Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

تجفيف: سياسة التعطيش الإسرائيلية في الضفة الغربية

ملخص التقرير, أَيَّار 2023

  • متوسط استهلاك الفرد اليومي من المياه في إسرائيل، بما في ذلك المستوطنات، يبلغ 247 ليترًا، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف متوسط استهلاك الفرد الفلسطيني اليومي في الضفة الغربية، والذي يبلغ 82.4 ليترًا. في التجمعات الفلسطينية غير الموصولة بشبكة مياه، متوسط استهلاك الفرد اليومي من المياه هو 26 ليترًا، مثل متوسط الاستهلاك في المناطق المنكوبة.
     
  • 36% فقط من سكان الضفة الغربية يحصلون على مياه جارية بشكل يوميّ، 47% من سكان الضفة الغربية يحصلون على مياه جارية أقل من عشرة أيام في الشهر.
     
  • 92% من سكان الضفة يخزّنون المياه في خزانات يضعونها على أسطح منازلهم، في محاولة للتغلب على مشكلة النقص الدائم في المياه.
     
  • إجمالي استهلاك الاسرائيليين من المياه خلال العام 2020 بلغ عشرة أضعاف إجماليّ ما استهلكه الفلسطينيون في الضفة الغربية، رغم أن عدد السكان في إسرائيل هو أكبر بثلاثة أضعاف فقط.
     
رسوم بيانية: توافر المياه الجارية يوميًّا
رسوم بيانية: توافر المياه الجارية يوميًّا


تعكس هذه المعطيات واقع ضائقة المياه الحادة لدى الفلسطينيين سكان الضفة الغربية. هذه الضائقة ليست قدرًا أو ظاهرة طبيعية لا يمكن التصدي لها ومعالجتها. وهي أيضًا ليست جزءًا من "أزمة مياه" إقليمية لا يمكن منعها. هذه الضائقة هي نتاج مقصود لسياسة إسرائيلية تمييزية، عن وعي ومعرفة، تخلق أزمة مياه دائمة، مصطنعة ومقصودة تعتبر المياه عنصرًا في منظومة السيطرة على الفلسطينيين.

تبرّر إسرائيل سياستها هذه بادعاء أنها تتصرف بحسب التلخيصات التي تم التوصل إليها في إطار الاتفاقية المرحلية التي تم التوقيع عليها بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1995. لكن هذه الاتفاقية كان من المفترض أن تكون سارية المفعول لمدة خمس سنوات فقط والترتيبات المنصوص عليها فيها بعيدة تماماً عن أن تعكس احتياجات الفلسطينيين الحالية في الضفة الغربية والواقع القائم. فأولًا، منذ التوقيع على الاتفاقية ازداد عدد السكان بنحو 75% بينما بقيت كميات المياه التي تسمح إسرائيل للفلسطينيين بسحبها على ما كانت عليه. لسدّ ما ينقص، تضطر السلطة الفلسطينية إلى شراء المياه من شركة مكوروت، بتكلفة أعلى بعدة أضعاف. كمية المياه الإجمالية التي استهلكها الفلسطينيون في الضفة الغربية خلال العام 2020 بلغت 239 مليون متر مكعب، منها 77.1 مليون متر مكعب تم شراؤها من إسرائيل ثم جرى توزيعها بعد ذلك بشكل غير متساوٍ في أنحاء الضفة الغربية.

