Skip to main content
سند مقبل بعد إطلاق سراحه. تصوير منال الجعبري، بتسيلم، 22.6.21
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

روتين الاحتلال: حقّقوا بعُنف مع طفل في الـ12 من عمره، زجّوه في زنزانة مُعتمة ورطبة، ضربوه وكسروا أنفه وبعد سجنه 16 يوماً تركوه عند حاجز دون تبليغ والديه

نحو الثالثة من فجر يوم 30.5.21 اقتحم ما يقارب عشرة جنود منزل عائلة مقبل في بيت أمّر الواقعة شمال مدينة الخليل. أيقظ الجنود أفراد الأسرة وأجروا تفتيشاً عنيفاً في أرجاء المنزل. قبل أن يغادر الجنود سلّموا للوالدين استدعاءً لتحقيق مستعجل - خلال ساعات قليلة - مع طفلهما سند (12 عاماً) وكان يبيت في تلك اللّيلة عند أبناء أخواله في مخيّم العروب للّاجئين

نحو السّاعة 8:30 صباحاً جاء محمد مقبل وابنه سند ونسيبه عبد الحافظ أو شمعة إلى محطّة شرطة "عتصيون" حيث جرى التحقيق مع الأب وابنه كلّاً على انفراد. أثناء التحقيق معه كان الطفل سند وحيداً دون بالغ من طرفه يرافقه وحتى دون تمكينه من استشارة محامٍ. في مرحلة معيّنة شاهد سند والده في السّاحة مغمىً عليه وحين حاول التقدّم نحوه تعرّض للضرب من قبل أحد عناصر الشرطة.

اقتيد سند إلى المعتقل واحتجز هناك حتى صباح اليوم التالي في زنزانة صغيرة معتمة لا تحوي سوى فرشة مشبّعة بمياه تنقط عليها من السّقف. لم يقدّم له طعام أو شراب ولا سُمح له بالاستحمام أو استبدال ملابسه. في الصّباح، بعد ليلة قضاها بدون نوم، أدخلوا سند إلى جيب عسكريّ وبعد سفر ساعات عديدة أنزلوه في سجن "مجيدو" وهناك تناول وجبة الطعام الأولى منذ اعتقاله. أثناء وجوده في مجيدو ضرب سجّانون سند فكسروا أنفه.

محمد مقبل في دكّان البقالة خاصّته مع ابنه سند. تصوير منال الجعبري، بتسيلم، 22.6.21
محمد مقبل في دكّان البقالة خاصّته مع ابنه سند. تصوير منال الجعبري، بتسيلم، 22.6.21

في الأيّام التي تلت جرت محاكمة سند على مدار ستّ جلسات شارك فيها عبر تطبيق "زوم"، وفي النهاية صدّقت المحكمة صفقة بين محاميه ومدّعي النيابة وحُكم عليه بموجبها بالسّجن لمدّة 31 يوماً وغرامة ماليّة قدرها 2,000 شاقل. رغم ذلك تمّ إخلاء سبيل سند بعد مضيّ 16 يوماً فقط ضمن إجراء إفراج إداريّ.

في يوم الإفراج عنه اقتيد سند إلى حاجز الجلمة وتُرك هناك وحيداً دون أن يُبلغ أيّ مسؤول والديه عن ذلك. إثر ذلك اضطرّ سند إلى طلب مساعدة من شباب غرباء صادفهم هناك فساعدوه على الاتّصال مع والده ورافقوه إلى منطقة رام الله حيث كان والده في انتظاره ومن ثمّ اصطحبه معه إلى المنزل.

