Skip to main content
مرة مشاهدة: 4,274

"التحذير" القاتل: مقتل فتييْن في سنّ الـ14 بفعل صاروخ في إطار سياسة "اقرع السطح" على مبنًى في مدينة غزّة

في 14.7.2018 نحو الساعة 18:00 أطلق سلاح الجوّ الإسرائيليّ أربعة "صواريخ تحذيرية" (في إطار سياسة "اقرع السطح") على مبنى الكتيبة غير مكتمل البناء غرب مدينة غزّة وأعقب ذلك مباشرة إطلاق أربع ...
قراءة المقال كاملاً العودة إلى وضع الفيديو

"التحذير" القاتل: مقتل فتييْن في سنّ الـ14 بفعل صاروخ في إطار سياسة "اقرع السطح" على مبنًى في مدينة غزّة

في 14.7.2018 نحو الساعة 18:00 أطلق سلاح الجوّ الإسرائيليّ أربعة "صواريخ تحذيرية" (في إطار سياسة "اقرع السطح") على مبنى الكتيبة غير مكتمل البناء غرب مدينة غزّة وأعقب ذلك مباشرة إطلاق أربع قنابل. كان ذلك ضمن جولة هجمات نفّذها الجيش في قطاع غزّة في أعقاب إطلاق قذائف باتجاه بلدات إسرائيليّة وجَرح ضابط إسرائيلي جرّاء قنبلة يدوية ألقاها فلسطينيون. زعم الجيش أنّ المبنى المستهدف استخدمته حركة حماس للتدريبات بما في ذلك تدريبات داخل نفق حُفر تحت المبنى. أجرت بتسيلم و-Forensic Architecture تحقيقًا مشتركًا حول الحدث والبيان الذي نشره الجيش على أثره.

توجد في جوار المبنى حديقة عامّة تُستخدم في هذه الساعات كحديقة ألعاب للأطفال ومكان ترفيه للأسَر. قُتل الفتَيان لؤي كحيل وأمير النمرة البالغان من العمر 14 عامًا، اللّذان صعدا إلى سطح المبنى المكوّن من خمسة طوابق قبل ذلك بوقت قصير وجلسا على حافته، قُتلا بفعل "الصاروخ التحذيري" الأول.

 

أثناء القصف كان عبد الغني روقة المصوّر في قناة تلفزيون القدس (39 عامًا من سكّان خان يونس) قرب المبنى في خضمّ استعدادات لتصوير حلقة من برنامج تلفزيونيّ. في إفادته أمام الباحث الميداني لبتسيلم محمد صبّاح يوم 15.7.2018 قال:

نظرًا للتصعيد وقصف سلاح الجوّ الإسرائيلي لقطاع غزّة قرّرنا نقل موقع تصوير الحلقة الأخيرة في دوّار الكتيبة من الجزء الشرقيّ لمدينة غزّة إلى الجزء الغربيّ حفاظًا على سلامة أعضاء الطاقم وضيوف الحلقة. دوّار الكتيبة مكان ترفيهيّ ترتاده العائلات والأولاد ويجوبه الباعة المتجوّلون. كان من المفترض أن نبدأ البث في الساعة السادسة مساءًا. قبل بدء التصوير جلسنا في دوّار الكتيبة وكنّا نشاهد الأطفال يلعبون ويمرحون، بعضهم على المراجيح وبعضهم الآخر على منشآت لعب أخرى وكانت هناك بعض العائلات أيضًا. فجأة قبل بدء تسجيل البرنامج بعشر دقائق سمعنا ضجيج قصف وانفجار في موقع قريب منّا. حملت الكاميرا خاصّتي وأسرعت نحو الموقع. التقيت عددًا من الشبّان عند مبنى الكتيبة وأخبروني أنّ هناك شهيدان على السّطح وأنّ أحدًا ما يقوم الآن بتصويرهما. صوّبت الكاميرا إلى هناك فشاهدت فتييْن جالسيْن متلاصقين وبدا كأنّ أحدهما يُسند الآخر. صوّرتهما من مكاني تحت أسفل المبنى وبقيت هناك لعدّة دقائق خوفًا من سقوط صاروخ آخر. بعد ذلك صعدت إلى سطح المبنى أنا والشبّان المذكورين. حين رأيت الفتييْن المصابين اتّصلت بمركز 101 واستدعيت الإسعاف. لم يحمل الشبّان الفتييْن خشية على حياتهما وبقيت أنا لكي أصوّر. فجأة سقط "صاروخ تحذيري" على السطح بالقرب منّا. هربنا بسرعة نحو بيت الدّرج وصرخنا بالشبّان قائلين لهم أن ينزلوا الفتييْن. بعد إنزال الفتييْن تمّ نقلهما إلى مستشفى الشفاء. ثمّ سقط صاروخ ثالث تحت مبنى الكتيبة.