ثانيًا، لم تتوقع الاتفاقية الثورة التي حصلت في قطاع المياه في إسرائيل. فقد تحولت إسرائيل خلال الجيل الأخير إلى قوة مائية عظمى. تخطيط ذكي، استثمارات ضخمة وتطورات تكنولوجيّة، هي عوامل ساهمت في إقامة نظام مائي متقدم وناجع، يتمتع بحصانة معينة من أخطار سنوات الجفاف وتغيرات المناخ ومهيأ لسد احتياجات السكان حتى العام 2050، على الأقل. نتيجة لذلك، يتمتع مواطنو إسرائيل بإمدادات غير محدودة تقريبًا من المياه، للاستخدام الشخصي والمجتمعي، ويتمتعون أيضًا بزراعة وفيرة المياه، حتى في المناطق الصحراوية. وقد حررت هذه الثورة دولة إسرائيل من الاعتماد على مصادر المياه الطبيعية ونجحت في انتاج أكثر من ضعفيّ متوسط الإنتاج من هذه المصادر الطبيعية. وكان من المنطقي والطبيعي التوقع بأن تسمح إسرائيل للسكان الفلسطينيين في الضفة باستخراج كميات أكبر بكثير من تلك التي حددتها لهم الاتفاقية، من دون أن يمسّ ذلك باستهلاك المياه لدى مواطني إسرائيل، ولو قليلاً.

لكنّ إسرائيل تتعامل مع موارد المياه القائمة بين البحر والنهر وكأنها تابعة لها وحدها وتعتبر نفسها الجهة الحصرية المخولة صلاحية اتخاذ قرارات بشأن استخدامها. بعد الاحتلال مباشرة، استولت إسرائيل على قطاع المياه الفلسطيني وفرضت عليه قيودًا وممنوعات شديدة. فقد ألزمت الفلسطينيين بالحصول على تصاريح منها لحفر آبار جديدة واستغلت لحاجاتها هي مصادر مياه جديدة لم تكن قادرة على الوصول إليها قبل الاحتلال، وخاصة في غور الأردن بشكل أساسي. بالإضافة إلى ذلك، ربطت إسرائيل جميع المستوطنات التي أقيمت في أنحاء الضفة الغربية – ما عدا تلك التي أقيمت في الأغوار – بشبكة المياه الإسرائيلية. يتم تزويد المستوطنات بالمياه وفقًا لمؤشرات استهلاك المياه في داخل إسرائيل، حيث يُدار تزويد البلدات الإسرائيلية على جانبي الخط الأخضر بالمياه كنظام واحد.

كرست الاتفاقية المرحلية الاحتكار الإسرائيلي لموارد المياه وثبّتت مكانة إسرائيل باعتبارها الجهة المتحكّمة والوحيدة المؤهلة لاتخاذ قرارات استراتيجية بشأن هذه الموارد. كما رسخت الاتفاقية التقسيم التمييزي لمصادر المياه المشتركة بين إسرائيل والفلسطينيين وأبقت على المبدأ الذي تم بحسبه توزيع المياه قبل توقيعها: الإسرائيليون يستهلكون المياه بحسب الطلب، بينما يستهلكها الفلسطينيون بحسب حصة محدودة تم تحديدها لهم مسبقًا.

تتجاهل الاتفاقية واقع الاحتلال وموازين القوى بين إسرائيل والفلسطينيين. وهي تخلق وكأنّ هنالك بين البحر والنهر قطاعين متساويين من المياه – قطاع مياه إسرائيلي وقطاع مياه فلسطيني – يقتسمان بينهما مصادر المياه، يتخذان القرارات سوية ويعتمدان آليات مراقبة مشتركة. لكنّ الجانبين غير متساويين: إسرائيل تحتل الضفة الغربية وهي صاحبة السيطرة على المنطقة وعلى الرعايا الفلسطينيين، الذين لم يختاروها والذين لا قدرة لديهم على التأثير على المنظومات المسؤولة عن مصيرهم.

