Skip to main content
Menu
المواضيع

نحو 180 ألف من سكّان نابلس يعانون منذ شهر حزيران نقصًا شديدًا في المياه

يعاني سكّان نابلس أزمة مياه دائمة - خاصّة في أشهر الصيف - استفحلت في السنوات الأخيرة بسبب قلّة الأمطار. تمنع إسرائيل الفلسطينيين من حفر آبار جديدة، بل وترفض أن تبيعهم مياهًا إضافيّة لتخفيف حدّة الأزمة. بسبب هذه السياسة، يضطرّ السكّان في فصل الصيف إلى شراء المياه المنقولة في الصهاريج وزجاجات المياه المعدنيّة بتكلفة عالية، ويستخدمون الماء فقط لاحتياجاتهم الضروريّة. لقد استولت إسرائيل على جميع موارد المياه بين النهر والبحر، وهي تستغلّ سيطرتها لتفرض على الفلسطينيّين نقصًا دائمًا في المياه.

خزّانات مياه على أسطح منازل في نابلس. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 13.9.17
خزّانات مياه على أسطح منازل في نابلس. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 13.9.17

مصادر تزويد المياه لسكّان نابلس هي خمسة آبار قديمة، تضخّ المياه الجوفيّة (تسمّى "آبار نبع"): الفارعة، الباذان، سبسطية، أودلا ودير شرف؛ ويبلغ معدّل إنتاجيّتها 1000 متر مكعب في الساعة. إضافة إلى تلك الآبار، يحصل السكّان على نحو مائتي متر مكعب في الساعة من ينابيع المنطقة. استنادًا إلى تقديرات البلدية، التي تفيد بأنّه لأجل تلبية احتياجات السكان الجارية ينبغي إضافة 400 متر مكعب في الساعة. بمعنى ان كميّة المياه الإجماليّة المطلوبة في الوقت الحالي هي 1600 متر مكعب في الساعة.

القاذورات في المنزل، وخاصّة في الحمّام وفي المطبخ، تسبّب لي الاكتئاب. كلّما نظرت إليها خلال هذا الشهر انتابتني الرغبة في البكاء. كلّ شيء يحتاج إلى تنظيف، ولكن حتى قطرة مياه للشرب لا تتوفر لدينا. اضطررنا لشراء زجاجات المياه المعدنية من السوبر ماركت. طيلة 15 يومًا قدّمت لوجبة الغداء الطعام البسيط فقط، مثل البطاطا والبيض. ولكن أطفالي تذمّروا كثيرًا وخاصة ابني الصغير آدم، الذي يبلغ من العمر تسع سنوات. بالإضافة إلى ذلك، تراكمت أكوام الغسيل المتّسخ ولم تبق ملابس نظيفة للأولاد. أنا لا أعرف ماذا أفعل.

من إفادة صفاء كسبة (30 عامًا)

تخزين المياه في زجاجات وطناجر، في مدينة نابلس. تصوير: سلمي الدبعي، نابلس، 7.9.17أنّ النقص الفعليّ في المياه أكبر من ذلك، لأنّ نحو ثلث كمية المياه المتدفقة إلى المدينة تذهب هباءً نتيجة تسرّبها من الأنابيب، لقِدَمها، ولأسباب أخرى تتعلّق بإخفاقات تقنية؛ ومن هنا، فإنّ كميّة المياه التي تصل فعليًّا إلى السكّان هي بمعدّل 800 متر مكعب في الساعة. اضافة الى ذلك، تقوم بلدية نابلس بتحويل بعض المياه التي تصل المدينة إلى قرى المنطقة التي تعاني أزمة مياه شديدة. نتيجة لذلك يضطر سكان نابلس فعليًّا لاستهلاك ما يقارب 65 لترًا للفرد يوميا (معطيات عام 2016).

