Skip to main content
مرة مشاهدة: 506

مصنع شرف، غزة: في يوم ما كان يعمل هنا 70 عاملًا

هذه حكاية مصنع واحد - مصنع شرف لأنابيب الغاز وتشكيل المعادن. حكاية صاحبه يوسف رباح شرف الذي يتذكّر جيّداً "أيّام العزّ" حين كانت الطلبيّات تتوالى. وهي أيضاً حكاية عامليْن فيه وهما عطا أبو...
قراءة المقال كاملاً العودة إلى وضع الفيديو

مصنع شرف، غزة: في يوم ما كان يعمل هنا 70 عاملًا

هذه حكاية مصنع واحد - مصنع شرف لأنابيب الغاز وتشكيل المعادن. حكاية صاحبه يوسف رباح شرف الذي يتذكّر جيّداً "أيّام العزّ" حين كانت الطلبيّات تتوالى. وهي أيضاً حكاية عامليْن فيه وهما عطا أبو عريبان وخليل أبو عمارنة اللّذين قد نسيا ماذا يعني راتب شهريّ.

مصنع شرف واحد من مصانع كثيرة انهارت نتيجة سياسة الحصار التي تطبّقها إسرائيل في قطاع غزّة منذ العام 2007 وجعلت منه أكبر سجن مفتوح في العالم. نتيجة لذلك انهار الاقتصاد وأغلقت مئات المصانع وبلغت البطالة معدّلات خياليّة ومئات الآلاف يعتمدون في معيشتهم على الغوث الإنسانيّ. 65% من سكّان القطاع من فئة الشباب تحت سنّ الـ24 يعيشون حاضراً لا يُطاق وينتظرهم مستقبل لا يحمل معه أيّ أمل في تغيير نحو الأفضل.

مصنع شرف لأنابيب الغاز وتشكيل المعادن

عطا أبو عريبان أحد العاملين في مصنع شرف لأنابيب الغاز ومنتجات المعادن. بلغ عطا من عمره 60 عاماً وهو أب لتسعة أبناء وقد عمل طوال سنوات في المصنع براتب شهريّ منتظم لكنّه منذ أن تدهور وضع المصنع يعمل لماماً لأيّام معدودة وينحدر نحو الفاقة والعوَز.

شهد أبو عريبان فصل كثيرين من عمّال المصنع عقب تقليص الإنتاج جرّاء الحروب والحصار. أمّا هو فقد توجّه ببالغ الأسف للعمل مُياومة وتدنّى مدخوله الشهريّ إلى 600 شيكل. فواتير الكهرباء والماء غير المدفوعة تتراكم والأسرة تعجز عن دفعها. ينظر أبو عريبان إلى أبنائه العاطلين عن العمل ويعجز عن مساعدتهم.

أقيم في منطقة المغراقة في وسط قطاع غزّة. بدأت العمل في مصنع شرف في تمّوز 2001. قمت هناك بأعمال عديدة - تنقّلت بين ماكينة قصّ الحديد وفرن صهر المعادن والمكبس. كنّا ننتج أسطوانات أو أنابيب الغاز وألواح صاج لأفران الغاز المستخدمة في المنازل والمطاعم وطاولات من الحديد. في ذلك الوقت كان مجموعنا 20 عاملاً تقريباً.

عملت في البداية 8 ساعات يوميّاً بأجر يوميّ قدره 35 شيكل وأحياناً كنت أعمل ساعات إضافيّة. كنت مسروراً في عملي وكانت حياتي مستقرّة ولكن مع مرّ السّنين ساءت الأوضاع: فرضت إسرائيل الحصار وأغلقت المعابر وصارت الكهرباء تنقطع لساعات طويلة كلّ يوم. إزاء ذلك اضطرّ صاحب المصنع إلى تقليص عدد العمّال حتى بقينا في النهاية ثلاثة فقط.

واصلت العمل في المصنع رغم أنّ مدخولي هبط إلى أقلّ من 800 شيكل شهريّاً. كنت أذهب فقط حين يتّصل صاحب المصنع ويُبلغني أنّه يوجد لي عمل غداً فأعمل حتّى إنجاز الطلبيّة ثمّ أجلس في البيت في انتظار مكالمة هاتفيّة من صاحب المصنع. في ظلّ ازمة الكورونا توقّف العمل تماماً خلال شهر آذار هذه السّنة فلم تصلني أيّة مكالمة.

في هذه الأثناء عثرت على عمل مؤقت في محطّة لتعبئة أنابيب الغاز وأتلقّى راتباً شهريّاً قدره 600 شيكل. هذا المبلغ لا يكفي لسدّ تكاليف الغذاء والملابس والدّواء وبقيّة احتياجات الأسرة. حتّى أنّني أفكّر في ترك العمل لأنّني أشقى طوال ساعات لقاء أجرٍ زهيد.

أبنائي كلّهم متزوّجون وكلّهم عاطلون عن العمل ما عدا واحداً منهم يعمل في كراج لقاء 400 شيكل شهريّاً.

تراكمت عليّ ديون فواتير مياه بقيمة 5,000 شيكل أمّا ديني لشركة الكهرباء فلم أعد أتذكّر قدره فأنا لم أدفع فاتورة كهرباء منذ ثماني سنوات.

خليل أبو عمارنة (37 عاماً) يقيم مع زوجته وأبنائهما الستّة في مخيّم البريج للّاجئين في قطاع غزّة. عمل منذ العام 1999 في مصنع شرف في صبّ وتشكيل وتلحيم الحديد. في السّنوات الأولى كان يعمل إلى جانبي نحو 60 عاملاً آخر ولكن بمرور السّنين تقلّص العمل واضطرّ صاحب المصنع إلى فصل معظم العمّال. اليوم يعمل خليل بالمياومة فقط - في الشركة نفسها وفي أماكن أخرى ولا يكسب سوى 500 شيكل شهريّاً. جرّاء فقدان المدخول تراكمت ديونه ويعجز خليل حتى عن تلبية الاحتياجات الأساسيّة لأسرته.

حتى العام 2006 كنّا نسوّق منتجاتنا داخل قطاع غزة وفي الضفة الغربيّة وفي إسرائيل فكنّا نعمل كثيراً وكنت أكسب 55 شيكل يوميّاً. لكنّ إسرائيل قصفت محطّة التوليد وصارت الكهرباء في قطاع غزة تنقطع كثيراً فأصبح تصنيع المنتجات صعباً في الظروف الجديدة.

في تمّوز 2007 سيطرت حماس على القطاع وانهارت السّلطة الفلسطينيّة وفرضت إسرائيل الحصار. منذ ذلك الحين توقّف العمل في المصنع بشكل شبه تامّ. كنّا نأمل أن ينهض المصنع من جديد وأن تبدر بارقة أمل لتغيّر ما حين ترفع إسرائيل الحصار أو على الأقلّ تسمح لنا بالتصدير إلى الضفّة الغربيّة أو إسرائيل. لكنّ العمل كان يقلّ ويقلّ سنة بعد أخرى. كانت كلّ سنة أصعب من التي سبقتها.

بين الفينة والأخرى يتّصل بي صاحب المصنع ويطلب أن آتي لتنفيذ طلبيّة لزبون ما ولكن هذا يضمن لي عملاً ليومين كلّ شهر أو لأسبوع على الأكثر وهكذا فمدخولي من العمل في المصنع اليوم لا يتعدّى 300 شيكل شهريّاً. في الأوقات الأخرى أتحيّن فرص العمل المُياوم فأكسب من ذلك بضعة قروش أعيل منها أسرتي.

لقد فاقمت أزمة الكورونا الكارثة الاقتصاديّة التي كانت تلمّ بالقطاع من قبل. ارتفعت نسب البطالة وهبط مدخول النّاس أكثر فأكثر. لا أحد يعلم متى تنتهي هذه الأزمة.

المعاناة الأصعب كانت قبل حلول شهر رمضان وخلاله. اعتدنا شراء ملابس جديدة للأولاد قبل العيد ولكن أتى العيد ولم يكن لديّ المال لذلك. منذ بداية شهر رمضان لم أعمل مطلقاً. حصلت على 200 شيكل من ابن عمّي وأرسل لنا الجيران سلّة مؤونة وهذا كلّ شيء.

آخر الفيديوهات