إلى جانب ذلك، فإن بنود الاتفاقية التي تتطرق إلى توزيع المياه تتجاهل، تجاهلًا تامًا، تقسيم الضفة إلى مناطق أ، ب، ج – والذي تم تكريسه في بنود أخرى من الاتفاقية ذاتها. وضعت إسرائيل جميع الصلاحيات بيدها في المنطقة ج، التي تشكّل حوالي 60% من الضفة، وبذلك أصبح الفلسطينيون رهناً بموافقتها – التي تُمنح بالقطّارة – في كل مجال تقريبًا: أي حفر جديد لبئر ماء، أي بنية مياه تحتية تربط بين بلدات فلسطينية متجاورة وأي منشأة لمعالجة مياه الصرف الصحي، يتحتّم إنشاؤها بعيدًا عن الأحياء السكنية - يجب أن تمر في المنطقة ج. هذه السياسة خلقت فروقات كبيرة في استهلاك المياه اليومي في البلدات الفلسطينية. في الوقت الذي تسمح فيه الاتفاقية لإسرائيل بضخ المياه من إسرائيل نفسها إلى مستوطنات الضفة الغربية، فإنها تمنع السلطة الفلسطينية من نقل مياه من منطقة معينة في الضفة إلى منطقة أخرى فيها. يخلق هذا الأمر وضعًا عبثيًا غير معقول. فبينما تنتج سلطة المياه الفلسطينية مياهًا بتكاليف قليلة في مناطق قلقيلية، طولكرم وأريحا، إلا أنها لا تستطيع نقلها إلى تجمعات فلسطينية أخرى قد تبعد أحيانًا مسافة كيلومترات معدودة فقط، بسبب المنع الإسرائيلي. هكذا تنشأ فجوات حادة في استهلاك المياه في المحافظات الفلسطينية المختلفة: في العام 2020، بلغ استهلاك المياه اليومي للفرد في محافظتيّ بيت لحم والخليل 51 ليترًا، بينما وصل في محافظة قلقيلية إلى ثلاثة أضعاف ذلك وبلغ 141 ليترًا للفرد في اليوم.
 

رسوم بيانية: متوسّط ​​استهلاك الفرد للمياه في اليوم
رسوم بيانية: متوسّط ​​استهلاك الفرد للمياه في اليوم

 

تتمسك إسرائيل بهذه الاتفاقية من أجل تبرير سياستها في مجال المياه، بادعاء أن الفلسطينيين قد وقّعوا عليها. لكنّ أحكام الاتفاقية في كل ما يخص الفلسطينيين تبقى بدون تطبيق:

  • حتى الآن، لا يحصل الفلسطينيون على حصص المياه الإضافية التي وُعدوا بها، من مصادر المياه المشتركة، والتي كان من المفترض أن تأتي غالبيتها من الحوض الفرعي الشرقي للحوض الجوفي الجبلي. لكن إسرائيل سيطرت على المخارج الأكثر إنتاجية للمياه فيه وتم تعريف الجزء الأكبر من المساحة المتبقية كمنطقة ج، التي تقيّد إسرائيل وصول الفلسطينيين إليها. كذلك، تُبيّن المسوحات الهيدرولوجية التي أجرتها إسرائيل في نهاية تسعينات القرن المنصرم أن المياه غير المستغلة في هذا الحوض هي مياه غير صالحة للشرب إطلاقاً، بسبب ملوحتها الشديدة. وهذا هو، بالتأكيد، السبب الأساسي الذي جعل إسرائيل تمتنع عن تنفيذ الحفريات هناك بنفسها. بالنظر إلى كل هذا، حتى في الحالات القليلة التي سمحت إسرائيل فيها للفلسطينيين بتنفيذ حفريات آبار، كانت تلك تتطلب حفرًا عميقًا ومكلفًا، والمياه التي استُخرِجت منها كانت تحتاج إلى تحلية مكلفة، ما يعني في نهاية الأمر أنّ استخدام تلك الآبار لم يكن ذا جدوى، بسبب تكلفة الإنتاج والبُعد عن شبكة المياه.
     