حاولت بلدية نابلس زيادة كميّة المياه المضخوخة إلى المدينة عن طريق شراء المياه من شركة "مكوروت" (شركة المياه الوطنية لإسرائيل). في عام 1996 تعهّدت السلطات الإسرائيلية أن تبيع لبلدية نابلس ما بين 100 و-150 مترًا مكعبًا في الساعة من بئرين يقعان في محافظة نابلس - بئر حوارة وبئر قوزا. في العقد الأوّل بعد الاتفاق نقلت إسرائيل المياه بصورة غير منتظمة إلى أن قامت في عام 2006 بقطعها تمامًا، بذريعة شقّ شارع وتنفيذ أعمال صيانة في حاجز حوّارة. ورغم أنّ هذه الأعمال قد أُنجزت منذ فترة طويلة، لم تجدّد شركة "مكوروت" إمداد المياه. في هذا الشأن، توجّهت بلدية نابلس بطلبات متكرّرة إلى إدارة الارتباط الإسرائيلية وإلى سلطة المياه، وكان آخرها في هذا الصيف، ولكن جميع المطالبات بقيت بلا أيّ ردّ.

رغم أنّ جميع المنازل في المدينة متّصلة بشبكة المياه، فإنّ تزويد الأحياء المختلفة ليس متساويًا. نحو 20 في المائة من سكان المدينة، وعلى الأخصّ سكّان المخيّمات - عسكر وبلاطة وعين بيت الما - يعانون نقصًا كبيرًا في المياه مقارنة ببقيّة السكان؛ كذلك الأمر بالنسبة إلى السكّان القاطنين في نحو عشرة أحياء تقع في مناطق عالية حيث يكون ضغط المياه أقلّ. رئيس قسم المياه في البلدية يقدّر متوسط استهلاك المياه في هذه المناطق بـ50 لترًا للفرد يوميا.

الأولاد يلعبون في الخارج، وهم معتادون على الاستحمام في آخِر النهار. يقول لي ابني، البالغ من العمر 11 سنة، أنّه يريد أن يحلق شعره فهو لم يعد يطيقه ويشعر أنّه أصبح دهنيًّا. أرغب في معانقة أطفالي ولكنّ ذلك صعب عليّ، بسبب رائحة جسدي وروائح أجسادهم، ناهبتك عن رائحة زوجي، فهو يعمل حدّادًا ويعرق كثيرًا. المياه المتوفّرة لدينا لا تكفي حتى لاحتياجات نظافتي الأساسية كامرأة. لا أطيق نفسي في هذا الوضع، وقد صرتُ عصبيّة جدًا.

من إفادة صفاء كسبة

أزمة المياه في نابلس تزداد حدّة من صيف إلى صيف؛ وبسبب قلّة الأمطار في هذه السنة انخفضت إنتاجيّة الآبار في منطقة نابلس بنسبة 20%-30٪. في السنوات السابقة، وصلت المياه مرّة كلّ 5-8 أيام في الصيف، أمّا في هذه السنة فالمياه تصل مرّة واحدة كلّ 10-14 يومًا في كلّ مرّة، وتضخّ لمدّة نهار واحد، أو يوم واحد (24 ساعة). يضطر السكان إلى أن يشتروا بتكلفة عالية المياه المنقولة في الصّهاريج والمياه المعدنية المعبّأة في زجاجات، ولا يستخدمون المياه سوى للاحتياجات الضروريّة.

بذلت ما في وُسعي لتقليص استهلاك المياه في منزلنا. خفّفت ضغط المياه في الصنابير وفي المرحاض، وجلبت أواني لحفظ المياه فيها، وصرت أحاسب على كلّ قطرة ماء. أنا أحسد الناس الذين يعيشون في المستوطنات ويسبحون في البرك، يستخدمون المياه بقدر ما يرغبون. المياه موجودة لديهم بوفرة وتصلهم على مدار 24 ساعة في اليوم.

من إفادة لمى أغبر (38 عامًا)

خلفيّة

يعاني سكّان الضفة الغربية الفلسطينيّون من نقص المياه طيلة أيّام السنة، وكميّات المياه التي تصلهم أقلّ بكثير من الكميّات المتوفّرة للمواطنين الإسرائيليين. في عام 2014، كان متوسط استهلاك المياه اليومي للفلسطينيين في الضفة الغربية نحو 80 لترًا للفرد الواحد، وهذا أقلّ بكثير من الحدّ الأدنى الذي أوصت به منظمة الصحّة العالمية، وقدره 100 لتر للفرد يوميًّا. تفيد معطيات سلطة المياه الإسرائيليّة، أنّ معدّل استهلاك المياه اليوميّ في إسرائيل للأغراض المنزلية والتجارية والصناعية بلغ نحو 287 لترًا للفرد في عام 2014 - أي ما يقارب أربعة أضعاف معدّل الاستهلاك الفلسطيني.

حصّة الفلسطينيين من المياه أصبحت متقادمة، ولا تتناسب جوهريًا مع احتياجات السكّان. إنّها كميّات تمّ تعيينها منذ أكثر من عشرين سنة، في اتّفاقات أوسلو، وكان يُفترض أن تظلّ سارية لخمس سنوات فقط - أي لوقت انقضى منذ 15 سنة وأكثر. ولكنّ هذه الترتيبات البعيدة كلّ البعد عن واقع احتياجات الفلسطينيين في الوقت الحالي والتي تتجاهل النموّ السكّاني الطبيعي، ظلّت، من ناحية إسرائيل، سارية المفعول حتى يومنا هذا.

إضافة إلى ذلك، تُراكم إسرائيل العراقيل لإعاقة تطوير مرافق مياه فلسطينيّة جديدة؛ تدمّر المرافق القائمة وتصادرها، كما تقيّد وصول الفلسطينيين إلى مصادر المياه المحلية، مثل الينابيع و"آبار النبع" (ضخّ المياه الجوفية) و"آبار الجمع" (جمع مياه الأمطار). هذه العوامل جميعها تشكّل أسّ أزمة المياه الدائمة التي يعانيها السكّان الفلسطينيون في الضفة.

لقد استولت إسرائيل على جميع موارد المياه في الضفة الغربية فور أن احتلّتها، في عام 1967. وما زالت السيطرة التامّة على جميع موارد المياه في المنطقة الواقعة بين النهر والبحر في يد إسرائيل. تستخدم إسرائيل هذه المياه وفق مشيئتها، وسط تجاهُل احتياجات السكّان الفلسطينيين. نتيجة لذلك، يضطرّ الفلسطينيون إلى مجابهة شحّ دائم في المياه، معظمه ناجم عن فعل الإنسان. هذا الواقع يُبرز بوضوح نظرة إسرائيل إلى الموارد المائية - على غرار نظرتها إلى بقيّة موارد الضفة الغربية - على أنها ممتلكات حصريّة لها، وهي تستخدمها لاحتياجاتها الخاصّة، وعلى حساب السكّان الفلسطينيين.

إحدى سكّان نابلس تجلي الأواني  بماء من زجاجة، لانعدام المياه الجارية. تصوير: سلمي الدبعي، نابلس، 7.9.17
إحدى سكّان نابلس تجلي الأواني بماء من زجاجة، لانعدام المياه الجارية. تصوير: سلمي الدبعي، نابلس، 7.9.17

في الإفادات التي جمعتها باحثة بتسيلم الميدانيّة، سلمى الدبعي، روى سكّان من مدينة نابلس كيف اضطرّوا في هذا الصيف إلى مواجهة انقطاع المياه، احياناً طيلة أسبوعين متواصلين. وقد اضطرّت الأسَر إلى الاعتماد على شراء المياه المنقولة، وأفادت أنّ هذه المياه لم تكفِ في حرّ الصيف الماضي حتى لاحتياجات النظافة الأساسية، فكم بالحريّ للغسيل وتنظيف المنزل وغسل الأطباق؛ وأنّ أزمة المياه في المدينة أجبرتهم على العيش في بيئة قذرة وعلى معاناة الروائح الكريهة.