Thumbnail
مبنى الكتيبة غداة الهجوم. تصوير محمد صباح، بتسيلم، 15.7.18

حسن راضي (24 عامًا) بائع متجوّل يبيع المشروبات السّاخنة في منطقة دوّار الكتيبة. في ذلك اليوم وصل إلى المنطقة نحو الساعة 11:00. في إفادة أدلى بها يوم 31.7.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم محمد صباح وصف حسن الأحداث هناك في ذلك اليوم:

منذ ساعات الصباح وحتى الساعة 15:00 تتواجد في باحة الأزهر المجاورة لمبنى الكتيبة أعداد كبيرة من الطلّاب الجامعيّين والسيّارات والباصات وأيضًا في باحة الكتيبة. لاحقًا وبعد الساعة 17:00 يبدأ الشبّان في تركيب المراجيح وألعاب القفز التي أحضروها. وعندها تبدأ العائلات في الوصول مع الأولاد للتنزّه واللّعب وقضاء الوقت في الهواء الطلق والمساحات الخضراء. تُحضر العائلات معها الطعام والشراب. وهناك من يأتون إلى هذا المكان هربًا من الحرارة الشديدة في منازلهم التي لا يمكن تهوئتها بسبب انقطاع الكهرباء. أنا آتي للعمل هناك يوميًّا مع عربتي. أصل في السّاعة 11:00 ظهرًا وأغادر في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.

نحو الساعة 17:00 تواجد عدد قليل من العائلات إلى باحة الأزهر. وكانت هناك مراجيح وألعاب القفز. لم تصل عائلات كثيرة لأنّ الطقس كان حارًّا جدًّا. عادة تأتي العائلات بعد الساعة 18:00. بينما كنت أجلس قرب عربتي المتوقفة قبالة مبنى الكتيبة رأيت صغارًا يلعبون أسفل المبنى وبضمنهم فتَيان كانا يلتقطان صور "سيلْفي". فجأة سمعت صوت انفجار رأيت دخانًا يتصاعد من الجزء العلويّ لمبنى الكتيبة من الطابق الخامس. عندما نظرت إلى المبنى رأيت شخصين على سطح المبنى. ركضت باتجاه المبنى وجاء شبّان آخرون ومصوّر تلفزيون القدس. صعدت فوجدت الفتييْن اللّذين تصوّرا من قبل أسفل المبنى. وجدناهما متجاورين ومضرّجين بدمائهما. بعض الشبّان سحبوهما من طرف المبنى إلى الداخل على السطح. أنا قمت بالتقاط صور لهما. البعض رفض إنزالهما إلى أسفل وفضّلوا انتظار وصول الإسعاف.

Thumbnail
الباحة المجاورة لمبنى الكتيبة. تصوير محمد صباح، بتسيلم، 15.7.18

فجأة سمعت صوت ارتطام صاروخ آخر من طائرة استطلاع. هرب بعض الشبّان إلى أسفل لكنّني واصلت التقاط صور للفتييْن. بعد ذلك حملوهما وأنزلوهما عبر الدّرج إلى مدخل المبنى ومن هناك إلى سيّارة الإسعاف. ثمّ سقط صاروخ ثالث على الأرض في جوار المبنى. فهمت أنا وبعض الشبّان أنّ هذه "صواريخ تحذيرية" أطلقتها طائرة استطلاع وأنّ على الجميع إخلاء المكان لأنّه سيقصفوا المبنى. أبعدت الناس والشبّان وعدت إلى عربتي الموجودة على بُعد أقل من 150 مترًا من المبنى. كان فرّ الشبّان والعائلات وبقيّة الناس من المكان.

بعد ذلك أطلق عدد من القنابل المتتالية على مبنى الكتيبة. كان الصّوت مدوّيًا وكانت الانفجارات هائلة. تصاعدت أعمدة الدخان وتطاير الغبار والرّكام وتعالت أصوات تفجّر الزجاج. عشنا لحظات كأنّنا وسط زلزال بسبب قوّة الانفجارات والخوف الذي تملّك الناس. بعد أن خفت الدخان والغبار قليلًا تبيّن أن القنابل ألقيت على مبنى الكتيبة وأنّ هناك جرحى من بين سكّان المباني المجاورة. كذلك هُدم جزئيًّا مبنى وزارة الأوقاف ومبانٍ تابعة لجامعة الأزهر.

عدت لأتفحّص عربتي فوجدتها مكسورة والشاي والقهوة و"النسكافيه" قد امتلأت بالغابر والدخان والبارود. أحمد الله أنّي خرجت سالمًا. نظّفت العربة. رجال الأمن أخلوا الناس من المكان خوفًا من قصف آخر قد يأتي أو خوفًا من انهيار المبنى الذي جرى قصفه. منذ ذلك اليوم لا يقترب أحد من المنطقةالذي كان مكانًا لتنزه الأسَر مع أطفالها. أصبح المكان يشكّل خطرًا وهو الآن مهجور وتكسوه رائحة الموت. يصعب تحمّل التواجُد في المكان والناس يخافون من المجيء إليه أو المرور في جواره.

 

والدة أمير النمرة ميسون النمرة (37 عامًا) متزوّجة وأمّ لسبعة أبناء، تحدّثت في إفادة أدلت بها يوم 14.8.2018 أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم ألفت الكرد عن مشاعرها بعد موت ولدها:

بينما كنت في المنزل اتّصلت بي ابنتي دالية - عند الساعة 18:30 تقريبًا وسألتني عن أخيها أين هو لأنّها سمعت عن تفجير قويّ في منطقة الكتيبة. قلت لها: "أخوك وليد في غرفة اللّياقة البدنيّة يرفع الأثقال وأمير ذهب مع صديقه لتناول الغذاء في متنزّه الكتيبة". قالت لي إنّ هناك فتَييْن قد قُتلا. لم تعرف أنّ أخاها أمير أحد الشهيدين.

بعد مضيّ دقيقة واحدة جاءت إلينا أخت زوجي وأرتني صورة أحد الفتييْن اللذين قُتلا جرّاء القصف فميّزت أمير فورًا لأنّه حين خرج كان يلبس بلوزة خضراء وبنطلون "جينس" كحلي. قلت لها" هذا ابني أمير. لقد قتلوه!". كان رأسه مضرّجًا بالدّماء ووجهه أيضًا". توجّهت فورًا إلى مستشفى الشفاء في غزة. قال لي الأطبّاء إنّ أمير جريح وإنّهم يحاولون إجراء عمليّة إنعاش له. أخذت أبحث عنه بين الجرحى وأنا أبكي وأصرخ. بعد ذلك وعند غرفة العناية المكثّفة حيث كنّا أنا وجدّه وأعمامه قال لنا الطّبيب إنّ أمير قد فارق الحياة. توجّهت إلى ثلاجة الموتى وكنت أصرخ وأبكي وأتمنّى في قرارة قلبي أنّ هذا غير صحيح وأنّي سأجد أمير على قيد الحياة وأنّ شخصًا آخر هو الذي قُتل. لم نصدّق ما يحدث لا أنا ولا أبوه.

Thumbnail
ميسون النمرة وملصق يخلّد ذكرى ولدها. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 14.8.18

في ثلاجة الموتى وجدت جميع الأقارب قد تجمّعوا بالقرب من جثمان أمير. كان رأسه ووجهه مغطييْن بالدّماء. ألقيت بنفسي فوقه وأخذت أقبّل وجهه ثمّ أغمي عليّ. عندما استعدت وعيي كنت في المنزل. عدت إلى العويل والنحيب. كنت أصرخ "جيبوا لي أمير. رجّعوا لي أمير. أمير ما مات". كان قلبي يتقطّع حزنًا على صغيري الذي تركته ملقًى في ثلاجة الموتى دون ذنب جناه".

