Skip to main content

لا تشبك إنما تفصل: الإدارة المدنيّة صادرت ألواحًا شمسيّة وفّرت الكهرباء لقرية فلسطينية قديمة ترفض إسرائيل ربطها بشبكة الكهرباء

قرية جب الذيب والألواح الشمسية التي ركبتها في الموقع منظمة كوميت-مي، قبل مصادرتها. تصوير: جاي بوتبيا، تعايش، 9.3.17 تأسست قرية جب الذيب في عام 1929 جنوب شرق بيت لحم وحاليًا يعيش فيها حو...
قراءة المقال كاملاً العودة إلى وضع الفيديو

لا تشبك إنما تفصل: الإدارة المدنيّة صادرت ألواحًا شمسيّة وفّرت الكهرباء لقرية فلسطينية قديمة ترفض إسرائيل ربطها بشبكة الكهرباء

قرية جب الذيب والألواح الشمسية التي ركبتها في الموقع منظمة كوميت-مي، قبل مصادرتها. تصوير: جاي بوتبيا، تعايش، 9.3.17
قرية جب الذيب والألواح الشمسية التي ركبتها في الموقع منظمة كوميت-مي، قبل مصادرتها. تصوير: جاي بوتبيا، تعايش، 9.3.17

تأسست قرية جب الذيب في عام 1929 جنوب شرق بيت لحم وحاليًا يعيش فيها حوالي 160 نسمة. في الماضي عاش السكان على الزراعة ورعي الغنم، لكن اليوم يعتمدون في مصدر رزقهم على عمل الشباب في إسرائيل. عدا عن منازل السكان، توجد في القرية محلّ بقالة، مخيطة، مسجد وروضة أطفال. تزور القرية عيادة متنقّلة مرة في الأسبوع.

إسرائيل لا تُنكر قانونية القرية لكنها -على غرار تعاملها مع القرى الفلسطينية الأخرى في المناطق C - ترفض إعداد مخطط هيكليّ لها. وقد رفضت إسرائيل المخطط الذي أعده المجلس المشترك التابع لجب الذيب وقرية زعترة المجاورة: بدءا من سنوات الثمانينات توجه السكان عدة مرات إلى الإدارة المدنية وطالبوها بربطهم بشبكة الكهرباء غير أن جميع طلباتهم رفضت بذريعة عدم توفر مخطط هيكلي للقرية.

في عام 2009 اشترى السكان ثلاثة مولّدات كهرباء بتمويل من السلطة الفلسطينية لكنها توفّر الإضاءة فقط، ولمدّة ثماني ساعات طيلة الليل. في الوقت نفسه، توجّه السكان إلى عدّة منظمات إنسانيّة وطلبوا مساعدتها في شراء ألواح شمسيّة لتحسين إمداد الكهرباء للقرية والتوقف عن الاعتماد على المولّدات، التي يرتبط تشغيلها بتكاليف شراء وقود باهظة وبإحداث ضجيج هائل.


تصوير: حنين الوحش، جاي بوتبيا، منال الجعبري

بتاريخ 28.11.16 وضعت المنظمة الإسرائيلية-الفلسطينية كوميت-مي 96 لوحًا شمسيًا في القرية، بتمويل من حكومة هولندا، وحظي السكان لأوّل مرة بإمداد الكهرباء على مدار الساعة.

بتاريخ 28.6.17 زهاء الساعة 7:30 صباحًا، وصلت قوات من الجيش والإدارة المدنيّة إلى القرية. نصب الجنود حاجزًا عند المدخل الرئيسي للقرية ومنعوا الدخول اليه والخروج منه. توجّهت بقية القوات إلى المكان الذي توجد فيه الألواح الشمسيّة وشرعت في تفكيكها وتحميلها في شاحنة سحب. كما صادرت القوات معدّات إلكترونية من غرفة الكهرباء.

عندما أوشكت القوات على مغادرة القرية توجه إليهم رئيس القرية، إبراهيم الوحش، واستفسر عن سبب مصادرة الألواح. أحد رجال الإدارة المدنيّة سلّمه أمرين بوقف العمل، الأول عن غرفة الكهرباء والثاني عن المنصات التي تُنصب فوقها الألواح الشمسيّة. كما سلمت القوات رئيس المجلس أمرين بمصادرة معدات، يتعلقان بالألواح الشمسيّة ال-96 وأربع لوحات كمبيوتر و- 12 سبيكة في لوح الكهرباء. لم يتم تسليم أي أمر من هذه الأوامر للسكان قبل ذلك.