هذه الحادثة ليست استثنائيّة سوى لناحية صغر سنّ سند (12 عاماً) ولكنّها ليست استثنائيّة لناحية تعامُل سُلطات إسرائيل مع الفتيان عموماً في مختلف أنحاء الضفة الغربيّة حيث يتعرّضون لشتّى أنواع العُنف الذي يوقعه بهم نظام الاحتلال. تعتقل إسرائيل سنويّاً مئات الفتيان الفلسطينيّين ضمن إجراءات تنتهك حقوقهم بشكل منهجيّ وممأسَس بدءاً من عمليّة اعتقالهم نفسها، مروراً بالتحقيق معهم، ثمّ وصولاً إلى محاكمتهم أمام محاكم عسكريّة "خاصّة بالشبيبة". تتبجّح إسرائيل بقوانين وإجراءات تزعم أنّها وُضعت خصّيصاً لحماية حقوق القاصرين، لكنّها وُضعت في الواقع لتشكّل ورقة تين تستر عورات الأجهزة وتضفي الشرعيّة على المسّ الصّارخ بحقوق بالقاصرين.

أدناه ما ورد عن أحداث تلك اللّيلة في إفادة والدة سند، منال مقبل (45 عاماً) وهي أمّ لـ12 - أدلت بها أمام منال الجعبري باحثة بتسيلم الميدانيّة في الخليل:

حبسني الجنود في غرفة النوم مع ابني الصغير كرم. حين أرادوا النزول إلى الطابق الأرضيّ حاول زوجي أن يمنعهم لأنّ بناتنا الخمس نائمات هناك (راوند، 26 عاماً؛ إيرناس، 20 عاماً؛ فداء، 17 عاماً؛ سُلاف، 16 عاماً؛ وصبا، 10 سنوات). قال للضّابط أنّهنّ هناك وحدهنّ وسوف يخفن كثيراً وفي النهاية قبل الضابط أن يرافقهم زوجي.

انتشر الجنود في أرجاء البناية، بعضهم في الطابق الثاني وبعضهم في الطابق الثالث. حمدت الله أنّ سند لم يكن في المنزل لأنّ الجنود كانوا غاضبين جدّاً ولو رأوا سند لأشبعوه ضرباً. بعد مضيّ نحو رُبع السّاعة صعد زوجي والجنود من الطابق الأرضيّ. حدّثني زوجي أنّ البنات خفن كثيراً وأنّ جدالاً دار بينهنّ وبين الجنود تخلّلته شتائم أيضاً. دخل الجنود إلى غرفة سند وأعاثوا فيها الفوضى إذ ألقوا بكلّ محتوياتها على الأرض.

نحو السّاعة 4:30 غادر الجنود بعد أن سلّمونا استدعاءً للتحقيق مع سند في شرطة "عتصيون". توجّه زوجي فوراً إلى مخيّم العروب لكي يجلب سند. عندما جاء سند استحمّ وتناول الفطور. نحو السّاعة 8:00 ودّعني وودّع أخواته ثمّ سافر مع والده ومع أخي عبد الحافظ أبو شمعة إلى محطّة الشرطة في "عتصيون".

أدناه يحدّث الوالد محمد مقبل (50 عاماً، وهو صاحب دكّان بقالة) عمّا حدث بعد وصولهم إلى محطّة شرطة "عتصيون" - من إفادة أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري:

מוחמד מוקבל. צילום: מנאל אל-ג'עברי, בצלם, 22.6.21
محمد مقبل. تصوير منال الجعبري، بتسيلم، 22.6.21

عندما وصلنا إلى محطة الشرطة أخذ سند ثلاثة أشخاص بلباس مدنيّ وبقينا أنا وخاله ننتظر في الخارج. بعد مضيّ عشر دقائق ناداني أحد أولئك الثلاثة وطلب أن أدخل. عندما دخلت غادر عبد الحافظ المكان. أدخلوني إلى غرفة يجلس فيها محقق بلباس مدنيّ. استمرّ التحقيق طوال ساعة تقريباً وقد سألني المحقّق خلاله عن سند، ومن الذي يحرّضه على رشق الحجارة وهل يعاني من مشاكل نفسيّة. أراني المحقّق شريط فيديو يظهر فيه سند وهو يرشق حجراً أو حجرين نحو مستوطن ثمّ يُطلق المستوطن النار تجاه سند. ذُعرت حين شاهدت ذلك.

