Skip to main content
مرة مشاهدة: 1,474

جنديّ يردي بنيرانه الشابّ عمر البدوي (22 عامًا) حين تقدّم ليخمد نيرانًا اشتعلت خلال مواجهات بين جنود وفتيان

في يوم الإثنين الموافق 11.11.19 نحو السّاعة 8:00 صباحًا قام بضع عشرات من الأطفال والفتيان في مخيّم العروب للّاجئين الواقع شمال مدينة الخليل بإلقاء الحجارة نحو شارع 60 الذي يمرّ في جوار ال...
قراءة المقال كاملاً العودة إلى وضع الفيديو

جنديّ يردي بنيرانه الشابّ عمر البدوي (22 عامًا) حين تقدّم ليخمد نيرانًا اشتعلت خلال مواجهات بين جنود وفتيان

في يوم الإثنين الموافق 11.11.19 نحو السّاعة 8:00 صباحًا قام بضع عشرات من الأطفال والفتيان في مخيّم العروب للّاجئين الواقع شمال مدينة الخليل بإلقاء الحجارة نحو شارع 60 الذي يمرّ في جوار المخيّم. حدث ذلك كجزء من مظاهرات جرت في ذكرى مرور 15 عامًا على وفاة ياسر عرفات. ردًّا على رشق الحجارة أطلق نحوهم جنود ينتشرون عند مدخل المخيّم قرب البرج العسكريّ الأعيرة المعدنيّة المغلّفة بالمطّاط وقنابل الغاز المسيل للدّموع وألقوا قنابل الصّوت. قرب السّاعة 10:30 انتقل جزء من الأطفال والفتية إلى داخل المخيّم والجنود يطاردونهم ويواصلون إطلاق قنابل الغاز والرّصاص "المطّاطيّ" وإلقاء قنابل الصّوت.

عمر البدوي. صورة قدّمتها الأسرة مشكورة

وقف عدد من الأطفال والفتية قرب أربعة منازل تعود لعائلة البدوي ومن هناك رشقوا الحجارة نحو الجنود. نحو السّاعة 12:00 أطلق أحد الجنود نحوهم قنبلة غاز وقعت في الممرّ بين المنازل. حين تسرّب الغاز إلى داخل المنازل انتقل عمر البدوي (22 عامًا) وأربعة من أفراد عائلته إلى منزل عمّهم نور (29 عامًا) الواقع خلف منزلهم.

بعد مضيّ وقت قصير وحيث كان الغاز قد تطاير خرج نور وعمر البدوي من المنزل ووقفا في الممرّ. في ذلك الوقت ألقى بضعة فتيان من زقاق قريب زجاجات حارقة نحو الجنود الذين أطلقوا بدورهم طلقات متواصلة من الرّصاص الحيّ في الهواء. زجاجة حارقة واحدة على الأقلّ كانت قد ارتطمت بواجهة منازل عائلة البدوي فاشتعلت النّار بنبتة متسلّقة وسلك كهرباء. أصابت النار الصحفيّ عبد الرحمن حسن الذي كان يقف في زقاق قبالة المنزل وحين دعاه عمر البدويّ للانتقال إلى الممرّ فعل ذلك وواصل توثيق الأحداث من هناك.

أراد عمر البدوي إخماد الحريق. يظهر عمر في شريط فيديو وهو يقف في الممرّ وفي يده منشفة ثمّ يتقدّم رويدًا رويدًا نحو واجهة المنازل وهو يلوّح بيديه للجنود ليشير لهم أنّه يتقدّم. عندما وصل عمر البدوي إلى مدخل الممرّ أطلق عليه النّار جنديّ يقف في منحدر الشارع وأصابه في صدره.

حين تقدّم من عمر عدد من الأهالي وصحفيّون وأقارب ونقلوه من المكان أخذ الجنود يلقون قنابل الصّوت نحو المنطقة. تمّ نقل عمر في سيّارة خاصّة إلى عيادة في المخيّم تابعة لوكالة الغوث وبعد رُبع ساعة تقريبًا نُقل من هناك في سيّارة إسعاف إلى المستشفى الأهلي في الخليل. بعد مضيّ ساعة على وصوله إلى المستشفى أعلن الأطبّاء وفاته.

سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش إفادات عدد من سكّان المخيّم ومن صحفيّين ممّن غطّوا الأحداث في المكان وشهدوا بأعينهم إطلاق النّار على عمر البدوي.

 

 

أحد أقارب عمر واسمه طارق البدوي (25 عامًا) وهو طالب جامعيّ يدرس الاتّصالات والصّحافة كان يتابع الأحداث من نافذة منزله. في إفادة أدلى بها في 14.11.19 قال:

طارق البدوي. تصوير موسى أبو هشهش، بتسيلم, 20.11.19

كان هناك أولاد يلقون من حين لآخر الحجارة من الأزقّة الضيّقة ومن خلف المنازل نحو مجموعة جنود كانت تقف على الشارع تحت منزلنا ومنزل قريبنا هيثم البدويّ والد عمر. ردًّا على ذلك ألقى الجنود نحوهم قنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع والرّصاص المطّاطي.

قرب السّاعة 12:00 أطلق الجنود الغاز المسيل للدّموع نحو الممرّ الفاصل بين منزلنا ومنزل هيثم فأغلقت والدتي الباب لئلّا يدخل الغاز إلى المنزل. نظرت عبر النافذة المطلّة غربًا على الشارع ورأيت ما يقارب سبعة جنود في زاوية الشارع وثلاثة جنود آخرون يقفون في زاوية قبالة الزقاق الذي يمرّ أمام منازلنا.

أصابت زجاجة حارقة النافذة التي كنت أقف عندها واشتعلت السّتارة كما اشتعلت نبتة زينة خارج النافذة. أردت الخروج لكنّني سمعت في تلك اللحظة إطلاق رصاص حيّ بكميّات كبيرة طلقات سريعة ومتتالية. منعتني والدتي من الخروج. سمعت عمر عمر يطلب ماءً لإخماد الحريق. فتحت الباب وأطليت برأسي لكي أرى ما الذي يحدث. في تلك اللحظة سمعت طلقة واحدة ورأيت عمر يتدحرج من على الدرج ولم أره بعد ذلك.

صرخت نحو عمر "هل أصبت؟"، لكنّه لم يجبني. خرجت مسرعًا وحينها رأيت عمر ملقًى على الأرض وحوله ثلاثة صحفيّين وإحدى قريباته. كان ينزف من صدره وظهره. حاولت إيقاف النزيف بواسطة المنشفة ثمّ حملناه واتّجهنا جنوبًا ونحن نصرخ ونطلب أن يحضروا سيّارة لإسعاف عمر. كانت إصابته بليغة. بعد أن تقدّمنا بضعة أمتار سمعت انفجار قنبلة صوت قريبًا منّا فأدركت أنّ الجنود عادوا لكي يأخذوا عمر المصاب. حاولنا إدخال عمر إلى أحد المنازل وحينها وصل أحد الجيران بسيّارته فأدخلنا عمر إلى السيّارة وانطلقنا نحو عيادة "الأونروا". في الطريق كان عمر مستلقيًا في حضني وكنت أضغط بركبتي على الجرح في ظهره محاولًا إيقاف النزيف. وصلنا إلى العيادة بسرعة وهناك حاول الأطبّاء والممرّضة معالجته ووقف النزيف. بعد 15 دقيقة وصلت سيّارة إسعاف ونقلته إلى المستشفى الأهلي في الخليل.

النبتة المتسلّقة التي اشتعلت عند نافذة المنزل. تصوير إيال سجيف، بتسيلم، 20.11.19

نور البدوي عمّ عمر وهو متزوّج وأب لولدين ويعمل موظّفًا في كلّية. كان يقف خلف عمر حين أطلقت النار على الأخير. في الإفادة التي أدلى بها يوم 17.11.19 وصف ما حدث كما يلي:

