة رقم 12 (1999)، بند 36.

[4] البروتوكول الأوّل الملحق باتفاقيّات جنيف بشأن مُعاملة ضحايا النزاعات المسلّحة الدوليّة (1977) بند 54 وعُنوانه: "حماية الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة"؛ البروتوكول الثاني الملحق باتفاقيّات جنيف بشأن معاملة ضحايا المُواجهات المسلّحة غير الدوليّة (1977)، بند 14 وعُنوانه: "حماية الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة".