Skip to main content
مرة مشاهدة: 2,498

روتين الاحتلال يستمرّ في أيّام الكورونا: إسرائيل تواصل حملات الاعتقال واقتحام المنازل في الضفّة الغربيّة

في حين يتوقّف كلّ شيء في العالم عن الجريان يحافظ جيش إسرائيل على روتين عُنف الاحتلال في أنحاء الضفّة الغربيّة. من 1.3.20 إلى 3.4.20 اقتحمت قوّات الأمن مئة منزل في الضفة الغربية واعتقلت خل...
قراءة المقال كاملاً العودة إلى وضع الفيديو

روتين الاحتلال يستمرّ في أيّام الكورونا: إسرائيل تواصل حملات الاعتقال واقتحام المنازل في الضفّة الغربيّة

في حين يتوقّف كلّ شيء في العالم عن الجريان يحافظ جيش إسرائيل على روتين عُنف الاحتلال في أنحاء الضفّة الغربيّة. من 1.3.20 إلى 3.4.20 اقتحمت قوّات الأمن مئة منزل في الضفة الغربية واعتقلت خلال هذه الحملات 217 شخصاً منهم 16 قاصراً. 40% من مجمل المعتقلين و-60% من المعتقلين القاصرين اعتُقلوا بين 12 آذار و-3 نيسان أي بعد أن شدّدت إسرائيل والسّلطة الفلسطينيّة القيود على الحركة في الضفة.

وثّق باحثو بتسيلم الميدانيّون اقتحامات ليليّة لـ12 منزلاً تسكن فيها خمس عائلات. في جميع هذه الاقتحامات دخل الجنود المنازل باستخدام القوّة وأفزعوها ساكنيها من نومهم وفي بعضها حبس الجنود جميع أفراد الأسرة في إحدى غرف المنزل وقلبوا في أثناء ذلك محتويات بقيّة الغرف. بعض هذه الاقتحامات استمرّ نحو ثلاث ساعات.

من طبيعة أيّ اقتحام مسلّح ينفّذه جنود بالقوّة في ساعات اللّيل والأسرة نائمة أن يثير الخوف والرّعب في نفوس أفرادها ولكن حين يحدث هذا في فترة تفشّي وباء الكورونا يُضاف إلى الخوف "المعتاد" خوف آخر: خوف أفراد الأسرة من الإصابة بالعدوى جرّاء دخول غرباء إلى منزلهم ومكوثهم لفترة طويلة. ولا تتلاشى هذه المخاوف مع خروج الجنود من المنزل بل هي تلازم أفراد كلّ أسرة اقتحم الجيش منزلها أيضاً خشية على من اعتُقل منهم خلال ذلك الاقتحام. يتضاعف قلق أفراد الأسرة إزاء امتناع الجيش عن إبلاغهم عن مكان احتجازهم ولا متى من المتوقّع إخلاء سبيلهم.

 

نتائج التفتيش العنيف في منزل منى وناصر مرّار في قرية بدرس.الصورة بتفضل من العائلة

في ما يلي وصف لأحداث وثّقها باحثو بتسيلم الميدانيّون عبر الهاتف بسبب الإغلاق المفروض على الضفّة الغربيّة.

18.3.20: اقحام منزل عائلة الشيخ في رام الله:

في الرّابعة من فجر يوم الأربعاء الموافق 18.3.20 اقتحم جنود يرتدون بدلات واقية منزل عائلة الشيخ في رام الله وكان في المنزل آنذاك الأمّ وأبناؤها الثلاثة - أصغرهم طفل في التاسعة من عمره. دخل ثلاثة جنود إلى المنزل فيما طوّقه 15 آخرون. تنقّل الجنود الذين دخلوا بين غرفة الامّ وغرفتي الأولاد وأفزعوا الجميع من نومهم - بعد ذلك أغلقوا أبواب الغرف ومنعوهم من الخروج.