لقد تحوّلت حياتي إلى جحيم بموت أمير. أنا أبكي ليل نهار على ابني الذي قتلوه دون ذنب اقترفه. ما زال صوته يرنّ في أذني وضحكته الفرِحة وابتسامته التي لم تكن تغيب عن وجهه. لقد صبرت كثيرًا لأراه يكبر أمام ناظريّ ثمّ أتت طائرات جيش إسرائيل وقصفته ليذهب هكذا وتموت معه كلّ أحلامه. كان أمير يحبّ كثيرًا أن يلعب كرة القدم رغم أنّه كان لديه ثقب في القلب. كان يحلم أن يصبح معلّم سواقة حين يكبر لكنّهم قضوا عليه وعلى حلمه. وكان يحبّ المدرسة. كان طالبًا متميزًا ومتفوقًا. أخته الصغيرة ملاك البالغة من العمر 5 أعوام دائمًا تسأل عنه.. كلّ يوم تسألني أين أمير فأجيبها "إنّه الآن في الجنّة". إنّني أصلّي لأجله وأدعو له بالرّحمة. فراق أمير صعبٌ عليّ كثيرًا وأنا أطلب من الله أن يصبّرني ويعينني على تحمّل ألم فراق أمير ولدي حبيبي.

كان أمير طفلًا صغيرًا. ما الذي فعله ليقصفه الجيش الإسرائيلي وهو يلعب ويرفّه عن نفسه في متنزّه الكتيبة. كيف فعلوا ذلك بولد مريض وبريء؟ لماذا يقصفون الأولاد بهذه الوحشيّة؟ كان يلتقط لنفسه صور "سيلفي" ولم يكن في يده سلاح يهدّد به الجيش الإسرائيلي.

مها كحيل (34 عامًا) والدة لؤي كحيل ومدرّسة في مدرسة وكالة الغوث، متزوّجة وأمّ لخمسة أبناء، سردت في إفادتها التي أدلت بها يوم 14.8.2018 أمام الباحثة الميدانيّة لبتسيلم ألفت الكرد ما يلي:.

عندما وصلت إلى مستشفى الشفاء سمعت الطبيب يقول لأحد الأقارب إنّ لؤي وأمير موجودان في ثلاجة الموتى. توجّهت إلى هناك فورًا وطلبت من رجال أمن المستشفى فتح باب الثلّاجة لكي أودّع ابني. عندما دخلت ورأيت لؤي لاحظت دماء تسيل من أذنيه. كان مصابًا بشظية قرب أذنه اليسرى وشظايا أخرى في منطقة الظهر. احتضنته وأخذت أقبّله. طلبت من الله أن يغفر له ويرحمه ويسهّل طريقه. قلت له "يا ربّ لؤي الآن عندك. دير بالك عليه".

لم يخطر في بالي أبدًا أنّ لؤي سوف يموت وأنّني سأفترق عنه. إنّها لحظات صعبة جدًا لكنّه قدر الله وأمرُه ولا رادّ لقضاء الله.

Thumbnail
مها كحيل وملصق يخلّد ذكرى ولدها وصديقه. تصوير محمد صباح، بتسيلم، 5.12.18

ماذا فعل لهم لؤي؟ لؤي كان يحبّ صديقه أمير كثيرًا وكان يقضي الوقت معه دائمًا يتنزّهان ويرفّهان عن نفسيهما لأنّ أمير يعاني ثقبًا في القلب. كلّ ما في الأمر أنّه صعد مع صديقه لكي يلتقطا صور "سيلفي" على سطح مبنى الكتيبة لكن جيش إسرائيل اغتال طفولتهما وقضى على فرحة حياتهما وهما يلتقطان صورة لنفسهما. لقد صعد إلى جوار ربّه دون أن أتمكّن من وداعه أو التحدّث إليه. غابت بسمته وضحكاته. لن أسمع صوته يناديني "يا أمّي" بعد الآن. لقد ذهب لؤي ولن يعود إليّ ثانية.

أنا مصدومة تمامًا منذ استشهاد طفلي. كم يصعب عليّ تحمّل هذا الفراق كلّي شوق إليه. اشتقت إليه كثيرًا كيف لي أن أنساه. كان أملي أن يكبر لؤي ويكمل تعليمه الأكاديمي في الخارج لكنّ أحلامي تبدّدت بموته. كان يريد أن يصبح لاعب كرة قدم محترف وأن يلعب مع فرق شهيرة. لقد انتهت حياتي بموته. الحياة أصبحت دون طعم. قلبي جريح ويملؤه الحزن والألم. كان لؤي كلّ شيء جميل في حياتي. كان يساعدني دائمًا. بل هو كان صديقي. لا أصدّق أنّه تركني هنا وذهب. أتساءل ولا أستوعب: "كيف لن أرى لؤي يذهب مع أصدقائه إلى المدرسة مع بدء السنة الدراسية بعد أسبوعين؟". أدعو الله أن يتغمّده برحمته ويلهمني الصّبر. كلّ يوم أنهار من جديد بسبب فراقه إنّه فراق صعب جدًّا.