  • تحولت لجنة المياه المشتركة، مع مرور السنين، إلى أداة لخدمة أهداف إسرائيل ومصالحها، بعد أن أفرغت إسرائيل حق النقض الفلسطيني في إطارها من أي مضمون أو معنى. فهي التي قررت أن يتم بحث المشاريع المخصصة للفلسطينيين سوية مع المشاريع المخصصة للمستوطنات، كنوع من "صفقة"، فأرغمت الفلسطينيين بذلك على دعم المشاريع المعدّة لتوسعة المستوطنات. كما طالبت أيضًا بأن يحصل أي مشروع مخصّص للفلسطينيين ويمرّ، كلّه أو أجزاء منه، عبر المنطقة ج – أي، معظم المشاريع الفلسطينية –على موافقة من لجنة التخطيط العليا التابعة للإدارة المدنية أيضاً، والتي لا تمثيل للفلسطينيين فيها، على الإطلاق.
     
  • في الاتفاقية المرحلية تم تأسيس نظام للرقابة المتساوية، لكنها لم يوضع موضع التطبيق والتنفيذ، إطلاقاً. لم يُسمح للفلسطينيين بالوصول إلى مناطق نفوذ المستوطنات، كما أن الاتفاقية لم تمنح الفلسطينيين أصلاً إمكانية الوصول إلى مشاريع في داخل الخط الأخضر، بالرغم من أن هذه المشاريع تستخدم مصادر المياه المشتركة. وتعمل إسرائيل من دون أي نظام رقابة خارجي فيما لا يمتلك الفلسطينيون أية قدرة على مواجهة اعتداءات المستوطنين والجنود على آبار المياه أو على مصادر المياه أو مواجهة وصلات المياه غير الشرعية. مقابل ذلك، تملك إسرائيل صلاحيات ممارسة الرقابة على الفلسطينيين وتقوم باستغلال هذه الصلاحيات، ضمن أشياء أخرى، للمسّ بمصادر المياه التابعة لتجمعات الرعاة الفلسطينيين.

يعمل نظام الأبارتهايد الإسرائيلي يعمل لتعزيز وتخليد التفوق اليهودي في كامل المنطقة الخاضعة لسيطرته بين البحر والنهر. ويتجلى هذا في سياسة الأراضي والتهجير، في القيود على حرية التنقل وأيضًا – كما يبيّن هذا التقرير – في سياسة إدارة الموارد المائية. في إطار قطاع المياه الواحد يخلق النظام الإسرائيلي، بصورة متعمدة، فجوات كبيرة في استهلاك المياه: بين أولئك الذين يتمتعون برفاهية القوة المائية العظمى المصنّفة ضمن العالم الأول – مع حصانة حقيقية من أضرار أحوال الطقس وتقلبات أزمة المناخ، وبين الرعايا الفلسطينيين – الذين يعانون من ضائقة مياه مزمنة ومن المتوقع أن تتفاقم معاناتهم منها أكثر مع اشتداد أزمة المناخ.

تجسد السياسات الإسرائيلية جيدًا السيرورات التي مرّ بها المجتمع الإسرائيلي في تجريد الفلسطينيين من الصفات الإنسانية – سيرورات تسمح باستغلال هذا المورد الأساسي كآلية للسيطرة وكأداة لتحقيق غايات سياسية، حتى حين يكون الثمن تعطيش الملايين من الناس، بشكل متعمد. هذا التجريد من الصفات الإنسانية هو ما يسمح أيضًا بشن حرب منهجية ووحشية لضرب مصادر المياه الخاصة بالتجمعات الفلسطينية الأكثر ضعفًا، في المناطق الصحراوية الأكثر حرارة في الضفة، خلال أيام الصيف القائظ – فقط من أجل سلب هؤلاء من ممتلكاتهم القليلة وأرضهم والسيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي لمواصلة عمليات الاستيطان والنهب.

خزانات المياه على أسطح البنايات السكنية في مدينة نابلس. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 19.4.23
خزانات المياه على أسطح البنايات السكنية في مدينة نابلس. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 19.4.23

الموقع: