مرّة كلّ بضعة أشهر يُغلق الجيش مداخل بلدة كفل حارس وينصب السدّات في شوارع البلدة بل ويمنع الأهالي والسيّارات من التجوّل لكي يُتيح لمصلّين يهود زيارة قبور قديمة تقع داخل البلدة مثال قبر يوشع بن نون وقبر كالب بن يفونة يعتبرها اليهود مقدّسة ويمكث الزائرون في جوارها لياليَ بأكملها.
هذه الاقتحامات تجعل حياة السكّان جحيماً لا يُطاق، الرّجال منهم والنساء والشيوخ والأطفال، حيث تقتحم البلدة قوّات كبيرة من الجيش وحرس الحدود تنتشر في الشوارع قبل قدوم المصلّين بساعات وتأمر الأهالي أن يلتزموا منازلهم ولا تتورّع عن إطلاق قنابل الصّوت أحياناً لكي يُجبروا الأهالي على الانصياع للأوامر. ضمن ذلك يُجبر أصحاب المحالّ التجاريّة على إغلاق محالّهم ويُحرمون من كسب رزقهم.
عناصر قوّات الأمن تُرافق المصلّين اليهود في تنقّلهم بين القبور. في أثناء ذلك يُصدر المصلّون جلبة وصخباً لا يُطاق ويخلّفون وراءهم القاذورات بل وأحياناً يشتمون أهالي البلدة ويرشقون منازلهم وممتلكاتهم الأخرى بالحجارة.
في 24.12.20 وصل عند السّاعة 2:30 عشرات المستوطنين إلى أحد المقامات داخل البلدة وهاجموا بالحجارة منزل سوسن بوزيّة (41 عاماً). وكانت سوسن لخشيتها البقاء وحيدة في منزلها أثناء وجود المستوطنين قد طلبت من أخيها جلال (44 عاماً) أن يأتي ليبيت لديها مع زوجته منى (33 عاماً) وأولادهما الخمسة.
جُرحت جرّاء رشق الحجارة ابنة جلال، الطفلة سما بوزيّة (11 عاماً) في ظهرها حين خرجت لتستخدم المرحاض الذي يتطلّب الوصول إليه المرور في السّاحة.
بعد مضيّ عشر دقائق وصل إلى المكان جيبان عسكريّان ترجّل منهما جنود وأبعدوا المستوطنين خلال دقائق.
أدناه تحدّث سوسن بوزيّة عن مهاجمة المستوطنين لمنزلها - من إفادة أدلت بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي:
منذ أن توفّي والداي أسكن وحدي في منزلنا الواقع وسط البلدة على بُعد 50 متراً فقط من قبر صلاح الدّين.
قرب السّاعة 16:30 عصرَ يوم الخميس الموافق 24.12.20 شاهدت في مواقع التواصُل الاجتماعيّ صورة حافلة مستوطنين كبيرة تقف عند مدخل بلدتنا ضمن تقرير ذكر أنّ المستوطنين يعتزمون اقتحام كفل حارس والجيش يمنعهم من الدّخول. كثيراً ما يأتي المستوطنون من جميع أنحاء الضفة الغربيّة إلى هنا لكي يصلّوا في المقامات الإسلاميّة - هُم يزعمون أنّ هذه قبور تخصّهم. عندما قرأت الخبر هاتفت أخي جلال (44 عاماً) وأبلغته أنّ المستوطنين قادمون فقال أنّه سيأتي مع أسرته ليبيتوا عندي.
فعلاً، جاء جلال وزوجته منى (33 عاماً) وأولادهما الخمسة. سهرنا أنا ومنى في ساحة المنزل الدّاخليّة ومعنا بناتها الثلاث: ندى (14 عاماً) وسما (11 عاماً) وجنى (7 أعوام). لم أقدر على النّوم لأنّني كنت متوتّرة جدّاً.
عند السّاعة 2:30 بعد منتصف اللّيل سمعت أصواتاً في الشارع. نظرت إلى الخارج من الطابق الثان فرأيت ما يقارب 15 مستوطناً خرجوا من أحد الأزقّة وتقدّموا نحو دوّار البلدة. لقد مرّوا بالضّبط من أمام منزلنا وكانوا ينظرون نحو المنزل فخافت بنات أخي منهم. بعد مضيّ دقائق معدودة رأيت أعداداً كبيرة أخرى من المستوطنين تتقاطر نحو دوّار البلدة وتتجمّع هناك. بدوا كمن ينتظر شيئاً ما. هؤلاء أيضاً نظروا نحو منزلنا - ربّما بسبب الإضاءة فيه إذ كانت معظم المنازل حولنا مُعتمة وقد تركها سكّانها.
بعد مضيّ عشر دقائق أخذ المستوطنون يرشقون الحجارة نحو منزلنا فادخلنا بنات أخي فوراً إلى إحدى الغرف وأيقظنا أخي لكي يصعد إلى سطح المنزل. صرخ أخي على المستوطنين وطالبهم أن يتوقّفوا عن رشق الحجارة ويغادروا وردّاً على ذلك أوقع بعضهم كومة من الطوب توجد قرب المنزل وأخذوا يرشقون المنزل بالطوب. رشق أحد المستوطنين حجارة الطوب نحو الباب فصدرت عنها ضجّة مخيفة أرعبت البنات اللّواتي ظننّ أنّ المستوطنين على وشك اقتحام المنزل. ندى تجمّدت في مكانها وسما شعرت بالحاجة لدخول المرحاض وطلبت منها والدتها أن تتحمّل بعد قليلاً لكنّها لم تقدر فخرجت أنا معها.
لكي نصل من غرفة النوم إلى المرحاض نحتاج إلى الخروج والمرور عبر السّاحة. عندما خرجنا أصاب أحد حجارة المستوطنين سما في ظهرها فتآلمت كثيراً. سحبتها إلى المرحاض بسُرعة وهي تصرخ وتبكي وهناك تفحّصت ظهرها فوجدت جُرحاً بسيطاً. هدّأت من روعها وعُدنا معاً إلى الغرفة. استغاث أخي جلال ببعض أهالي البلدة لكنّ أحداً منهم لم يجرؤ على الخروج من منزله لأنّ المستوطنين كانوا هناك بأعداد كبيرة. فيما بعد قالت لي إحدى الجارات: "لقد سمعناكم تصرخون وتستغيثون ولكنّنا لم نقدر على القيام بأيّ شيء". قالت لي أنّ زوجها همّ بالخروج فمنعته قائلة: "إلى أين تخرج؟ ألا ترى كم هُم كثيرون؟ سوف يقتلونك!". قالت "لم يكن لدينا خيار آخر" واعتذرت منّي طالبة أن أسامحها على ذلك. سامحها بالطّبع لأنّه ماذا كان في وُسعهم أن يفعلوا؟
بعد مضيّ عشر دقائق أخرى جاء جيبان عسكريّان ترجّل منهما عدد من الجنود ولم يكترث المستوطنون لذلك إذ واصلوا رشق الحجارة. مرّت نحو عشر دقائق حتى تمكّن الجنود من إبعادهم.
كسر المستوطنون صُنبور ماء عند مدخل المنزل وعدا ذلك لم تحدث أضرار للمنزل والحمد لله. قبل عدّة أشهر أجرينا ترميمات وضمن ذلك ركّبنا نوافذ جديدة محصّنة بشبك حديديّ ضدّ هجمات المستوطنين. لقد حدث من قبل أن هاجم المستوطنون منازل الأهالي بالحجارة ولكنّ هذا الهجوم الأخير كان الأصعب لأنّهم جميعاً ركّزوا الهجوم على منزلنا. عانت رفضت سما الذهاب إلى المستشفى لأنّها تخاف من المستشفيات. لقد آلمتها الإصابة طيلة أيّام. الألم في ظهرها تلاشى بعد عدّة أيّام. لقد كانت تلك ليلة مُرعبة وما زالت بنات أخي تحت وقع الصّدمة ويتحدّثن عن تلك اللّيلة طوال الوقت.