Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

لنا كنعان، طالبة جامعيّة (21 عامًا)، تتحدّث عن الشعور بالاختناق الذي يلفّ حياتها في قرية برقة التي أحيطت بالمستوطنات وسُدّت الطرق إليها

أنا من سكان برقة. نحن عشرة أنفار في العائلة: الوالدان وثلاثة أبناء وخمس بنات. والدي رجل متعلّم يحمل الماجستير بالهندسة، والدراسة شأن هامّ عنده، ولذلك استثمر كي يكون بوسعنا الدراسة نحن أيضًا. لديّ أختان درستا في جامعتي أبو ديس وبير زيت، وأنهيتا دراستهما وتزوّجتا. والآن، ندرس أنا وأحد إخوتي في جامعة النجاح، وعندي أخوان آخران يدرسان في الجامعات: الأول في ليبيا والثاني في مصر.

أنا طالبة جامعيّة في سنتي الثالثة في فرع التجارة والاقتصاد. رغبت بدراسة التمريض لكنّ علاماتي لم تكن كافية ولم أُقبَل.

كان من الصعب عليّ في البداية أن أتأقلم مع دراستي في نابلس: فأسلوب التدريس مختلف جدًا عن المدرسة الثانويّة، والمتطلبات كثيرة والدراسة بالإنجليزية. وإلى جانب ذلك، فإنّ الوصول إلى الجامعة صعب، وأنا أستصعب البُعد عن عائلتي. ومن أجل الوصول إلى الجامعة عليّ أولاً أن أسافر إلى رام الله، ومن هناك إلى نابلس. السفر من القرية إلى رام الله متعب ومُكلف. يجب أن أمرّ عبر عدد من القرى مثل دير دبوان وبيتين وعين يبرود ودورا القرع والجلزون والبيرة ثم رام الله. هذا مسار متعرّج والسفر فيه يستغرق نحو 45 دقيقة ويكلف 6-8 شيكلات. الطريق القديمة إلى رام الله كانت بطول 5 كيلومترات تقريبًا وكان السفر فيها سريعًا جدًا.

المخرج من برقة الى شارع 60، بالقرب من مستوطنة جفعات اساف. تم شق الشارع على اراضي القرية لكن المخرج منها مغلق منذ العام 2001. تصوير: بتسيلم. 8/6/2014.
المخرج من برقة الى شارع 60، بالقرب من مستوطنة جفعات اساف. تم شق الشارع على اراضي القرية لكن المخرج منها مغلق منذ العام 2001. تصوير: بتسيلم. 8/6/2014.

ثم تأتي الطريق من رام الله إلى نابلس، وطولها 55 كيلومترًا، وتصل تكلفة السفرة 17 شيكلاً. أي أنني إذا سافرت من البيت إلى الجامعة كلّ يوم فإنّ هذا سيستغرقني ساعتين على الأقل لكلّ اتجاه، وسيكلفني نحو 50 شيكلاً لليوم، هذا من دون حساب المصاريف الأخرى. ويلزمني هذا الأمر أيضًا بالخروج من البيت في ساعات مُبْكرة جدًا والعودة إليه بساعة متأخرة. هذا الأمر صعب عليّ جدًا كفتاة، ولا يمكنني تحمّل ذلك.

لذلك، قرّرت قبول اقتراح أبي والسكن بجانب الجامعة. هذا الأمر يزيد من تكلفة الدراسة ويزيد عليها أجرة سكن الطلبة ومصاريف المعيشة والأكل والشرب، ما يصل نحو 1,500 شيكل شهريًا، إلى جانب الأجر الدراسيّ الذي يصل إلى 5,000 شيكل للفصل الواحد من أربعة أشهر. هذه مصاريف كبيرة قياسًا بمستوى حياتنا العامّ، وخصوصًا أنّ والدي يموّل دراسة أربعة من أخوتي في جامعات مختلفة، وهذا يكلّفه نحو 14,000 شيكل شهريًا. هذا عبء اقتصاديّ كبير. نحن نتساعد بالمنح والقروض من الجامعة، ودخل أبي جيّد نسبيًّا.