صفاء كسبة، من سكان حيّ المخفيّة في نابلس (30 عامًا، وأمّ لثلاثة أطفال)، روت في إفادة قدّمتها في 30.7.17:

نحن ستّة أشخاص في المنزل، إضافة إلى والدة زوجي، التي تبلغ من العمر 75 عامًا. منذ بداية تموز هذا العام، نعاني من انقطاع المياه. خلال الشهر الماضي، وصلتنا المياه مرّتين فقط، أي مّرة واحدة كل 14 يومًا. لدينا ثلاثة خزانات مياه، تبلغ سعتها مجتمعة 4 متر مكعب، ولكن هذه الكمية لا تكفي لاحتياجات المنزل واحتياجاتنا اليومية على امتداد فترة انقطاع المياه. ليس من المنطق أن تعيش أسرة مكوّنة من ستة أشخاص على أربعة متر مكعب من المياه طيلة أربعة عشر يومًا.

القاذورات في المنزل، وخاصّة في الحمّام وفي المطبخ، تسبّب لي الاكتئاب. كلّما نظرت إليها خلال هذا الشهر انتابتني الرغبة في البكاء. كلّ شيء يحتاج إلى تنظيف، ولكن حتى قطرة مياه للشرب لا تتوفر لدينا. اضطررنا لشراء زجاجات المياه المعدنية من السوبر ماركت. نحن بحاجة إلى ثماني زجاجات يوميًّا، وهذا مصروف إضافي قدره 10 شيكل في اليوم. لقد توقّفت حتى عن إعداد الطبائخ لأنها تتطلب الماء لغسل الخضار، ثمّ لغسل الأواني والأطباق من بعد ذلك. طيلة 15 يومًا قدّمت لوجبة الغداء الطعام البسيط فقط، مثل البطاطا والبيض. ولكن أطفالي تذمّروا كثيرًا وخاصة ابني الصغير آدم، الذي يبلغ من العمر تسع سنوات. بالإضافة إلى ذلك، تراكمت أكوام الغسيل المتّسخ ولم تبق ملابس نظيفة للأولاد. أنا لا أعرف ماذا أفعل.

كذلك، هناك مسألة الاستحمام والتي تزيد من صعوبة الأمور. الأولاد يلعبون في الخارج، وهم معتادون على الاستحمام في آخِر النهار. يقول لي ابني، البالغ من العمر 11 سنة، أنّه يريد أن يحلق شعره فهو لم يعد يطيقه ويشعر أنّه أصبح دهنيًّا. أرغب في معانقة أطفالي ولكنّ ذلك صعب عليّ، بسبب رائحة جسدي وروائح أجسادهم، ناهبتك عن رائحة زوجي، فهو يعمل حدّادًا ويعرق كثيرًا. المياه المتوفّرة لدينا لا تكفي حتى لاحتياجات نظافتي الأساسية كامرأة. لا أستطيع أن أطيق نفسي في هذا الوضع، وقد صرتُ عصبيّة جدًا.

تخزين المياه في زجاجات وطناجر، في مدينة نابلس. تصوير: سلمي الدبعي، نابلس، 7.9.17
تخزين المياه في زجاجات وطناجر، في مدينة نابلس. تصوير: سلمي الدبعي، نابلس، 7.9.17

تشاجرتُ مع زوجي لأنه لم تعد لديه جوارب نظيفة. غضب عندما أراد أن يذهب إلى العمل في الصباح ولم يعثر على زوج جوارب واحد نظيف. ماذا عليّ أن أفعل؟ ما ذنبي أنا؟ حتى مع ابني تشاجرت حول أشياء سخيفة. وضْعنا مثير للاشمئزاز حقًا، كل شيء قذر والرائحة في المنزل ليست لطيفة. لا يمكننا أن نطلب المياه من الجيران – هم أيضًا بلا ماء. الحي بأكمله يعاني المشكلة نفسها. الجميع يتحدث فقط عن نقص المياه، وعن اليوم الذي سوف تصل فيه المياه مرّة أخرى. ما عاد الناس يسألون الآخرين "كيف حالكم؟"، فهُم يسألونهم "هل عندكم مياه؟" و"كيف تدبّرون أموركم بدون المياه؟" و"متى تُرى تعود المياه؟".

لقد وصل الوضع إلى حدّ امتناعي عن استقبال الزّوار. جاء شقيق زوجي لزيارتنا. عندما دخل إلى منزلنا، وكنّا حينا نتناول الطعام، سأل مستهجنًا كيف يمكننا أن نأكل في منزل فيه مثل هذه الروائح الكريهة والمقرفة. قلت له أننا اعتدنا على الرائحة ولم نعد نشمّها. أخبرت أبي وإخوتي وأخواتي أنني لن أستقبلهم في بيتي لأنه ليس لدينا حتّى قطرة ماء نقدّمها لهم؛ ولكن في الحقيقة أنا أخجل من رائحة المنزل، وخاصة رائحة المرحاض الفظيعة. عندما وصلت المياه آخر مرّة، غمرتني السعادة لمجرّد لمس المياه الجارية من الصنبور. بدأت على الفور بتنظيف المنزل. غسلت كومة من الأطباق في الحوض، وغسلتُ في الغسالة عشر مرّات. انشغلت بالغسيل من الساعة 13:00 حتى 24:00 ليلا. استحممتُ وشعرتُ كأنني إنسان جديد. عندما خرج زوجي من الحمّام قال لي "أشعر وكأنني قد خلعت عن جسمي ملابس مصنوعة من الملح!". قمت بتعبئة 50 زجاجة من المياه وجمعتُ كلّ أواني المطبخ مع أغطيتها وملأتها أيضًا بالماء، حتى يتوفّر لدينا على الأقلّ بعض الماء لغسل الصحون والصبّ في المرحاض. أراقب الأطفال عندما يستخدمون الماء لأيّ غرض كان، حتى عندما يغسلون أيديهم، لأحرص ألاّ يبذّروا في استخدامها. أغسل الملابس فقط عندما تصل المياه الجارية، لأنني أخشى أن نبقى بدون مياه للشرب والطهي.

تقيم لمى أغبر، 38 عامًا، متزوّجة وأمّ لأربعة أطفال في حيّ المخفيّة. في إفادة قدّمتها في 31.7.17، وصفت لمى الجهود المبذولة في الحصول على المياه:

تخزين المياه في زجاجات، في مدينة نابلس. تصوير: سلمي الدبعي، نابلس، 7.9.17

عندما نطلب صهريج مياه، يستغرق الأمر بضعة أيام حتى يصلنا. ولم نعثر على شخص يوافق على رفع الصهريج سبعة طوابق حتى سطح البناية ووصله بالخزّانات العادية الموجودة على السطح. كل ما تمكّن العمال من القيام به هو وضع الصهريج في الأسفل، توصيل أنبوب منه إلى السطح، ثمّ ضخ المياه إلى أعلى بمضخة. هذه العملية خطيرة أيضًا، لأن حركة الأنبوب نتيجة لضغط المياه يمكنها إسقاط عامل من السطح. عندما كانوا يضخّون الماء من الصهريج إلى سطح البناية، دعوتُ الله أن ينتهي كلّ شيء بسلام وألّا يصاب أحد بأذى.

عندما أنهى العمّال عملهم وأصبح لدينا أخيرًا بعض الماء في المنزل، أقام أولادي حفلة. ملأت ابنتي مجد، 19 عامًا، الزجاجات واحتفظت بها كما لو أنّ فيها ذهبًا. قالت لي ابنتي: "كرهت نفسي في الأيام الأخيرة لأنّني لم أتمكّن من الاستحمام" وأضافت: "من دون الماء يتحوّل الناس إلى وحوش".