نور البدوي. تصوير موسى أبو هشهش، بتسيلم, 17.11.19

كانت السّاعة قد تجاوزت الـ12:00 ببضع دقائق حين سمعت طلقات رصاص حيّ كثيرة وسريعة ومتواصلة. في ذلك الوقت رأيت نارًا تشتعل في حائط منزل شقيقي هيثم وفي نبتة زينة على نافذة منزل حسين البدوي. سمعت عمر ينادي طالبًا إحضار ماء لإخماد الحريق. كنت أقف خلفه. كان رافعًا بكلتي يديه منشفة جلبها معه ليتّقي أذى الغاز المسيل للدّموع. وقد قال للجنود إنّه يريد إطفاء الحريق. فجأة سمعت طلقة ورأيت عمر يقع ويتدحرج على الدّرج إلى أسفل. هرعت إليه وحملته مع أشخاص آخرين ثمّ تقدّمنا في الشّارع المتّجه جنوبًا. أثناء ذلك سمعت انفجار قنبلة صوت. أردنا تهريب عمر المصاب وحاولنا إدخاله إلى أحد المنازل لأنّنا خشينا أن يحاول الجنود اختطافه من أيدينا. في تلك اللّحظات وصلت سيّارة أحد الجيران ونقلت عمر إلى عيادة "الأونروا" في المخيّم.

المصوّر الصّحفيّ عبد الرّحمن حسن (36 عامًا) جاء من بيت لحم حيث يقيم لكي يغطّي الأحداث. في 18.11.19 أدلى بإفادته أمام موظفة بتسيلم ريمة عيسى حيث قال:

كان الجنود يستعدّون لإطلاق قنبلة صوت وكان يبدو أنّهم يتنظّمون لاعتقال الأطفال الذين كانوا قريبين منهم. فجأة اشتعلت النار في نبتة ملاصقة لمنزل عمر. لا أعرف ما السّبب - ربّما أصابتها زجاجة حارقة أو قنبلة غاز. أصابتني ألسنة النار في رأسي وكتفي وعندها طلب منّي عمر أن أتقدّم نحوه لئلّا أتأذّى أكثر.

عندما وصلت إلى مدخل المنزل أخذ الجنود يطلقون الرّصاص الحيّ. ساد الهدوء للحظة وسمعت الناس يصرخون أنّه يجب إخماد الحريق الذي وصل إلى سلك الكهرباء وعندها رأيت عمر يخرج ومنشفة في يده. أخذ يتقدّم لكي يطفئ النار وهو يشير للجنود أنّ هذا هو كلّ هدفه لكنّ أحد الجنود أطلق عليه النّار فورًا قبل أن يتمكّن من إخماد الحريق. حين أصيب عمر كان يقف في أعلى الدّرج فوقع وتدحرج أربع أو خمس درجات. أخذ أبناء عائلته يطلبون النّجدة لكنّ الناس خافوا الاقتراب بسبب وجود الجنود.

تقدّمت من عمر وحاولت وقف النزيف بواسطة المنشفة. كانت تسيل منه دماء كثيرة ومن تجربتي كمصوّر صحفيّ أدركت أنّه لن يظل على قيد الحياة. حاولنا إسعافه ووزّعنا نحن الصحفيّين المهمّات بيننا - من يواصل التصوير ومن يساعد في إسعاف عمر وإلخ. حين كنّا نحاول أن نساعد عمر أطلق الجنود قنبلة صوت.

الدّرج الذي كان عمر البدوي يقف عند رأسه حين أطلقت عليه النار. تصوير إيال سجيف، بتسيلم، 20.11.19

مرام البدوي شقيقة عمر أدلت بإفادتها أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش يوم 14.11.19 قائلة:

مرام البدوي. تصوير موسى أبو هشهش، بتسيلم, 14.11.19

نحو السّاعة 12:00 توقّف إطلاق النّار لبرهة وعندها سمعت عمر يطلب أن يحضروا ماء. بعد ذلك سمعت طلقة أخرى. خرجت من منزل عمّي نور وألقيت نظرة على الممرّ لكنّني لم أر عمر هناك. صرخت أسأله "هل أصبت؟" لكنّه لم يجبني. خرجت إلى الشارع ولكن لم أر عمر هناك أيضًا. رأيت أناسًا يركضون ويقولون إنّ عمر قد أصيب. بضعة أشخاص كانوا في الشارع يحملون عمر ويتقدّمون به جنوبًا. أخذت أبكي وأصرخ والناس المتجمّعين في الشارع يحاولون تهدئتي وطمأنتي قائلين إنّ إصابة عمر طفيفة.