نتيجة لطول المسافة لا أعود إلى البيت إلا مرة في الأسبوع. أشعر بأنني منعزلة وأنا منشغلة بشؤون عائلتي دائمًا وأشتاق إليهم، رغم أنني على اتصال دائم معهم. عندما انضمّ أخي شفاء (19 عامًا) للدراسة هنا في الجامعة سهّل ذلك عليّ جدًا، رغم أنه يسكن في مساكن الطلبة الذكور وأنا في مساكن الإناث.

عندما أعود من البيت إلى الجامعة غالبًا ما أتخلّف عن حصصي بسبب الحواجز المضروبة في الطريق، مثل حاجز زعترة وحاجز حوّارة بجانب نابلس والحواجز الفجائيّة التي تُنصب على الطريق بين القرية ورام الله، بجانب مدخل قرية بيتين. أنا أضطر في الكثير من المرات لاستكمال المواد الدراسية بالاعتماد على تلخيصات طلاب آخرين. وأحيانًا يسدّ الجيش بعض الطرق بشكل تامّ، وعندها يجب السفر عبر طرق التفافيّة أطول وأكثر إرهاقًا من سابقاتها، وتحوي مقاطع صعبة لسفر السيارات.

وفي بعض الأحيان يقوم المستوطنون أيضًا بسدّ الشوارع ورشق الحجارة، وعندما أسمع بأنّ هناك رشقًا للحجارة على الشارع، فإنني أفضّل تأجيل سفرتي.

المستوطنون يعتدون على القرية أيضًا. في السنة الماضية، أحرقوا المسجد الكبير وكتبوا الشعارات المسيئة. وقد لحق أذى أفعالهم بعائلتي أيضًا. ففي أيلول 2011، عندما كنت طالبة سنة أولى في الجامعة، أضرم مستوطنون النار في سيارتين تابعتين لأبي وكتبوا على بيتنا شعارات "الموت للعرب".

اضافة الى ذلك أنّ المستوطنين قطعوا أشجار الزيتون والمحاصيل الأخرى التابعة للجيران ولأقربائنا. وفي موسم القطاف المنصرم، حين كنت أعمل في الكرم مع أبي، حاول مستوطنون الاعتداء علينا وعلى مزارعين آخرين، وطردونا من أرضنا. كانوا مسلّحين ويلبسون أقنعة على وجوههم. إنّ موسم القطاف هام جدًا لنا، وكلّ أفراد العائلة بمن فيهم الأطفال الصغار، يعملون معًا، وهذه متعة كبيرة ننتظرها. لكنّ الخوف من اعتداءات المستوطنين يُفسد المتعة، ويشكل تهديدًا متواصلاً، وخصوصًا في المناطق القريبة من المستوطنات.

تملك عائلتنا كروم زيتون تمتد على مساحة أكثر من 17 دونمًا وهي قريبة من جفعات أساف، ولا يمكننا الوصول إليها. ومن أجل الوصول إلى هناك يجب إجراء تنسيق أمنيّ لأنّ المستوطنين موجودون هناك طيلة الوقت ويعتدون على كلّ من يقترب. وعندما شقّوا المسار الجديد لشارع 60 عام 1996، سيطر الجيش على عشرة دونمات من أرضنا، كانت تحوي كروم زيتون معمّرة.

أنا قلقة من مستقبلي بعد انتهاء الدراسة. الوضع هنا غير مستقرّ وهو في قريتنا سيئ جدًا. احتمالاتي في الحياة ضئيلة قياسًا بطالبات جامعيات في مثل سني يَسكُنّ في مناطق أخرى، وأيضًا قياسًا بالطلاب الذكور. أنا أخشى عدم عثوري على عمل وأن أضطرّ للبقاء في البيت. قريتنا منعزلة وليس فيها أيّ نشاط اقتصاديّ أو تجاريّ. ومنذ أن أغلقوا الطريق القديمة أصبحت بعيدة عن مركز الحياة في رام الله. الناس في القرية عاطلون عن العمل ويفتقرون لفرص عمل. هذا محبط ومثير لليأس، وخصوصًا في ظلّ الاستثمار الكبير بالدراسة وتكاليفها. وفي واقع صعب كواقعنا في برقة، فإنّ كلّ شيء يذهب سدًى.

القرية تكاد تفتقر تمامًا للموارد، وهي تفتقر حتى للنشاطات الاجتماعيّة. لا توجد مؤسّسات للشباب ولا توجد أيّ وسيلة لصرف الطاقات. لا توجد أراض لإقامة حدائق عامّة أو ملاعب أو مؤسّسات ونوادٍ. كلّ المناطق المخصّصة للبناء محدودة، فالمستوطنات تحيطنا من كلّ صوب.

غالبيّة الأراضي في القرية تُعتبر مناطق C ولا يمكن البناء عليها لأنها تتبع للسيطرة الإسرائيليّة. نحن لا نملك حتى مكانًا نخرج إليه للتنزّه والترويح عن النفس، ولا مجالَ لأيِّ استجمام. أنا حتى لا أستطيع التفكير في هذه الأمور وأنا منشغلة بالدراسة، أو بسبب ضغوطات الاحتلال. أنا أعود في نهاية كلّ أسبوع إلى البيت للاستراحة قليلاً ورؤية عائلتي. الناس هنا في القرية، ومن بينهم أنا والشابات الأخريات، نشعر بأننا تحت الضغط طيلة الوقت.

كون القرية منعزلة جعل الناس يعوفون بعضها البعض واللقاءات بينهم قليلة. الجميع يسدّ رمقه بصعوبة وهم منشغلون بكسب أرزاقهم. نحن لا نتمتّع بالحريّة مثل سائر الناس، ولا ضمانات اقتصادية أو اجتماعيّة أو حتى صحيّة. الناس هنا يستثمرون كلّ حياتهم في محاولة لضمان معيشة عائلاتهم والامتناع عن الاتكال على طيبة قلب الآخرين. أنا محظوظة جدًا لأنّ أبي قادر على تمويل دراستي. غالبية الفتيات اللاتي أنهينَ الثانوية مع دفعتي يجلسنَ في البيت، أو أنهنّ تزوّجنَ ولم يخرجن للدراسة مثلي.

ولكن حتى الفتيات اللاتي يدرسنَ فإنهنّ يقبعن في البيوت في نهاية المطاف أو يتزوّجنَ. القليل منهنّ فقط ينجحن بالعمل، وإمكانية العمل الوحيدة المتاحة عمومًا هي التدريس في المدارس. لا يوجد عمل في المهن الأخرى مثل الهندسة أو التجارة والصناعة أو أيّ مجال آخر، والنساء يتمتّعنَ أصلا بإمكانيّات أقلّ من الرجال. الثقافة المجتمعيّة لا تسمح للنساء بالعمل في هذه المهن، وخصوصًا المهن الحرّة. ثمة فتيات أنهينَ الدراسة وهنّ يقبعن في البيوت ويشتغلن بالخياطة وتطريز الملابس التقليديّة. هذا عمل شائع ومقبول في القرية، وهو يخفّف من العبء لكنه ليس بديلاً لائقًا وحقيقيًّا للعمل في مجال تخصصاتهنّ أو في المجال الذي يطمحن للعمل فيه، إلى جانب أنّ الدخل مُتدنٍّ. وقد يتطلب أحيانًا أشهرًا وربما سنة كاملة لتطريز فستان واحد، وفي النهاية ما يحصلن عليه هو 2,000-3,000 ش.ج.

نحن نشعر بأنّ الاحتلال يلاحقنا في كلّ مكان. أبي اشترى قطعة أرض في أريحا، وهناك سيّجها وشيّد بيتًا صغيرًا كي يكون لنا ملاذًا للاستجمام. في السنة الماضية هدم الجيش البيت والسياج بادّعاء أنهما شُيّدا في المنطقة C من دون تصريح. لقد سلبونا الملاذ الوحيد الذي كان متوفرًا لنا للاستجمام.

نحن نفكّر ألف مرة قبل أن نبني أو نخرج للاستجمام أو نسجّل للدراسة أو نستصلح أراضينا. هذا ليس نابعًا من الكسل أو العجز، بل خشية المعوّقات والمضايقات وعدائية الجيش الإسرائيليّ أو المستوطنين. حياتنا تشبه حياة الأسرى في سجن كبير. نحن لسنا مسجونين داخل جدران أو أسيجة أو شباك، بل بواسطة سلسلة من القيود غير المرئية المفروضة علينا.

لنا سائل إبراهيم كنعان، 21 عامًا، طالبة جامعيّة في جامعة النجاح في نابلس، ومن سكان برقة في قضاء رام لله. سجّل إفادتها إياد حداد يوم 21/3/2014 في برقة