في غرفة التلفزيون كان ينام الابن عماد (24 عاماً). أيقظه الجنود ووضعوا كمّامة على فمه ثمّ أمروه بارتداء قفازات وبعد ذلك كبّلوا يديه خلف ظهره. بعد مضيّ ربع السّاعة غادر الجنود المنزل واقتادوه معهم. أثناء مكوثهم داخل المنزل منع الجنود شقيقته رلى (23 عاماً) من توثيق تصرّفاتهم وصادروا هاتفها وهاتف شقيقها الطفل (9 أعوام) ولم يعيدوهما.

لم يُبلغ الجنود الامّ إلى أين يأخذون ابنها ولكنّ الأسرة علمت في اليوم التالي من جمعيّة "نادي الأسير" أنّه نُقل إلى معتقل كيشون (الجلمة) وأنّه جرى تمديد اعتقاله لمدّة أسبوع في اليوم نفسه. لاحقاً أطلعت الجمعيّة الأسرة أنّ عماد متّهم برشق حجارة وأنّه نُقل من الجلمة إلى سجن في منطقة النقب وأنّه وُضع في العزل الانفراديّ عقب أن اتّضح بعد إطلاق سراح أسير كان معتقلًا معه أنّ هذا الأخير مصاب بفيروس كورونا. عيّنت المحكمة جلسة للنظر في قضيّة عماد في يوم الاثنين 6.4.20.

أدناه إفادة رلى الشيخ، شقيقة عماد – أدلت بها في 21.3.20 أمام باحث بتسيلم الميداني إياد حدّاد حيث حدّثت عن أحداث تلك اللّيلة:

كنّا نائمين في غرفنا أنا وأخي الصّغير وكانت والدتي في غرفتها وعماد نائم في غرفة التلفزيون. استيقظت مذعورة حين سمعت دبيب خطوات وجلبة داخل المنزل ثمّ رأيت جنوداً كانوا قد اقتحموا المنزل وأصبحوا داخله.

أثناء عمليّة الاقتحام كنت خائفة جدّاً خاصّة وأنّ والدي لم يكن في المنزل في تلك اللّيلة. منظر الجنود وهم يرتدون البدلات الواقية والكمّامات كان مرعباً. كأنّهم مخلوقات من الفضاء الخارجي. لقد اقتحموا المنزل دون استئذان وكذلك لم يرونا لنا أمر تفتيش ولم يُبدوا أيّ احترام لخصوصيّتنا داخل منزلنا. جميعنا كنّا بملابس النّوم وفي فراشنا!

كان الجنود يتقافزون متشنّجين وكان واضحاً أنّهم يتجنّبون لمس أيّ شيء أو لمسنا نحن. تنقّلوا بين الغرف ونظروا من بعيد من يوجد في كلّ غرفة. حين حاولت الخروج من غرفتي دفعني أحدهم نحو الدّاخل بعُنف. أخرجوا عماد من الغرفة التي ينام فيها. حدث كلّ شيء بسرعة وكأنّهم ينفّذون عمليّة اختطاف. بعد نحو ربع السّاعة كانوا قد غادروا المنزل. حتى أنّهم لم يجروا تفتيشاً.

لقد صادروا هاتفي النقّال حين حاولت تصويرهم ولم يُرجعوه وكذلك صادروا هاتف أخي الصّغير.

نحن قلقون جدّاً على عماد خاصّة وأنّ وباء كورونا منتشر الآن ونحن لا نعرف شيئاً عمّا يحدث داخل السّجون. مجرّد التفكير في ما يمكن أن يحدث للأسرى الفلسطينيّين في ظلّ الظروف القاسية التي يحتجزهم فيها الإسرائيليّون أمرٌ مخيف جدّاً. نحن نسمع أنّهم لا يوفّرون للأسرى حتى الحدّ الأدنى الخدمات الطبّية والشروط الصحيّة. ماذا لو تفشّى الوباء داخل السّجن لا سمح الله؟ عندها ستقع كارثة عظمى!

19.3.20: اقتحام ثلاثة منازل في مخيّم الدّهيشة للّاجئين في محافظة بيت لحم

قرابة الخامسة من صباح يوم الخميس الموافق 19.3.20 اقتحم نحو عشرة جنود بعضُهم كان يرتدي البدلات الواقية ثلاثة منازل في الحيّ الشرقيّ في مخيّم الدّهيشة للّاجئين. خلع الجنود أبواب المنازل واعتقلوا ثلاثة من ساكنيها: رامز ملحم (23 عاماً) ومصطفى الحسنات (21 عاماً) ويزن البلعاوي (20 عاماً). ألبس الجنود الشبّان الثلاثة بدلات واقية وكبّلوا أيديهم واقتادوهم سيراً على الأقدام إلى جيبات عسكريّة كانت متوقّفة في مكان قريب. بعد نحو عشرين دقيقة غادر الجنود المنطقة.

بعد مضيّ أيّام عدّة أبلغ الصّليب الأحمر عائلاتهم أنّهم اقتيدوا إلى معتقل كيشون (الجلمة) ووُضعوا رهن العزل لمدة 14 يومًا بسبب تفشّي فيروس كورونا. أثناء فترة العزل مُنع الثلاثة من التحدّث مع محاميهم. الآن هُم لا يزالون رهن الاعتقال. في ما يلي وصف اعتقال اثنين منهم: رامز ملحم ومصطفى الحسنات:

أدناه إفادة تامر ملحم (25 عاماً) - أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش في 21.3.20 واصفاً اعتقال شقيقه رامز الذي مدّدت المحكمة اعتقاله حتى 2.4.20:

نحو السّاعة الخامسة من صباح يوم 19.3.20 استيقظنا مذعورين على ضجيج هائل نجم عن تفجير باب المنزل ووقوعه على الأرض. اندفع إلى داخل المنزل نحو عشرة جنود بعضُهم يرتدي بدلات واقية. سألوا عن أخي رامز وهو طالب جامعي ومعتقل سابق. منعنا الضابط من التحرّك. بعض الجنود الذين يرتدون بدلا واقية انقضّوا على غرفته وأعطوه بدلة واقية وأمروه بارتدائها.

رأيت رامز يخرج من الغرفة. كبّل أحد الجنود يديه وعصب عينيه. حاول والدي الاحتجاج على الاعتقال بسبب الكورونا وخوفه أن يصاب أخي بالعدوى لكنّ الجنود صرخوا عليه وأمروه أن يصمت. حين حاول والدي ووالدتي أن يُمسكا برامز ويمنعا الجنود من إخراجه من المنزل ألقى أحد الجنود قنبلة صوت على الحائط الخارجي للمنزل بهدف ترهيبنا.

راقبنا الجنود عبر النافذة ورأيناهم يقتادون رامز سيراً على الأقدام نحو الحيّ القريب - على بُعد نحو كيلومترين من منزلنا. بعد ذلك علمنا أنّهم اعتقلوا شابّين آخرين من المخيّم وأيضاً في منزلهما حدث كلّ شيء بسرعة كبيرة خلال بضعة دقائق.

أضرار خلّفتها قنبلة الصوت التي ألقاها الجنود في صالون المنزل. الصورة بتفضل من العائلة

بعد مضيّ عدّة أيّام أبلغنا الصّليب الأحمر أنّ الجنود أخذوا المعتقلين إلى معتقل "عتصيون" ومن هناك نقلوهم إلى سجن الجلمة ووضعوهم رهن العزل لمدّة 14 يوماً.

منذ أن اعتقلوا أخي لم نتمكّن من التحدّث إليه أو زيارته. قال لنا المحامي إنّهم جلبوه إلى المحكمة ومدّدوا اعتقاله حتى 2.4.20.

أمّي قلقة جدّاً على أخي وتخاف أن تصيبه عدوى الكورونا. نحن نحاول طوال الوقت أن نهدّيء من روعها ولكن أنا أيضاً قلق على أخي وعلى والدتي.

أضرار خلّفتها قنبلة الصوت التي ألقاها الجنود في مدخل الشقة. الصورة بتفضل من العائلة

أدناه إفادة سحر الحسنات (20 عاماً) - أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش في 27.3.20 محدّثة عن اعتقال أخيها مصطفى:

أقيم مع أسرتي: والداي وستّة إخوة وأخوات.

نحو الخامسة من صباح يوم 19.3.20 استيقظنا عند سماع تفجير ووقوع باب المدخل الرّئيسي في منزلنا. اندفع إلى داخل المنزل نحو عشرة جنود. عندما اعترضنا على دخولهم العنيف غضب بعضهم وأخذوا يدفعون أخي مصطفى. بعد ذلك عصبوا عينيه وألبسوه بدلة واقية بيضاء ثمّ كبّلوا يديه واقتادوه إلى خارج المنزل.

نفّذوا كلّ شيء بطريقة عنيفة ولا-إنسانيّة رغم أنّهم مكثوا لبضعة دقائق فقط: فجّروا الباب واعتدوا على أخي في مثل هذه الظروف حيث الجميع خائفين بسبب تفشّي وباء الكورونا وعلى الأخصّ في منطقة بيت لحم.

نحن قلقون جدّاً منذ أن اعتقلوا مصطفى. علمنا أنّهم أدخلوه العزل لمدّة 14 يوماً في معتقل الجلمة. لا توجد إمكانيّة للتواصُل معه وحتّى المحامون لا يقدرون على زيارته أو حتى التحدّث إليه عبر الهاتف إلى حين انتهاء مدّة العزل.

علمنا من مكتب الشكاوى (مركز الدفاع عن الفرد) أنّ جلسات المحكمة ستجري عبر الفيديو بعد انقضاء مدّة العزل. مخاوفي تزداد وتتعاظم. نحن نشعر أنّ الأيّام تمرّ ببطء. أكثر من يعاني من هذا الوضع والدتي. هي غير مطمئنّة وتبكي خوفاً على مصطفى طوال الوقت ونحن نحاول مساندتها وتهدئتها.

أتمنّى أن يعود أخي وجميع المعتقلين والأسرى إلى أسَرهم سالمين وبصحّة جيّدة.

31.3.20: اقتحام ثمانية منازل لعائلة مرّار في قرية بدرس ومدينة رام الله

نحو الثالثة من فجر يوم الثلاثاء الموافق 31.3.20 اقتحمت قوّات الأمن ثمانية منازل لعائلة مرّار أحدها في مدينة رام الله والسّبعة الأخرى في قرية بدرس في محافظة رام الله.

اقتحم الجنود في مدينة رام الله بداية منزل محمود مرّار (45 عاماً) الذي يسكن فيه هو وزوجته ميرفت (40 عاماً) وأبناؤهم الثلاثة المتراوحة أعمارهم بين الرّابعة والعاشرة. اعتقل الجنود الأب فور دخولهم وغادروا المنزل ثمّ عادوا بعد مضيّ 10 دقائق وأجروا في المنزل تفتيشاً عنيفاً.

بعد وقت قصير توجّه عشرات الجنود وبينهم عدد من الجنديّات إلى قرية بدرس ومعهم كلبان واقتحموا سبعة منازل تعود لإخوة محمود الأربعة وثلاثة من أبناء إخوته:

يقيم اثنان من الإخوة في بناية من طابقين في مركز القرية: في الطابق الأوّل يقيم ناصر مرّار (49 عاماً) وزوجته منى (41 عاماً) وأولادهم الخمسة المتراوحة أعمارهم بين الشّهر والعشرين عاماً إضافة إلى خديجة والدة ناصر (86 عاماً). في الطابق الثاني يقيم محمد مرّار (62 عاماً) وزوجته عايدة (55 عاماً) وأولادهم التسعة وبضمنهم قاصران.

في ناحية أخرى من القرية يقيم الشقيق الثالث نعيم مرّار (51) وزوجته نجاح (49 عاماً) وخمسة من أبنائهم في الطابق الأوسط من بناية ذات ثلاثة طوابق ويقيم في بقيّة الطوابق أبناؤهم الثلاثة المتزوّجون: مسلم ومالك ومحمد كلّ منهم وأسرته. بعد ذلك اقتحم الجنود منزل الشقيق الرّابع عايد مرّار (61 عاماً) وزوجته نعمة (52 عاماً) وأبنائهم الستّة.

بعض الجنود كان يرتدي بدلة واقية وآخرون يرتدون كمّامات وقفّازات. بعض المنازل اقتحمها الجنود بالقوّة وحبسوا أفراد الأسرة في غرفة واحدة تحت رقابتهم ثمّ أجروا تفتيشاً قلبوا خلاله محتويات المنزل. في منازل أخرى أتلف الجنود ممتلكات الأسرة ومن ذلك أنّهم نزعوا بلاط السّيراميك عن الجدران والأرضيّات. في كلّ المنازل مكث الجنود نحو ثلاث ساعات.

أخلي سبيل محمود مرّار في 7.4.20 بكفالة مقدارها 5,000 شيكل وقد قال بأنّهم لم يوضّحوا له سبب اعتقاله.

أدناه ثلاثة من إفادات أفراد عائلة مرّار الذين اقتُحمت منازلهم سجلها باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 31.3.20:

إفادة ميرفت مرّار، رام الله:

دخل الجنود دون أيّ استئذان. اقتحموا الباب وأثاروا فينا الذّعر. خفنا كثيراً. في البداية لم نفهم ما الذي يحدث. دخلوا ومعهم كلب كبير أخذ يشمّ ويتجوّل في كلّ غرف المنزل. كان شكله مرعباً. لا أتمنّى لأحد أن يكون في مكاني آنذاك. كان الأولاد نائمين وقلقت عليهم كثيراً وكذلك على زوجي الذي أراد الجنود اعتقاله. ما وتّرني أكثر أنّني غير قادرة على الحركة في هذه الفترة لأنّ ساقي ملفوفة بالجبس. كنت خائفة أيضًا من أن ينقلوا لنا عدوى الكورونا.

عندما دخل الجنود ألقوا فوراً على زوجي بدلة واقية وأمروه أن يرتديها ثمّ أخذوا بطاقة هُويّته ومفاتيح سيّارته واقتادوه إلى الخارج. لم نعرف إلى أين يأخذونه فهُم لم يسمحوا لي أن أسألهم إلى أين يأخذونه ولماذا. بعد مضيّ 20-30 دقيقة غادر الجنود.

لم أستوعب ما يجري من هَوْل الصّدمة. بقيت في المنزل مع أطفالي الثلاثة ومنزلنا بلا باب بعد أن خلعوه! اتّصلت بعائلة زوجي في قرية بدرس وطلبت أن يأتي أحدهم إلى رام الله لمساعدتي. في هذه الفترة لا يمكن طلب المساعدة من أحد فالجميع خائفون بسبب الكورونا.

مضت عشر دقائق وإذ بالجنود يعودون فجأة ومعهم الكلب. انتشروا داخل كلّ الغرف وأيقظوا أبنائي من نومهم وجمعونا كلّنا في غرفة الصّالون ثمّ اخذوا يفتّشون ويقلبون كلّ محتويات المنزل بما في ذلك الأثاث. احتضنت أبنائي وأخذت أهدّئ من روعهم فقد كانوا مذعورين بسبب إيقاظهم بهذه الطريقة المفزعة وما زاد من خوفهم وجود الكلب رغم أنّ أحد الجنود كان يمسكه.

عند السّاعة 6:00 قبل أن يغادر الجنود بنحو ربع السّاعة أجبرني اثنان منهم على النزول معهم إلى موقف السيّارات الخاصّ بالبناية رغم انّني قلت لهم إنّني لا أقدر على المشي بسبب الجبس، لكنّهم هدّدوني بالسّلاح فلم يكن أمامي خيار سوى مرافقتهم. نزلت بواسطة المصعد وعندما وصلت إلى موقف السيّارات وجدت أنّهم قد أجروا تفتيشاً في سيّارتنا. كانوا قد فتحوا جميع الأبواب وغطاء المحرّك والصندوق الخلفي وأزالوا أغطية جميع المقاعد. حاولوا تشغيل السيّارة وحين أخفقوا في ذلك أمروني أن أشغّلها فلم أقدر بدوري لأنّي لا أعرف كيف. بعد ذلك جلبوا جرّاراً عسكريّاً وسحبوا السيّارة وغادروا المنطقة.

كانت حالتنا صعبة للغاية. لم أستطع إعادة ترتيب المنزل وحدي. بعد مضيّ ساعة تقريباً جاء إخوة زوجي وكان الجنود قد اقتحموا منازلهم أيضاً لكنّهم لم يعتقلوا أحداً منهم. لا أعرف ماذا كنت سأفعل لولاهُم. كانت المدينة كلّها رهن العزل ومنع التجوّل. الأولاد كانوا خائفين.

كنبات أتلفها الجنود في منزل نعيم ونجاح مرّار في قرية بدرس. الصورة بتفضل من العائلة

إفادة نعيم مرّار، بدرس:

في تلك اللّيلة كان الوضع في القرية هادئاً. أنا عضو في لجنة الطوارئ التي تشكّلت في القرية إزاء تفشّي وباء كورونا عالميّاً وكنّا جميعاً نراقب حركة السّير الدّاخلة والخارجة من القرية. لم يخطر في ذهننا أن يقتحموا القرية خاصّة وأنّ الجميع منهمك الآن في مكافحة الوباء.

نحو السّاعة 3:00 فجراً بعد أن اتّصلت بي زوجة أخي وحدّثتني عن اقتحام المنزل واعتقال أخي طلبت من لجنة الطوارئ إذناً للخروج من المنزل لكي أسافر إلى رام الله وأساعدها هي وأولادها الصّغار. جاء إلينا أخي محمد لكي يأتي معي ولكن فيما كنّا نستعدّ للخروج اقتحم عمارتنا أكثر من ثلاثين جنديّاً. أنا معتاد على اقتحاماتهم ووحشيّتهم وعليه فلم يُفزعني مجيئهم - لقد سبق أن اعتقلني الجيش والمخابرات عدّة مرّات ولكن في هذه المرّة خفت بسبب الكورونا. خشيت أن يكون الجنود والكلاب مصابين بالكورونا وينقلوا لنا العدوى.

حاولت منعهم من التقدّم لكنّهم هاجموني ودفعوني وهدّدوني بسلاحهم وأجبروني على الجلوس في غرفة الصّالون. كذلك الأمر نفسه حدث مع أخي محمد الذي جاء إلينا خصّيصاً لكي نسافر معاً إلى رام الله. أجبر الجنود جميع ساكني العمارة أن يتجمّعوا في الصّالون: 13 أسرة نساء وشباب وأطفال. في هذه الأثناء كانت الكلاب تتجوّل حولنا. أجبرونا على الجلوس قريبين جدّاً من بعضنا البعض رغم أنّنا كنّا ملتزمين في هذه الفترة بتعليمات التباعُد التي أصدرتها وزارة الصحّة الفلسطينيّة.

حاولت أن أشرح لهم وتجادلت معهم لكنّهم لم يكترثوا. كنّا كلّما حاولنا أن نقول لهم شيئاً هدّدونا بالسّلاح ومنعونا من الكلام. خلال الاقتحام رأيت جنوداً في كلّ زاوية من زوايا المنزل. عبر بيت الدّرج سمعنا جلبتهم وهم يقلبون الأغراض في الطوابق العليا ويتلفون أشياء. قلت لهم: "ألا توجد إنسانيّة ولا رحمة؟ كيف تتعاملون بهذه الطريقة من نساء وأطفال وأسرة بأكملها؟ هل أنتم بلا إحساس؟ ألا تخشون أن تنقلوا إلينا عدوى الوباء؟". لكنّهم تجاهلوا كلامي كلّه.

من حين لآخر كان أحدهم يسألني "من أين لكم السّلاح؟". قلت له: "ها أنتم تفتّشون البيت وتقلبونه رأساً على عقب فإذا وجدتم سلاحاً خذوه واعتقِلوني. ما أعرفه أنّه لا يوجد لديّ أيّ سلاح وأنا سوف أتقدّم بشكوى ضدّكم لجميع منظّمات حقوق الإنسان المحلّية والدوليّة على الجرائم التي ترتكبونها في حقّنا".

مضت ثلاث ساعات تقريباً حتى غادر الجنود وكانت السّاعة 6:00 صباحاً. فقط حينئذٍ علمنا أنّهم اقتحموا أيضاً منازل إخوتي الثلاثة في القرية. فتّشوا في جميع قطع الأثاث والخزائن في منزلي ومنازل أبنائي الثلاثة المتزوّجين - مالك ومسلم ومحمد. مزّقوا قماش الكنبات. انتزعوا ألواح رخام وبلاط الأرضيّات في منزلي مسلم ومالك كما حطّموا أصص الأزهار وأطر صور معلٌقة في مدخل منزلي.

ناهيك عن الأضرار المادّية التي ألحقوها بنا فإنهُم قد أفزعوا النساء والأطفال فوق فزعهم من الكورونا. عندما غادر الجنود استدعينا لجنة الطوارئ والدفاع المدنيّ الفلسطينيّ لكي يعقّموا المنازل والأثاث.

نتائج التفتيش العنيف في منزل منى وناصر مرّار في قرية بدرس. الصورة بتفضل من العائلة

إفادة منى مرّار، بدرس:

في تلك اللّيلة لم يكن ناصر زوجي في المنزل لأنّه ناشط في لجنة الطوارئ في القرية التي تتابع تطبيق العزل المنزلي المفروض بسبب تفشّي وباء كورونا. كانت ليلة هادئة.

استيقظت عندما سمعت جلبة في الخارج فنهضت لأرى ما الذي يحدث. رأيت قوّة عسكريّة كبيرة منتشرة قبالة المنزل تعدّ نحو 30 جنديّاً وتستعدّ لاقتحام المنزل. حاولنا أن نفتح لهم الباب قبل أن يخلعوه ولكنّ أحدهم أمرنا بالابتعاد عن الباب فابتعدنا. توجّهت لإيقاظ أبنائي الخمسة الصّغار لئلّا يستيقظوا فزعين عند دخول الجنود وحمل ابني أوس (20 عاماً) أخاه الطفل ابن الشهرين.

خلال بضع ثوانٍ كان الجنود قد اقتحموا المنزل وانتشروا في غرف الأولاد. أردنا أنا وابنتي شمس (18 عاماً) وحماتي أن نغطّي رؤوسنا لكنّهم لم يسمحوا لنا بذلك. كانوا يتصرّفون بطريقة هستيريّة وكأنّهم يفتّشون عن شيء خطير ولكنّهم لم يقولوا لنا ما الذي جاءوا لأجله.

 

البلاط الذي اقتلعه الجنود في حمّام منزل منى وناصر مرّار في قرية بدرس. الصورة بتفضل من العائلة
منذ البداية أخذوا منّي هاتفي النقّال وأجبروني وأولادي وحماتي على الجلوس في الصّالون دون حراك. كانوا يتجوّلون في كلّ أنحاء المنزل وطوال الوقت يخرجون ويدخلون دون توقّف. كذلك اقتحم جنود آخرون منزل سِلفي الشيخ محمد مرّار (62 عاماً) في الطابق العلويّ. هو لم يكن في المنزل في ذلك الوقت. كانت زوجته وأولاده فقط.

