Skip to main content
ليس "عُرساً ديمُقراطيّاً"، بل أبارتهايد.
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

ليس "عُرساً ديمُقراطيّاً"، بل أبارتهايد.

حقّ المشاركة في الانتخابات - تصويتاً وترشيحاً - هو من الحقوق الأساسيّة والأكثر أهمية في أي نظام ديمقراطي. بدون ذلك، لا يستحقّ أيّ نظام أن يسمّى ديمقراطيّاً. هذا الحق مكفول، أيضاً، في الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان الذي ينص على أنّ "لكلِّ شخص حقّ المشاركة في إدارة بلاده، سواء عبر المشاركة المباشرة أم عبر ممثّلين تمّ اختيارهم بإرادة حرّة".

مع ذلك، من الواضح أن هذا ليس شرطاً كافياً. فحتى الأنظمة الشمولية تنظّم إجراءً تسمّيه "انتخابات" ومن الواضح أن هذا لا يجعلها ديمقراطيّة. الانتخابات في النظام الديمقراطيّ يجب أن تعكس أيضاً مبادئ أساسيّة مثل المُساواة والحريّة وحرية التعبير ـ التي تتيح ليس فقط وضع بطاقة في صُندوق الاقتراع وإنّما أيضاً التعبير عن الآراء بحرّية والمشاركة بصورة جوهريّة في تقرير مستقبلهم. كذلك، يجب أن تضمن الانتخابات أيضاً أن يكون لكلّ مواطن صوتٌ واحد، مساوٍ تماماً لأصوات جميع المواطنين الآخرين؛ كما عليها أيضاً أن تتيح لكلّ مواطن إمكانية التنافس في الانتخابات وعرض البرنامج الذي يؤمن به ثم السّعي نحو تحقيقه. ويجب أن تكون القيود التي يفرضها القانون على المشاركة، انتخاباً وترشيحاً، محدودة للغاية، إن وُجدت أصلاً.

عشية انتخابات الكنيست الـ 25 - والتي توصف، كما كل انتخابات دائماً، بأنّها "عُرس ديمقراطيّ" - بودّنا أن نتقصّى هل هي تستوفي حقّاً الحدّ الأدنى من الشروط المذكورة أعلاه وأن نعرض أمامكم بعض الحقائق عن الانتخابات الوشيكة والمكان الذي نعيش فيه جميعاً.

حقوق سياسيّة كاملة: لليهود فقط، في كامل المنطقة (الممتدّة بين النهر والبحر)

يحقّ لجميع مواطني إسرائيل اليهود المقيمين بين النهر والبحر المشاركة في الانتخابات مشاركة تامّة. أي، يمكنهم أن يَنتخِبوا، أن يرشّحوا أنفسهم وأن يسعوا لتحقيق برامجهم بطرق متنوّعة وأن يُنتخَبوا ويصبحوا أعضاء كنيست ووزراء.

نحو 10% من مجمل اليهود المقيمين تحت النظام الذي تجرى له الانتخابات يقيمون اليوم شرقيّ الخطّ الأخضر في أكثر من مائتي مستوطنة أقيمت في مختلف أنحاء الضفة الغربيّة. الإطار القانوني الذي وضعته وكرّسته إسرائيل أفرغ حقيقة وجود هؤلاء في الجانب الشرقيّ من الخطّ الأخضر من أيّ معنىً. ذلك أن حقّهم في المشاركة السياسية لم يتأثر، إطلاقاً، نتيجة انتقالهم إلى السّكن خارج الحدود السياديّة لدولة إسرائيل، بل يحقّ لهم الانتخاب والترشّح تماماً كأيّ مواطن يهوديّ يقيم غربيّ الخطّ الأخضر.