بذلت ما في وُسعي لتقليص استهلاك المياه في منزلنا. خفّفت ضغط المياه في الصنابير وفي المرحاض، وجلبت أواني لحفظ المياه فيها، وصرت أحاسب على كلّ قطرة ماء. أنا أحسد الناس الذين يعيشون في المستوطنات وهم يسبحون في البرك، يستخدمون المياه بقدر ما يرغبون. المياه موجودة لديهم بوفرة وتصلهم على مدار 24 ساعة في اليوم.

جعفر عبيد، 60 عامًا، متزوج ولديه ثمانية أولاد، مقيم في حي المخفية وصاحب متجر للخضروات في الحي، تحدّث هو أيضًا عن النقص في المياه في إفادة قدّمها في تاريخ 6.8.17:

طيلة حياتي كلّها لم أشهد أزمة مياه مثل هذه التي تخنق مدينة نابلس الآن. الوضع سيّء بشكل خاصّ بسبب نقص الأمطار والنموّ السكانيّ. وبحسب معطيات البلدية، من المتوقع أن يزداد الوضع سوءًا في السنوات المقبلة. بالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من وجود الكثير من المياه الجوفية في المنطقة، فإن الإسرائيليين لا يسمحون لنا بحفر آبار جديدة. لم يخطر ببالي أبدًا أنّنا، أنا وعائلتي وجيراننا، سنصل إلى وضع تنقطع فيه المياه عندنا طيلة أسبوعين متتاليين، وأنّني سأصبح مورّد مياه. لحسن الحظ، لديّ عدّة صهاريج لنقل المياه. معظم المباني في نابلس عالية، لذلك لا يستطيع الناس أن يضعوا على أسطح منازلهم صهاريج تتّسع لأكثر من مترين مكعبين. ولأنني أعيش في طابق أرضيّ في مبنىً مكوّن من ثمانية طوابق، أحتفظ بالعديد من صهاريج المياه في الفناء. لذلك لم ينفذ الماء عندنا.

شهدت معاناة الجيران من حولي، وأيضًا معاناة أبنائي وبناتي الذين يعيشون في أحياء مختلفة في المدينة. لقد استعانوا بنا عندما انقطعت المياه عندهم. جاءت بناتي المتزوّجات إلينا مع أطفالهنّ وأزواجهنّ للاستحمام ولغسل ملابسهم. بعضهنّ مكث عندنا بضعة أيام. ابنتي رائدة لديها ستّة أطفال صغار، وهي تأتي إلينا كلّما نفذت المياه من منزلها، لأنها لا تمتلك أيّ خيار آخر.

الأمر صعب من جميع النواحي، وينبغي أن نساعد في تسهيل الأمور. أيضًا لجيراني ملأتُ صهاريج المياه ووضعتها في المصعد. لن أمنع الماء عن أيّ إنسان، حتى لو لم تتبقّ لي قطرة ماء واحدة.

في المسجد المجاور لمنزلي، مسجد المخفيّة، انقطعت المياه طيلة خمسة أيام متتالية. وصل المصلّون ولم يجدوا قطرة ماء للوضوء، وأيضًا لم يكن بإمكانهم استخدام المرحاض. بصفتي عضو في لجنة المسجد اضطررت إلى إغلاق المراحيض، لأنّ الوضع كان لا يطاق والرائحة أصبحت مزعجة. ملأت حوالي خمسين زجاجة بالماء واحتفظت بها في دكّان الخضروات خاصّتي، القريب من المسجد، لكي يتسنّى للمصلين أن يأتوا ويتوضؤوا قبل الصلاة.

اتصلت بقسم المياه في البلدية وتوسّلت إليهم أن يزيدوا ضغط تدفّق المياه. قالوا إن هناك أدوارًا منتظمة لكلّ حيّ، ولا يمكنهم قطع المياه عن حيّ لصالح حيّ آخر، ولا يسمحون لأنفسهم تجاوز الدور.