Thumbnail
من اليمين إلى اليسار: أمير النمرة ولؤي كحيل في صورة "سيلفي" التقطاها قبل الهجوم بالضبط. صورة قدّمتها العائلة مشكورة.

كان يُفترض أن يصبح مبنى الكتيبة مكتبة عامّة لدى إتمام بنائه وقد كان قيد الإنشاء بل في مراحل متقدّمة من إنشائه. أطلقت عليه طائرات سلاح الجوّ الإسرائيلي أربعة "صواريخ تحذيرية": أصاب اثنان منها سطح المبنى وسقط الأخير عند أسفله وفورًا بعد ذلك أطلقت الطائرات أربع قنابل ألحقت بالمبنى أضرارًا بليغة. قُتل الفتَيان لؤي كحيل وأمير النمرة البالغان من العمر 14 عامًا جرّاء إطلاق "الصاروخ التحذيري" الأوّل حين كانا يجلسان على سطح المبنى. وقد بلغت حصيلة المصابين من بين السكّان في عمليّة القصف كلّها 23 جريحًا جاءت إصاباتهم طفيفة. كما تسبّب القصف بأضرار لمبانٍ مجاورة كثيرة من بينها مسجد ومكتب وزارة الأوقاف ومركز للإسعاف الأوّلي تابع لوزارة الصحّة ومبانٍ سكنيّة و"قرية الفنون والحرف" المجاورة لمبنى الكتيبة.

نشر الجيش في أعقاب الهجوم شريط فيديو يوثّق القصف على موقع "تويتر" (idfspokesperson@)، يظهر فيه إطلاق أربعة صواريخ تحذيرية تبدو مختلفة نظريًا.

من جهة ثانية رصدت القصف كاميرات الحراسة المثبتة على بنايات مجاورة كما جمع باحثو بتسيلم الميدانيّون تسجيلات أخرى وثّقت الهجوم. إضافة إلى ذلك اطّلعت بتسيلم على مقاطع مسجّلة نُشرت على صفحات التواصل الاجتماعي ومنابر جماهيريّة أخرى. اعتمدت منظّمة Forensic Architecture هذه الموادّ كلّها لكي تعيد بناء التسلسُل الزمنيّ للهجمات.

أظهر التحقيق أنّ الشريط المصور الذي نشره الناطق بلسان الجيش قد حُذف منه مشهد إطلاق الصّاروخ النحذيري الأوّل ونتائجه الفتّاكة واستبدله بمشهد إطلاق أحد "الصواريخ التحذيرية" الثلاثة الأخرى والذي جرى تصويره من زاوية مغايرة. بذلك يُظهر الشريط وكأنّه يعرض فعليًّا تسلسُل إطلاق الصواريخ التحذيرية الأربعة غير أنّ هذا التسلسل لا يطابق الواقع: ما يبدو أنّه إطلاق الصّاروخ التحذيري الأوّل هو عمليًّا إطلاق الصّاروخ التحذيري الثالث ولكنه مصوّر من زاوية أخرى.

خبراء الذّخيرة الذين استشارتهم مؤسستا Forensic Architecture وبتسيلم، توصّلوا كلّ على انفراد إلى نتيجة مفادها أنّ نمط التشظية في المشهد الفتّاك يدلّ على أنّ الصاروخ احتوى شظايا وهي ذخيرة تُستخدم لزيادة قوّة الضربة. هذه الحقيقة تكذّب مزاعم الجيش بأنّه أطلق الصّواريخ بهدف التحذير فقط.

استخدام الجيش الإسرائيلي لـ"الصواريخ التحذيرية" استباقًا للقصف لهو أمر باطل. هدف الصواريخ التحذيرية الحقيقي تحذير المواطنين قبل شنّ الهجوم وإفساح المجال لهم ليبتعدوا عن المكان المستهدّف - وهو من واجب الجيش بمقتضى أحكام القانون الإنسانيّ الدوليّ. إنّ إطلاق صاروخ على سطح مبنًى لا يمكن اعتباره تحذيرًا بل هو بكلّ وضوح جزء من الهجوم نفسه. لا يتمكّن المواطنون دائمًا من فهم ما يجري وهُم أصلًا لا يعرفون كم من الوقت لديهم لينجوا بأنفسهم. وحتى الجيش نفسه لا يمكنه أن يعرف هل تدبّر المواطنون أمرهم وتمكّنوا من الفرار بقضّهم وقضيضهم أم لا. هذا فضلًا عن أن القصف بـ"الصواريخ التحذيرية" نفسه يمكنه أن يكون فتاكًا كما في هذا الحدث.