لم أرَ جنودًا في الشارع لأنّهم انسحبوا بعد إطلاق النار. أمام مدخل منزلنا كانت قد تجمّعت عشرات النساء من الأقارب والجيران.

بعد مضيّ ساعة تقريبًا علمنا أنّ عمر قد فارق الحياة. لم أصدّق! أخذت أصرخ وأبكي والجميع كانوا يبكون. حتى الآن أنا لا أصدّق أنّني فقدت أخي عمر. كلّ ما فعله أنّه وقف عند مدخل المنزل وحاول إخماد الحريق.

جنديّ يطلق النّار عن بُعد ويقتل شخصًا يحاول إخماد حريق شبّ في واجهة منزله. ضمن هذه الملابسات الباطلة المروّعة اللّاأخلاقيّة والمخالفة للقانون قتل الجيش في مخيّم العروب الشابّ عمر البدوي الذي كان يبلغ من العمر 22 عامًا - هكذا عبثًا ودون أيّ مبرّر. لم يكن عمر البدوي ضالعًا في المواجهات أصلًا. ثمّ إنّه كان يتقدّم ببطء متّجهًا من منزل عمّه لكي يخمد حريقًا شبّ في واجهة منزله وهو يشير للجنود ألّا يطلقوا النّار عليه. لم يكن أمام عمر خيار آخر لأنّ النّار كانت ستنتشر وتحرق منزله كلّه أمّا الجنديّ الذي أطلق عليه النار وقتله فقد كان يمكنه التصرّف بطريقة أخرى بل كان من واجبه ذلك.

في البداية نشرت وسائل الإعلام أنّ أحد الجنود "أحسّ بالخطر بسبب قربه من راشقي الحجارة" وبعد ذلك في اليوم نفسه نشرت وسائل الإعلام رواية أخرى تقول إنّ الجنديّ أطلق النار لأنّ عمر البدوي جاء من المنطقة التي "ألقيت فيها زجاجات حارقة حين كان يقف قرب النّار المشتعلة وفي يده منشفة. وقد بيّن الفحص الأوّلي أنّ الجندي ظنّه يحمل زجاجة حارقة ولهذا أطلق عليه النّار".

جاء أيضًا في هذه التقارير الإعلاميّة أنّ "الفحص الأوليّ الذي أجراه الجيش الإسرائيلي [...] يُظهر أنّه لم يشكّل خطرًا على الجنود حين أردوه قتيلًا بنيرانهم وأنّه ما كان ينبغي أن تستخدم القوّة الرّصاص الحيّ". نُشر أيضًا أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة قد باشرت التحقيق. حتّى أنّ بعض أهالي المخيّم أفادوا أمام بتسيلم أنّ محقّقين من الوحدة المذكورة جاءوا إلى المخيّم في اليوم التالي مع الجنديّ المشتبه في أنّه أطلق النّار وأنّ عددًا من أفراد الأسرة أدلوا بإفاداتهم ـأمامهم.

ولكن رغم التعقيب والفحص والتحقيق الذي تتحدّث عنه هذه التقارير تدلّ تجربة سنوات طويلة أنّ هدف التحقيقات ليس سبر غور الحقيقة - وإن تضمّنت خطوات استثنائيّة من قَبيل مجيء محقّقين من الشرطة العسكريّة إلى موقع الحادثة. إنّها تحقيقات تجري ضمن عمليّة طمس الحقائق التي تديرها النيابة العسكريّة. من هنا فهي لن تؤثّر على سياسة إطلاق النّار وليس فيها ما يردع عناصر قوّات الأمن عن إطلاق النيران الفتّاكة وغير المبرّرة على الفلسطينيّين - كما في هذه الحادثة. بالنظر إلى ذلك فإنّ المسؤوليّة عن مقتل عمر البدوي لا يتحمّلها وحده الجنديّ الذي أطلق النّار وقتله وإنّما يشاركه فيها من يتيحون إفلات المتورّطين من العقوبة وبالتالي مواصلة إطلاق النيران تكرارًا دون حسيب أو رقيب.

مستجدات:
في 11.11.19 شرت وسائل الإعلام أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة قد باشرت التحقيق.

الموقع:

آخر الفيديوهات