عند هذا المشهد أوقف المحقّق الشريط. بدا لي أنّني رأيت الرّصاصة تمرّ قرب رأس سند تماماً، والرّصاصة كادت أن تلامس شعره. بعد ذلك قال لي المحقّق: "كان يمكن أن يكون سند شهيداً الآن، مثل عبيدة جوابرة"، وهو الشابّ الذي قُتل في مخيّم العروب للّاجئين خلال الأحداث الأخيرة. شعرت بدُوار وضيق تنفّس.

بعد أن وقّعت على إفادتي جلبوا سند إلى الغرفة التي كنت فيها. كان سند مذعوراً وشاحباً. أخذوني إلى غرفة أخرى حيث حقّق معي محقّق آخر. في أثناء ذلك سمعت صُراخ محقّقين آخرين في الغرف المجاورة ولكن لا أعلم ما إذا كانوا يصرخون على سند أم على معتقلين آخرين.

في التحقيق الثاني لم يسجّل المحقّق أقوالي، وبعد نحو السّاعة اقتادني إلى السّاحة. كنت متوتّراً جدّاً ممّا يحدث مع سند والعذاب الذي يمرّ به. أحسست بدُوار وضيق تنفّس ثمّ وقعت أرضاً، ولكنّني كنت في كامل وعيي وأدرك ما يجري من حولي. رأيت سند يركض نحوي وشرطيّاً من حرس الحدود يحاول منعه. دفع سند الشرطيّ فتعثّر هذا ووقع على شرطيّة ثمّ وقع الاثنان. في هذه الأثناء تمكّن سند من الوصول إليّ ولكنّ الشرطيّ الذي تعثّر ووقع جاء وضرب سند على ظهره ببندقيّته. لم أستطع حماية سند منه لأنّني كنت مشلولاً. بعد ذلك أغمي عليّ تماماً ولم أعرف بعد ما يجري. أفقت بعد مضيّ رُبع السّاعة تقريباً فرأيت أناساً كثيراً متحلّقين حولي: عناصر شرطة، جنود، ومسعفون يثبتون على جسمي أسلاكاً موصولة بجهاز. 

 

جاء في هذه الأثناء نسيبي عبد الحافظ، عقب اتّصالهم به على ما يبدو. كذلك جلبوا سند لكي يودّعني وأبلغوني أنّه معتقل فيما يمكنني العودة إلى منزلي فخرجت من هناك مع عبد الحافظ. أحسست أنّني مريض ومتعب وشعرت بغصّة في قلبي على سند الذي بقي في محطّة الشرطة.

أدناه يحدّث سند مقبل (12 عاماً) عمّا حدث بعد أن غادر والده وخاله محطّة الشرطة - من إفادة أدلى بها أمام منال الجعبري:

סנד מוקבל. צילום: מנאל אל-ג'עברי, בצלם, 22.6.21
سند. مقبل. تصوير منال الجعبري، بتسيلم، 22.6.21

بعد أن غادروا جاء جنديّ وعصب عينيّ لكنّه أبقاني في السّاحة. كان الطقس شديد الحرارة وقد أبقوني هناك طيلة نصف السّاعة تقريباً وأنا مكبّل اليدين والرّجلين. بعد ذلك جاء الجنديّ نفسه واقتادني إلى العيادة وكان هناك طبيب وطبيبة أخذا يسألانني عن وضعي الصحّي ويملآن استمارة. بعد ذلك اقتادوني في جيب عسكريّ إلى مكان لا أعرفه. أنزلوني من الجيب وأدخلوني إلى غرفة معتمة، بدون إنارة، فيها فرشة قذرة مشبّعة بالماء ورائحتها عطنة. ثمّ رأيت أنّ الماء ينقط من السّقف على الفرشة. تركوني هناك مكبّل اليدين والرّجلين. لم تكن للغرفة نوافذ. كانت في بابها نافذة صغيرة لكنّها مغطّاة بجريدة.