حتى أنّه لا يُطلب من المستوطنين الانتقال إلى الجانب الآخر من الخطّ الأخضر لممارسة حقّهم هذا: منذ أوائل سبعينيّات القرن الماضي أجرت الكنيست تعديلاً على القانون يُتيح للمواطنين المقيمين في المستوطنات المشاركة في الانتخابات، لكنّه لا يُتيح ذلك للرّعايا المقيمين حول المستوطنات. صناديق الاقتراع توضع بالتساوي في البلدات الواقعة في كل المنطقة الخاضعة لسيطرة إسرائيل - في المستوطنة اليهوديّة في قلب الخليل وفي تلّ أبيب، في أريئيل وفي "نوف هجليل"، في حيفا ويافا. في الموقع الإلكترونيّ للجنة الانتخابات المركزيّة للكنيست يمكنك أن تشاهد النتائج وفقاً لجميع الصّناديق - هناك تجد نتائج الصّناديق الموزّعة في المستوطنات معروضة في قائمة واحدة مع تلك الموزّعة في البلدات الواقعة داخل الخطّ الأخضر.

نظام واحد بين النهر والبحر.

حقوق سياسيّة منقوصة - إن وُجدت أصلاً: للفلسطينيّين فقط، في كامل المنطقة

الرّعايا الفلسطينيّون الذين يعيشون تحت الاحتلال في الضفة الغربيّة وقطاع غزّة لا يشاركون في الانتخابات

هناك نحو خمسة ملايين ونضف المليون من الرّعايا الفلسطينيّين يعيشون في المناطق التي احتلّتها إسرائيل في العام 1967: نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون في الضفة الغربيّة (منهُم ما يقارب 350,000 مقيمون في شرقيّ القدس) ونحو مليونين في قطاع غزّة. جميع الرّعايا الفلسطينيّين لا يُسمح لهم بالتصويت في انتخابات الكنيست أو الترشّح لها ولا يوجد لهُم بالتّالي أيّ تمثيل في المؤسسات السياسيّة التي تقرّر شكل حياتهم.

هذا الواقع قائم رغم أنّ إسرائيل هي الطرف الوحيد الذي يقرّر ويدير حياتهم منذ أكثر من 55 عاماً. إسرائيل تسيطر على الأرض والبحر والجوّ وهي تُمسك بمقاليد الحكم المركزيّة حتى بعد التحوّلات الجيوسياسيّة التي حدثت في المناطق المحتلة على مرّ السّنين. تحاول إسرائيل التذرّع بهذه التحوّلات لكي تزعم بأنّ لسكّان المناطق المحتلّة أطراً سياسيّة منفصلة يمكنهم من خلالها المشاركة في تحديد مستقبلهم ـ والمقصود هنا السّلطة الفلسطينيّة في مناطق الضفة الغربيّة وحكومة حماس في قطاع غزّة - لكنّ هذه المزاعم لا تمتّ إلى الواقع بأية صِلة. وهذه هي الحقائق:

في قطاع غزّة أخلت إسرائيل في العام 2005 جميع المستوطنات وسحبت جيشها من هناك. وقد أعلنت إسرائيل أنّها قد أنهت بذلك حُكمها في القطاع وأعفت نفسها بالتّالي من جميع مسؤوليّاتها تجاه السكّان هناك، ما عدا الحدّ الأدنى من الواجبات بما يكفي لمنع حدوث كارثة إنسانيّة خطيرة. حقيقة كون قطاع غزّة يُدار من الدّاخل على يد حماس ربما تعزز هذا الادعاء الإسرائيلي وتساعد إسرائيل على تجاهُل مليوني إنسان يعيشون في قطاع غزّة. غير أنّ إسرائيل ما زالت تحتفظ اليوم، كما في الماضي، بجميع الصّلاحيّات المتعلّقة بسكّان القطاع، وهي التي تقرر كيف تبدو حياتهم اليوميّة، وخاصّة عبر سيطرتها شبه المطلقة على حركة الناس والبضائع من القطاع وإليه.

في الضفة الغربيّة نقلت إسرائيل، شكليّاً فقط، جزءاً من الصّلاحيّات إلى يد السّلطة الفلسطينيّة. منذئذٍ تتذرّع إسرائيل بهذا الإجراء لكي توهم بأنّ الضفة الغربيّة مقسّمة بين إسرائيل والسّلطة بحيث تعمل كلّ جهة بشكل مستقلّ ووفقاً لما تراهُ مناسباً في المناطق التي تسيطر عليها، وأنّه يوجد للجميع إطار سياسيّ يَنتخبون ويُنتخبون من خلاله: المستوطنون من خلال انتخابات الكنيست والفسطينيّون من خلال انتخابات السّلطة. غير أنّ السّلطة الفلسطينيّة يمكنها أن تُدير جوانب محدودة جدّاً فقط من حياة المراكز المدينيّة أو الحضريّة التي يعيش فيها الفلسطينيّون، وفقط بعد الحصول على إذن من إسرائيل، عموماً، لأنّ إسرائيل هي التي لا تزال تسيطر على كل شيء: استخدام القوّة، السّجن، القضاء، التخطيط والبناء، حرّية الحركة والتنقّل (بين الضفة وإسرائيل، بين الضفة والأردن، بين الضفة وقطاع غزّة، وفي داخل الضفة نفسها)، الموارد، سجلّ السكّان وغير ذلك الكثير. بصَرْف النظر عمّا إذا كانت تُجرى انتخابات للسّلطة الفلسطينيّة أم لا- وهي لم تجرِ منذ سنين طويلة - من الواضح أنّ النظام الإسرائيلي هو النظام المسيطر أو النظام الحاكم هناك، كان ولا يزال.

في شرقيّ القدس منحت إسرائيل فور ضمّه إلى حدودها مكانة مُقيم دائم للفلسطينيّين الذين كانوا يسكنون هناك آنذاك. لكنّ أصحاب مكانة مقيم دائم - التي تُمنح عُموماً للمهاجرين الذين دخلوا إلى إسرائيل، بينما إسرائيل هي التي دخلت إلى شرقيّ القدس - لا يُسمح لهم بالمشاركة في انتخابات الكنيست أو الترشّح لها. نظريّاً، يستطيع سكّان شرقيّ القدس التوطّن (الحصول على مكانة مواطن) ومن ثمّ المشاركة في انتخابات الكنيست، غير أنّ هذه العمليّة معقّدة وطويلة لأنّ إسرائيل تُراكم الصّعوبات أمام من يتقدّمون بطلب كهذا وتتعمّد عرقلته بشتّى العوائق البيروقراطيّة.

المواطنون الفلسطينيون يتمتّعون بحقّ الانتخاب والترشّح، بشكل جزئيّ فقط

الفلسطينيّون أصحاب مكانة مواطن، مثل المواطنين اليهود، والبالغ عددهم نحو 1,7 مليون إنسان، يستطيعون المشاركة في انتخابات الكنيست - أن ينتخبوا ممثّليهم، إمّا في قوائم خاصّة بهم أو ضمن قوائم أخرى. لكنهم يواجهون في هذا الصدد، ومنذ قيام الدّولة، محاولات لنزع الشرعيّة عنهم وتقييدهم أو منعهم من تحقيق تمثيل سياسيّ حقيقيّ.