سمعت في الإذاعة مدير قسم المياه وسكرتير عامّ البلدية يقولان إنّ النقص ينبع من نقل المياه إلى قرى مجاورة تعاني من نقص في المياه، لأنّ سلطة المياه الإسرائيلية قلّصت كميات المياه التي تزوّدهم بها. الجميع يعانون، ليس فقط نحن. جميع قرى المنطقة تعاني هي أيضًا.

غسيل سيّارات في نابلس، كانون الثاني 2017. الأشخاص في الصورة لا علاقة لهم بالإفادة. تصوير: Gianluca Cecere
غسيل سيّارات في نابلس، كانون الثاني 2017. الأشخاص في الصورة لا علاقة لهم بالإفادة. تصوير: Gianluca Cecere

يملك عبد الرحمن عكوبة، أعزب، يبلغ 26 عامًا، محلّ غسيل سيّارات وتنظيف سجّاد في مدينة نابلس. في إفادة قدّمها في تاريخ 13.8.17 تحدّث عن صعوبة إدارة مصلحته في ظلّ أزمة المياه:

منذ بداية فصل الصيف الحالي بدأت أعاني من نقص المياه، علمًا أنّها حاجة ضرورية لعملي. في فصول الصيف السابقة وصلتنا المياه مرّة كلّ خمسة أيام، والآن تصلنا فقط مّرة واحدة كلّ 12-15 يومًا. هذا الأمر يسبّب نقصًا حادًّا، وأحيانا لا تتوفّر في محلّي قطرة مياه واحدة.

في الأيام العادية، نقوم بتوفير الخدمة لـ 30-25 سيارة يوميًّا، وأنا أتقاضى 15 شيكل لقاء كلّ سيّارة. لديّ أيضًا دخل جيّد من تنظيف السجّاد، في الموسم الجافّ، من أيّار إلى تشرين الثاني. تحتاج مصلحتي إلى كميات كبيرة من المياه - حوالي 3 متر مكعب في اليوم الواحد. لديّ خمسة صهاريج للمياه، سعة كل واحد خمسة أمتار مكعبة. بسبب الوضع، اشتريت ثلاثة صهاريج جديدة قبل بضعة أيام، وقد كلفتني ألف وستمائة شيكل. لم يتبقّ معي نقود لدفع إيجار الشقة فاضطررت إلى اقتراض المبلغ المطلوب من صديق لي. أنا الآن في مشكلة كبيرة، لأنّي التزمت بإعادة النقود لصديقي في وقت قريب، ولا أدري من أين سآتي بها.

اتصلت مؤخرًا من أجل طلبيّة مياه من التاجر الذي يزوّد المياه في صهاريج منقولة، قال إنهم لا يزوّدون المياه لغسيل السيارات لأنّ ما لديهم من المياه يكاد لا يكفي احتياجات الأسر والمطاعم.

خلال شهر تموز اضطررت إلى إغلاق المحلّ طيلة ثلاثة أيّام متتالية، لأنه لم يكن لديّ ماء. نقص المياه يسبّب لي خسائر كبيرة، علمًا أنّ عليّ الكثير من الالتزامات، مثل إيجار البيت وسداد القرض وغيرهما.

بسبب هذا الوضع، يصل الزبائن الآن، وبدلاً من السؤال هل هناك دور شاغر متاح، يسألون هل لديّ ماء. منذ بداية تموز لا ألبّي طلبات غسل السجّاد، لأنه يتطلب الكثير من الماء، ولا تتوفّر لديّ المياه اللازمة لذلك. بعض الزبائن غضبوا مني لأنني وعدتهم بغسل سجّادهم ولم ألتزم بوعدي، لكن عندما شرحت الأسباب تفهّموا الأمر، لأنهم هم أيضا يعانون من نقص المياه. حدّثوني عن الصعوبات التي يتكبّدونها في إيجاد الماء، حتى للشرب. يبدو وكأننا أمام واقع جديد علينا أن نعتاد اليه.

كلمات مفتاحية