تُنفد إسرائيل منذ عشرات السنين سياسة تنكيل منهجية تهدف إلى تمرير حياة السكان الفلسطينيين في أجزاء واسعة من الضفة، بهدف الدفع بهم إلى مغادرة أماكن سكناهم. لهذا الغرض تستعمل إسرائيل بصورة رسمية أدوات قانونية وتنظيمية منحتها لنفسها، وهكذا، تحت رعاية "فرض القانون" تتبع سياسة قاسية لا تُعتبر في ماهيتها أخلاقية ولا قانونية. وليس هذا فقط: لا يقتصر الأمر على تنصل إسرائيل منذ عقود من المسؤولية عن حياة السكان في جب الذيب وبلدات أخرى متواجدة في مناطق C، ولا توفّر لهم كافة الخدمات، بل وعندما تُقدم هذه الخدمات للسكان بفضل المنظمات الإنسانية، الكرم الدولي والقيادات المحلية، تصل القوات التابعة للدولة إلى الموقع للمصادرة أو الهدم - مرة أخرى باسم القانون - المعدات الأساسية التي تتيح للسكان العيش الإنساني.

في الإفادات التي أدلى بها السكان للباحثين الميدانيين في بتسيلم منال الجعبري وموسى ابو هشهش، الذين زاروا القرية بتاريخ 28 و-29 حزيران، تطرقوا إلى تبعات المصادرة على حياتهم:

نعمة الوحش، 32 عامًا، متزوجة وأم لخمسة أولاد، صاحبة محل البقالة الوحيد في القرية، وصفت لحظات ما بعد مصادرة الألواح وتأثير المصادرة على حياتها:

نعمة الوحش، الصورة بلطف منهاقبل عامين، تقدمت بطلب لصندوق مساعدة المزارعين في بيت لحم، وذلك لكَي يساعدوني على فتح محلّ بقالة صغير في قرية جب الذيب لتوسيع دخلي ودخل زوجي، الذي يعمل عاملاً في إسرائيل. حصلتُ على دعم بقيمة ألف يورو وأسّستُ البقالة. رويدًا رويدًا طوّرتُ هذه المصلحة. أبيع المواد الغذائية والمنتجات الضروريّة لأهل القرية مثل الأدوات المنزلية، مواد التنظيف وغيرها. اشتريت أيضًا ثلاجات لمنتجات الألبان، البوظة والمشروبات وغيرها من المنتجات التي تتطلب التبريد أو التجميد.

يوم عملية المصادرة كنتُ أجلس في مدخل المحلّ وبدأت أبكي وأسأل نفسي ماذا سأفعل. استثمرتُ 500 شيكل لشراء البوظة للعيد ولم أبع منها حتى الآن شيئًا، وفي الثلاجات كانت منتجات الألبان والخضار المجمّدة. اضطررتُ إلى إخراج كل البوظة والمنتجات المبردة والمجمدة الأخرى ونقلها إلى قرية زعترة المجاورة. بعتُ هناك كلّ ما تمكّنت من بيعه بنصف السّعر للمحلات المختلفة في القرية.

قطع الكهرباء عن المنزل وعن محل البقالة يضرّ بشكل مباشر بمصدر رزقنا وبحياتنا اليوميّة. أولادي تعوّدوا على قضاء العطلة الصيفية وشهر رمضان أمام التلفزيون والآن يلعبون مجددًا في الخارج في الحرّ الشديد. لا أستطيع إقناعهم بالمكوث في المنزل لأنّهم لا يفعلون شيئًا في الداخل بدون تلفزيون وبدون انترنت. كما أنني سأضطرّ إلى البدء ثانية بغسل الملابس يدويًا.

لا أدري كيف سنعيش مرة أخرى بدون مراوح في ظلّ الحرّ الشديد. أحزنتني رؤية الأولاد البارحة يشعرون بالملل ويجدون صعوبة في الخلود إلى النوم ليلاً بسبب الحرّ.