بعد أن أدخلوني إلى هناك جلبوا لي قطعة سجق جافّة ومقرفة مع قطعتي خُبز يابستين وحبّة فلفل واحدة. لم آكل شيئاً لأنّه طعام لا يصلح للأكل. وهكذا بقيت جائعاً حتى منتصف الليل. آنذاك جلبوا لي قطعتي فلافل وخبزة يابسة، ولم أستطع أن أتناول هذا الطعام أيضاً. جلست حتى الصّباح على الفرشة والماء ينقط عليها من السّقف. لم أغفُ حتى لحظة واحدة.

في الصّباح أدخلوني إلى جيب عسكريّ وكانت يداي ورجلاي مكبّلتين. كان في الجيب ثلاثة جنود: السّائق وجنديّ جلس إلى جانبه وجنديّ في الخلف جلس إلى جانبي. سار الجيب طيلة ساعات وخلال السّفر كان الجنديّ الذي يجلس بجانبي يضربني على عُنقي ويشتمني وينعت أمّي وأخواتي بصفات لا يليق قولها حتى.

وصلنا إلى مكان توجد عند مدخله لافتة مكتوب عليه "سجن مجيدو". أنزلني الجنود من الجيب وعصبوا عينيّ ثم اقتادوني إلى السّاحة ومن هناك أخذني شرطيّ إلى غرفة وصوّرني بواسطة كاميرا صغيرة موصولة بحاسوب. أمرني هذا الشرطيّ أن أخلع ملابسي كلّها ثمّ فتّش جسدي وأنا عارٍ. بعد ذلك قال لي ارتد ملابسك.

بعد ذلك اقتادني إلى غرفة فيها سبعة معتقلين كلّهم تحت سنّ الـ17. أحضر لي السّجناء نزلاء الغرفة طعاماً وكانت هذه أوّل وجبة أتناولها منذ أن اعتُقلت في صباح اليوم السّابق. ذهبت في نوم عميق حتى اليوم التالي حيث نقلوني إلى قسم آخر وسجنوني فيه طوال 16 يوماً. أثناء اعتقالي مثلت أمام المحكمة عبر تطبيق "زوم" في ستّ جلسات محاكمة. في الجلسة الأخيرة أبلغني القاضي أنّه حُكم عليّ بالسّجن طيلة 31 يوماً وغرامة قدرها 2,000 شاقل. هذه الجلسة عُقدت في 8.6.21.

في 14.6.21 قلت لهم أنّني لم أتحدّث مع والدي منذ 16 يوماً وطلبت أن يسمحوا لي بالتحدّث معه عبر الهاتف فأخذني أحد السجّانين إلى حيث الهاتف. كانت هذه أوّل محادثة بيني وبين أسرتي منذ اعتقالي. عندما اتّصلت ردّ والدي وتكلّم معي بصوت حزين ثمّ أجهش بالبكاء. أغلق السجّان الخطّ ونحن نتحدّث فتجادلت معه وعندما أهانني رددت عليه بالمثل. عندئذٍ جرّني السجّان إلى غرفة ودفعني إلى داخلها بعُنف فوقعت أرضاً على وجهي. جاء ثلاثة سجّانين آخرين ومعهم سلاح فأخذ السجّان الذي دفعني سلاح أحدهم وضربني به بقوّة على ظهري، وعندما هممت أن أرفع رأسي ضربني ضربة قويّة على رأسي فارتطم وجهي بالأرض وصار الدّم ينزف من أنفي. رفعني سجّانان عن الأرض وأعاداني إلى الزنزانة.

في اليوم التالي - الثلاثاء الموافق 15.6.21 - أبلغوني أنّهم سوف يفرجون عنّي وفعلاً أخذوني عند السّاعة 16:00 وأنزلوني عند حاجز الجلمة. كان هناك شباب سمحوا لي باستخدام هاتفهم فاتّصلت بوالدي ثمّ طلب منهم والدي أن يقلّوني إلى المحطّة المركزيّة في رام الله. أخذوني في تاكسي وحين وصلنا كان والدي في انتظاري. تعانقنا طويلاً وبكى والدي كثيراً. بعد ذلك عُدت مع والدي إلى المنزل في سيّارته وقد وصلنا عند السّاعة 22:30. كانت أمّي تنتظرنا بفارغ الصّبر. عانقتني وأجهشت بالبكاء.