هناك أمثلة غير قليلة على النظرة السّائدة التي ترى أنّه يجب مراقبة المشاركة السياسيّة الفلسطينيّة، تقليصها والتحكم بها، وبالتالي إفراغ حقّهم في المشاركة في الانتخابات من أيّ مضمون - بدءاً بتقييد النشاط السياسيّ في حقبة نظام الحُكم العسكريّ الذي فُرض على المواطنين الفلسطينيّين حتى العام 1966، والذي اعتبر جميع المواطنين الفلسطينيّين أعداء؛ مروراً برفض حزب مباي (أصبح فيما بعد حزب العمل) الذي حكم الدّولة ومعظم أجهزتها في تلك السّنوات قبول مرشّحين فلسطينيّين في صُفوفه، وقد استمرّ ذلك حتى بداية الثمانينيّات، بينما قام في المقابل بتشكيل قوائم تابعة له من مواطنين فلسطينيين بحيث كان هذا الحزب يملي هوية المرشّحين وشكل تصويتهم؛ وانتهاءً بالمساعي المتواصلة لنزع الشرعيّة والتي أوضحت أن مشاركة المواطنين الفلسطينيين السياسية غير مرغوب فيها في نظر جزء من زعماء الدولة وفي نظر الجمهور الواسع. وقد تجسدت هذه المساعي في شعارات مثل "نتنياهو جيّد لليهود" (1996)، "لا مُواطنة بدون ولاء" الذي رفعه حزب "يسرائيل بيتينو" (2009)، أو الشريط المصوّر الذي نشره رئيس الحكومة السّابق بنيامين نتنياهو يوم انتخابات الكنيست (2015) وحذّر فيه من أنّ "حُكم اليمين في خطر، الناخبون العرب يتدفقون بأعداد هائلة إلى صناديق الاقتراع".

ثمة بين هذه كلها خيط ناظم واحد يتمثل في الرسالة القائلة إنّ مشاركة المواطنين الفلسطينيّين السياسيّة ليست مساوية - وممنوع أن تكون مساوية - لتلك التي يتمتع بها المواطنون اليهود. كثيراً ما يُنظر إلى مشاركة الفلسطينيّين السياسيّة على أنّها محاولة للاستئناف على احتكار المواطنين اليهود للقوّة السياسيّة في المنطقة الممتدّة بين النهر والبحر. هذا هو أيضاً منبع الادّعاء السّائد والقائل بأنّ القرارات التي اتّخذتها الكنيست استناداً إلى أصوات أعضاء الكنيست الفلسطينيّين - وبدون أغلبيّة يهوديّة - هي قرارات غير شرعيّة.

لا يجري الحديث هنا عن مُمارسات فقط، وهي مستمرّة منذ سنين، ولا عن تصريحات علنية فحسب. فإنّ مشاركة الفلسطينيّين السياسيّة مقيّدة أيضاً بفعل "قانون أساس: الكنيست". ذلك أنّ البند 7أ من هذا القانون، وهو بند تم تشريعه في العام 2002، ينصّ على أنّه يمكن منع قائمة أو مرشّح من خوض الانتخابات إذا كانت، بأهدافها أو ممارساتها - علناً أو ضمناً - لا تعترف بدولة إسرائيل "كدولة يهوديّة وديمقراطيّة". لقد حدث مراراً وتكراراً أن شطبت لجنة الانتخابات المركزية - وهي هيئة سياسيّة مؤلّفة من ممثّلي أحزاب الكنيست - استناداً إلى هذا البند، أحزاباً ومرشّحين يمثّلون الجمهور الفلسطينيّ بادعاء أن نضالهم المدنيّ من أجل المساواة الكاملة يتعارض مع هذا البند، لأنّه ينفي وجود إسرائيل كدولة يهوديّة.

صحيح أنّ رئيس المحكمة العليا الأسبق، القاضي أهرون باراك، أقرّ في العام 2003، بعد تشريع البند 7أ بوقت قصير، بأنّ حقّ الترشّح هو حقّ دستوريّ ولذلك يجب تفسيره على نحو ضيّق وشَطْب قوائم فقط عندما تتوفّر "أدلّة مقنعة، واضحة وقاطعة" وفقط إذا كان الطلب يمس "بالخصائص "النووية" التي تشكّل حدّاً أدنى لتعريف دولة إسرائيل كدولة يهوديّة". على أساس هذا التأويل قلبت المحكمة العليا مراراً وتكراراً قرارات اللّجنة المركزيّة للانتخابات وألغت قرار شطب أحزاب مواطني إسرائيل الفلسطينيّين وصدّقت بالتالي على مشاركة قوائم ومرشّحين فلسطينيّين في الانتخابات.