لا أرى أي مبرر لقطع الإسرائيليين الكهرباء عن قريتنا، وحرماننا من حقوقنا الأساسيّة في الحياة. يريدوننا أن نعود إلى الحياة البدائيّة. أراد لنا القدر أن نعيش في قرية بعيدة ومعزولة، وأتمنى أن يأتي اليوم الذي أتمكّن فيه من الحياة في مكان آخر، فيه بنية تحتيّة كهربائيّة ثابتة. ليس لدينا خيار سوى الانتظار والأمل بأن يعيدوا لنا الألواح الشمسية وأن تعود الحياة والكهرباء إلى القرية.

حنين الوحش، 20 عامًا، طالبة في مجال الفنون والتصوير وتحرير الأفلام، روت في إفادتها عن تأثير مصادرة الألواح على حياتها:

حنين الوحش. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم. 29.6.17.قبل سبعة أشهر ربطوا قريتنا بالكهرباء بشكل دائم عن طريق الألواح الشمسية. هذا الأمر ساعدني لأنّ إمداد الكهرباء هو أمر ضروري لدراستي ولاستخدام الكمبيوتر. حتى ذلك الوقت كنتُ أضطرّ للبقاء في الكلية حتى وقت متأخر مساءً، وأحيانا حتى ساعات الليل المُتأخرة لغرض استخدام الكمبيوتر. لذلك، فرحتُ كثيرًا عندما ربطوا منزلنا بالكهرباء.

بعد توصيل الكهرباء تمكّنت من العمل في المنزل على الكمبيوتر وتشغيل المروحة في ساعات الحرّ. قضيتُ ساعات في الدراسة في المنزل وأعددت الوظائف وحمّلتُ الصور ومقاطع الفيديو.

عمومًا، تحسّنت جودة الحياة في المنزل - اشترينا ثلاجة وغسالة. حتى ذلك الوقت عملت أمّي بجهد لغسل الملابس يدويًا وعانت من هذا الأمر. بدأنا أيضًا بمشاهدة التلفزيون معًا كعائلة، والتصفّح في الانترنت.

كنا سعداء جدًا، حتى يوم أمس الموافق 28.6.17، حين وصلت قوات من الإدارة المدنية والجيش وقامت بتفكيك الألواح الشمسيّة وتركت القرية بدون كهرباء. رأيتُ ما يحدث وحاولت تصوير ما فعلوه، لكنّ أحد الجنود ضايقني لذا فقد تمكّنتُ فقط من تصوير جزء من الحدث.

بعد أن فككوا الألواح الشمسية كنت في حالة صدمة. خاب أملي كثيراً. فكرت بمعاناة عائلتي لسنوات بسبب النقص في الكهرباء وكيف قضينا الليالي في ظلام دامس، وكيف كنا نعيش في الحرّ الشديد بدون مراوح. الأسوأ من ذلك كله، كيف سأضطرّ مجددًا للبقاء حتى ساعة متأخرة في الكليّة لأتعلّم ولأحضر الوظائف وأجد طريقة للعودة إلى قريتي البعيدة، التي لا توجد وسائل نقل عمومية إليها.

الآن سأعاني من الصعوبة مرة أخرى، لا أدري ماذا سأفعل حتى أنهي دراستي، أي في العام القادم.

رأيت غضب سكّان القرية وقلّة حيلة الجميع ويأسهم. في عدّة ساعات أعادونا إلى الماضي. لا أفهم لماذا يحدث هذا لنا، يحقّ لنا كبشر أن نحصل على الكهرباء مثل الجميع. لا أفهم كيف إمداد قريتنا بالكهرباء على الدوام يهدد أمن دولة إسرائيل.

أحد أصعب الأمور بالنسبة لي هو أنني لا يمكنني استخدام الهاتف الذكي بشكل ثابت، لأنني لا أجد وسيلة لشحنه. لا أعرف كيف سأنجح في الخلود للنوم بدون مروحة في هذا الحرّ، الذي يزداد كلّ عام. لا يتوفّر لدينا حتى الماء البارد للشرب في الحرّ. أشعر بالإحباط، قلّة الحيلة والحزن لما يجري، وآمل أن يعود إمداد الكهرباء إلى قريتنا في أسرع وقت ممكن.