وحتى لو صحّت مزاعم الجيش بأنّ المبنى كان يُستخدم لتدريب عناصر الذّراع العسكريّة لحركة حماس وعليه فمن اشرعيّ استهدافه بصفته مبنًى عسكريًّا، يظل من غير المعقول قصف المبنى في ساعة يعجّ فيها بالمواطنين والعائلات مع أولادها علمًا أنّ هناك ساحة مجاورة للمبنى مليئة بألعاب الأطفال. إنّها أمور أساسيّة ولا بدّ أنّ على الجيش معرفتها سلفًا أو أثناء العمليّة بكلّ تأكيد حيث تواجد المدنيّين في محيط المبنى وبأعداد كبيرة كان مرئيًّا بوضوح فكم بالحريّ بواسطة أجهزة الاستطلاع التي يمتلكها سلاح الجوّ. علاوة على ذلك كان من السّهل جدًّا على الجيش أن يلاحظ وجود المدنيّين (الفتييْن) على سطح المبنى.

قصف المبنى ضمن الملابسات المذكورة أعلاه يفضي إلى استنتاجات خطيرة: فإمّا أنّ أجهزة الاستطلاع والمراقبة التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي وضعها سيّئ للغاية بحيث عجزت عن ملاحظة الوجود المتكرّر والمكثّف للمواطنين قرب مبنى الكتيبة - وفي هذه الحالة لا يستطيع الجيش تخمين مدى "الأضرار الجانبيّة" المتوقّع أن تطال المدنيّين الأبرياء وبالتالي لا يمكنه التأكّد من أنّه يشنّ الهجوم مع استيفاء شرط التناسب (بمقتضى القانون الدولي). وإمّا أنّ الجيش كان يعرف عن وجود المواطنين في محيط المبنى واختار القصف تحديدًا أثناء وجودهم في جواره (وفعليًّا فوقه أيضًا) بكلّ ما يعنيه ذلك من تعريض المدنيّين للخطر دون أيّ اكتراث لحياتهم. ونؤكّد أنّ المسّ بالمدنيّين كان نتيجة متوقّعة سلفًا في كلتا الحالتين.

هذه الممارسات ليست سوى استمرار للسياسة التي اتّبعتها إسرائيل خلال "حملة الجرف الصّامد": سياسة إطلاق النار والقصف الجوّي لمناطق مكتظّة بالسكّان. نتيجة لتطبيق هذه السياسة قُتل على الأقلّ 1055 فلسطينيًّا في حين لم يشاركوا في أعمال القتال - أي ما يقارب نصف الفلسطينيين الذين قُتلوا خلال الحرب ومن بينهم 405 أطفال و229 امرأة. لقد أصرّت إسرائيل على الادّعاء بأنّ سياستها هذه لا تخالف القانون لكنّه ادّعاء باطل من أساسه: بدءًا بالتأويل غير المعقول لتعريف "الهدف الشرعيّ" مرورًا بإفراغ مبدأ "التناسُب" من أيّ معنى وانتهاءً بتطبيق أداتيّ شكليّ لمطلب الحيطة والحذر وضمن ذلك التجاهل الواضح للنتائج الفتّاكة الناجمة عن تطبيق هذه السياسة بما في ذلك مقتل عائلات بأكملها. لقد واصلت إسرائيل تطبيق هذه السياسة طيلة أسابيع خلال "حملة الجرف الصّامد" مستهدفةً المنازل منزلًا فمنزلًا والعائلات أسرةً وراء أسرة. لم يحاسَب أحد على ذلك ولا يزال كبار المسؤولين السياسيّين والعسكريّين يدافعون عن هذه السياسة. اليوم بعد مضيّ أربع سنوات على تلك الحملة تطبّق إسرائيل السياسة نفسها وتجني النتائج الفتّاكة: مقتل فتييْن في الـ14 من عمرهما.

 

Thumbnail
المسجد الذي تضرّر جرّاء الهجوم. تصوير محمد صباح، بتسيلم، 15.7.18
Thumbnail
"قرية الفنون والحرف" التي تضرّرت جرّاء الهجوم. تصوير محمد صباح، بتسيلم، 15.7.18

آخر الفيديوهات