غير أنّ القضاة عادوا في الوقت نفسه وأوضحوا حدود المشاركة السياسيّة الفلسطينيّة. من ذلك أنّ القاضي باراك أوضح أنّ مطلب المساواة لا يمسّ بوجود إسرائيل كدولة يهوديّة، لكن فقط طالما كان القصد منه هو "ضمان المساواة بين المواطنين في داخل البيت، مع الاعتراف بحقوق الأقليّة التي تعيش بيننا". في المقابل، إذا كان مطلب المساواة "يبتغي المسّ بالفكرة الأساسيّة التي تشكل ركيزة إقامة دولة إسرائيل وينفي بالتالي طابع دولة إسرائيل كدولة الشعب اليهوديّ، عندئذٍ هنالك مسّ بخصائص "نووية" تشكّل حدّاً أدنى لتعريف إسرائيل كدولة يهوديّة". في هذه الحالة يمكن النظر في شطب القائمة أو المرشّح الذين يدعمون ذلك.

في حزيران 2018 قدّم حزب "التجمّع" مشروع "قانون أساس: دولة جميع مواطنيها". جاء في نصّ مشروع القانون - الذي قُدّم بالتوازي مع تقديم مشروع "قانون أساس: إسرائيل الدولة القوميّة للشعب اليهودي" - أنّه يبتغي تكريس "مبدأ المواطنة المساوية لكلّ مواطن، مع الاعتراف بوجود وحقوق جماعتين قوميّتين، يهوديّة وعربيّة". آنذاك وفي خطوة استثنائيّة، رفضت رئاسة الكنيست قُبول مشروع القانون وقطعت بذلك الطريق على إمكانيّة مناقشته في الهيئة العامة للكنيست.

رغم أنّ الكنيست لم تطرح مشروع القانون المذكور حتى للمناقشة، إلا أن تقديمه قد أوضح طابع المساواة وحجمها. رئيسة المحكمة العليا، القاضية إستر حيوت، التي تطرقت إلى مشروع القانون المذكور، أقرّت بأنّ مجرد طرحه يشكل تخطّياً للحدود واعتبرت أن "أعضاء الكنيست عن حزب التجمّع في الكنيست الـ 20 يقومون بعمل جدّي […] في محاولة لإخراج برنامج سياسيّ وتصوُّر عام ينفي وجود دولة إسرائيل كدولة يهوديّة إلى حيّز التنفيذ بواسطة مشروع قانون".

وقالت القاضية حيوت، أيضاً، إنّ موقفاً كهذا كان من شأنه تبرير شطب القائمة، لكنّها امتنعت عن فعل ذلك في نهاية المطاف لأسباب تقنيّة (منها أنّ ذلك سيؤدّي أيضاً إلى شطب القائمة العربيّة الموحّدة، التي كانت آنذاك شريكة "التجمّع" في قائمة مرشحين واحدة). هذا الموقف كرّرته رئيسة المحكمة العليا، حيوت، في الجلسة التي عُقدت مؤخّراً لمناقشة شطب التجمّع، مع اقتراب الانتخابات التي ستجري في 1.11.22، وقرّرت مجدّداً أنّ مشروع القانون المذكور هو بمثابة "حدّ فاصل" وشددت على أنّه "مشروع قانون إشكاليّ جدّاً جداً".

الرّسالة الموجّهة إلى الجمهور الفلسطينيّ ومرشّحيه واضحة: يُحظر عليهم السّعي إلى المساواة الكاملة - ليس فقط على الصّعيد الفرديّ وإنّما أيضاً صعيد الاعتراف بحقوقهم القوميّة الجماعيّة. مطالبتهم بالمساواة في مجالات مثل الأرض والهجرة ورموز الدّولة يُنظر إليها على أنّها نفيٌ للأسُس الدستوريّة للدّولة من حيث أنّها تسعى إلى الاستئناف على تعريفها كدولة يهوديّة. مؤخّراً، أوضح رئيس الحكومة يائير لبيد هذا المبدأ حين قال إنّ "20% من السكّان هُم عرب ونحن بمقدورنا ومن واجبنا أن نمنحهم مساواة مدنيّة… من جهة أخرى، نحن لن نمنحهم مساواة قوميّة لأنّ هذه الدّولة هي الدّولة الوحيدة التي للشعب اليهودي".