أخذ أحد الجنود يسألنا: أين الوالد؟ أين الوالد؟ فهمنا أنّه يبحث عن زوجي فقلنا له إنّه غير موجود. طلبت أن يعيدوا لي هاتفي لكي أتّصل به وأطلب منه أن يأتي لكنّهم رفضوا.

كلّما تحدّث أحد أبنائي أو طلب شيئاً كانوا يردّون عليه بكلمة واحدة: "هشّ، اسكت"، وطلب أحدهم الذّهاب للمرحاض لكنّ الجنود لم يسمحوا له. بعد مضيّ ساعتين أحسست بتعب شديد فقد خضعت لعمليّة ولادة قيصريّة قبل شهرين وما زال جسمي ضعيف. قلت للجنود إنّني أريد الذّهاب إلى المرحاض لكنّهم رفضوا مرّة أخرى وحين أصرّيت قالوا للجنديّة أن تفتّشني في الغرفة نفسها فجلبت كلباً وأجبرتني على رفع ملابسي قربه. كنت خائفة أن يهاجمني الكلب. أدخلوا الكلب إلى المرحاض وفقط بعد ذلك سمحوا لي بالدّخول. بعد أن خرجت أدخلوا الكلب مرّة أخرى إلى المرحاض. لم أفهم ما السرّ من وراء هذا كلّه. أخافتني تصرّفاتهم كثيراً وكان أبنائي مصدومين يغالبون الخوف والنعاس في الوقت نفسه.

بعد مضيّ ساعة ونصف السّاعة تقريباً جاء ضابط وأخذ يوزّع التعليمات على الجنود. في لحظة دخوله جلب الجنود من الغرف أطر صور ورسومات وكذلك صور ياسر عرفات وأعلام فلسطين وكلّ شيء عليه رمز فلسطينيّ. جمّعوا كلّ ذلك ووضعوه أمامنا. عندئذٍ سأل الضّابط ابني أحمد (15 عاماً) هل هذه الأشياء له وسأله أسئلة كثيرة أخرى. أحمد كان خائفاً ولم يعرف بماذا يجيب. تدخّلت أنا وقلت للضّابط إنّ هذه الأشياء ليست ممنوعة وتوجد في كلّ منزل. سألته أيضاً لماذا اقتحموا منزلنا ولكنّه لم يجبني.

أثناء جلوسنا سمعت الجنود في كلّ أنحاء المنزل يحرّكون الأثاث ويتلفونه كذلك في المطبخ والحمّام. سمعتهم يقتلعون البلاط. ظلّوا يفتّشون فيما هم يحبسوننا حتى قاربت السّاعة 6:00 صباحاً.

في الصّباح وبعد أن غادر الجنود تفقّدنا المنزل. في غرفتي لم يُبقوا شيئاً في مكانه. جميع قطع الأثاث والملابس كانت أكواماً. الأدراج مسحوبة من أماكنها وأبواب الخزائن مفتوحة. كان المنظر مخيفاً. قلت في نفسي من سيرتّب كلّ هذه الفوضى! وفي المرحاض وجدنا أنّهم اقتلعوا بلاطتين من الأرضيّة.

قبل أيّ شيء قمنا بتعقيم المنزل. جاءوا من لجنة الطوارئ والدّفاع المدنيّ ورشّوا كلّ شيء في المنزل بمادّة معقّمة: الأبواب والخزائن والأثاث والملابس والأواني. انتظرنا حتى الظهر إلى أن تطايرت المادّة التي رشّوها ثمّ بدأنا جميعاً في الترتيب. لقد شوّشوا حياتنا وأفزعوا الأولاد وسبّبوا لهم الهلع.

نتائج التفتيش العنيف في منزل منى وناصر مرّار في قرية بدرس. الصورة بتفضل من العائلة

آخر الفيديوهات