عمار الوحش، 45 عاما، متزوج وأب لخمسة، كهربائي، روي في إفادته:

هذه هي المرة الأولى التي تحظى فيها القرية بإمداد الكهرباء على مدار الساعة. حتى هذا الإمداد كان مقتصرًا على الإضاءة وتشغيل أجهزة الكهرباء المنزلية العادية مثل الثلاجات والغسالات وغيرها. لم يكف هذا الإمداد لتشغيل أجهزة تطلق حرارة عالية، مثل أفران التدفئة والخبيز وحتى المكاوي. ومع ذلك، كنا سعداء أنّه على الأقلّ كان لدينا إمداد كهرباء على الدوام. تحسّنت جودة حياتنا، وتمكن الناس من تشغيل المراوح والغسالات والثلاجات والحواسيب.

من المهم الإشارة إلى أنّ توفير الكهرباء لنا لم يكن مجانًا. كل أسرة دفعت شيكل لقاء كل كيلو واط. الجمعية النسوية في القرية هي من جمعت الأموال وأشرفت على المشروع واهتمت بصيانة الألواح والكوابل وكافة المعدات.

بعد أن نصبوا الألواح ساعدت المنظمات الإنسانيّة السكان في شراء الثلاجات بأسعار رمزيّة وساهمت في حاسوب لروضة الأطفال في القرية. بدأ السكان في شراء أجهزة التلفزيون والحواسيب وارتبطوا بشبكة الانترنت.

المنصات التي أزيلت عنها الألواح الشمسية التي تمت مصادرتها. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم، 29.6.17
المنصات التي أزيلت عنها الألواح الشمسية التي تمت مصادرتها. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم، 29.6.17

آمنة الوحش، 44 عامًا، متزوّجة وأم لخمسة أولاد، ناشطة وواحدة من مؤسِسات الجمعيّة النسويّة في القرية، روت في إفادتها:

ولدت هنا في القرية عندما لم يتوفر فيها الكهرباء. تزوجت وأنجبت الأبناء بدون كهرباء هنا وهكذا مرت الأعوام الأولى من زواجي وأمومتي بنمط حياة بدائي. غسلت يدويًا وقمت بكافة أعمال المنزل بدون أجهزة كهربائيّة. كان الأمر صعبًا للغاية.

قبل نحو عامين أنشأنا جمعية نسائية تسمى "الجمعيّة النسوية" وجنّدنا التبرعات من منظمات المساعدة الإنسانيّة، التي ساعدتنا في إقامة مشروع خياطة للنساء، محل بقالة وروضة أطفال. كما وعملنا مع بقيّة السكان لتلقّي المساعدة في ربط القرية بالكهرباء بواسطة الألواح الشمسيّة.

بتاريخ 28.11.16 حصلنا على الكهرباء من الألواح الشمسيّة لكلّ منازل القرية بما فيها منزلي. مكّنني هذا الأمر من تشغيل ماكنة الخياطة مما ساهم في رفع دخل العائلة وخفف من عبء الأعمال المنزليّة - تحضير الطعام والغسيل. اشتريتُ ثلاجة وغسالة وخلاط وتلفزيون جديد. بدأت بتخزين المواد الغذائيّة في الثلاجة. ركّبنا المراوح للتخفيف من الحرّ داخل المنزل. كنتُ سعيدة للغاية. بدأتُ أستمتع بساعات الفراغ داخل المنزل وكرّست وقتًا في الحديث مع الأولاد ومع زوجي أكثر من ذي قبل. عندما كنّا نتلقّى الكهرباء من مولدات الطاقة فقط لعدّة ساعات في الليل كنت مشغولة تماما ليل نهار.

أمس، بعد مصادرة الألواح، شعرتُ بقلّة الحيلة، والحزن والإحباط. شعرتُ بأننا عدنا إلى الحياة البدائيّة، بعد أن تعوّدنا على حياة أكثر سهولة.

لأول مرة بعد فترة طويلة اضطررت لغسل ملابس الأولاد يدويًا. يداي تؤلمانني كثيرًا لدرجة أنّني لم أنجح بالأمس في الخلود للنوم. اشتكى زوجي وأبنائي الليلة من الحرّ. ابني الصغير ينام على الأرض، دون غطاء، بسبب الحرّ. لم أنجح في الخلود للنوم على الإطلاق. البارحة اضطررنا لتناول كلّ الطعام الذي يتطلّب تجميدًا. ما ذنبنا نحن والأولاد؟ لماذا يقطعون الكهرباء عنّا؟ لا أدري ماذا أفعل سوى التسليم بالوضع والانتظار.

آخر الفيديوهات