لا خيار آخر أمام المواطنين الفلسطينيّين الذين يختارون المشاركة في الانتخابات سوى المشاركة في اللّعبة السياسيّة وأيديهم مكبّلة خلف ظهورهم. الأحزاب التي تمثّلهم ممنوعة من النضال ضدّ القيم الأساسيّة التي يقوم عليها النظام الذي يسلبهم حقوقهم ويضطهدهم؛ ممنوعة من السّعي لإلغاء الأجهزة والقوانين التي تمسّ بهم، لأن هذه تُعتبر من خصائص الدّولة اليهوديّة؛ ممنوعة من السّعي لتحقيق أحد أهمّ مبادئ الديمقراطيّة، أي المساواة الكاملة بين البشر المقيمين تحت النظام نفسه. هذا يعني أنّ هناك سقفاً نُصب لتقييد مشاركتهم السياسيّة. دستوريّاً، يظلّ صوتهم أقلّ قيمة مهما فعلوا ومهما كانت أنماط تصويتهم.

المسّ بحقّ المشاركة السياسيّة، كما في حالة المواطنين الفلسطينيّين، يختلف بالطّبع عن سلب هذا الحقّ تماماً كما في حالة الرّعايا الفلسطينيّين. المواطنون الفلسطينيّون الذين يرتأون المشاركة في الانتخابات - وإن كانت مشاركتهم منقوصة وأقل قيمة من مشاركة المواطنين اليهود - يمكنهم المشاركة في النضال ضدّ نظام الفوقيّة والسّيطرة والاضطهاد، النضال من أجل حقوق كاملة ومن أجل ديمقراطيّة غير خاوية من أساسها.

هكذا يبدو الأبارتهايد

يسود في المنطقة الممتدّة بين النهر والبحر نظام واحد يعيش تحته نحو 15 مليون إنسان، نصفهم يهود ونصفهم فلسطينيّون. لا وُجود في الواقع لما يتصوّره كثيرون عن وجود نظامين يفصل بينهما الخطّ الأخضر، أحدهما نظام ديمقراطيّ ثابت داخل حدود إسرائيل السياديّة، والثاني نظام احتلال مؤقت.

جميعُنا، فلسطينيّين ويهود، نعيش في المنطقة الممتدّة بين النهر والبحر، في واقع ثنائيّ القوميّة وتحت نظام واحد. ومع ذلك، ليس كلّ من يعيش تحت هذا النظام يحقّ له المشاركة في الانتخابات التي سوف تجري في الأوّل من تشرين الثاني القريب، والتي سيتقرّر من خلالها من سيُمسك بمقاليد الحُكم وكيف ستكون الحياة هنا في السّنوات القريبة القادمة. هذا القرار أقصي عن المشاركة فيه - تماماً أو جزئيّاً - نصف الأشخاص الذين يعيشون هنا تقريباً - جميع الفلسطينيّين، سواء تمّ تعريفهم مواطنين أو سكّان أو رعايا.

ثمة نظام واحد فقط يحكم هنا، وهو يتّخذ قرارات تخصّ مصير جميع البشر الذين يعيشون تحته. نظام واحد يعمل وفق مبدأ ناظم واحد: السّعي لتحقيق وإدامة تفوّق وفوقية جماعة واحدة من البشر (اليهود) على جماعة أخرى (الفلسطينيّون). في هذا النظام يمتلك المواطنون اليهود القوّة السياسيّة بصورة حصريّة، وحدهم دون غيرهم. فقط هُم يتمتّعون بمكانة كاملة تخوّلهم الجلوس حول الطاولة التي يتقرّر فيها مصيرهم هم ومصير الفلسطينيّين.

هذه ليست ديمقراطيّة. هكذا يبدو نظام الأبارتهايد.

الموقع: