Skip to main content
أوس ومحمد صلاح الدين. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم 8.3.21
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

جنود يعتقلون أخوين يبلغان من العمر 8 و-10 سنوات ويحتجزونهما طوال ساعات

نحو السّاعة الثالثة من عصر يوم الأحد الموافق 21.2.21 اعتقل جنود الطفل أوس صلاح الدين (10 سنوات) وشقيقه محمد (8 سنوات) وهُما من قرية حزما الواقعة شمال شرق القدس وذلك أثناء ركوب درّاجتيهما خارج المنزل. احتجز الجنود الطفلين طوال ساعتين بذريعة أنّهما قاما برشق الحجارة نحوهم. في هذا الوقت جاءت والدتهما، أمل صلاح الدين ( 42 عاماً) وشقيقهما آدم (18 عاماً) وبعض الجيران وجميعهم طالبوا الجنود بإخلاء سبيل الطفلين لكنّهم رفضوا. إزاء ذلك ألقى عدد من الأهالي الحجارة نحو الجود الذين ردّوا بدورهم بإلقاء قنابل الصوت وإطلاق الرّصاص الحيّ في الهواء بهدف تفريقهم وإبعادهم كما هاجم الجنود آدم صلاح الدّين.

منزل الطفلين الذي كانا يلعبان بجواره. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم 8.3.21

بعد مضيّ نحو السّاعتين اقتاد الجنود الطفلين مكبّلي الأيدي إلى الخلف بأصفاد بلاستيكيّة إلى نقطة محاذية للشارع المؤدّي إلى مستوطنة "آدم" (جيفع بنيامين) وهناك أخذوا طوال نصف السّاعة يسألونهما لماذا رشقوا الحجارة وطالبوهما أن يُدليا بأسماء أطفال من القرية قاموا برشق الحجارة. بعد ذلك أدخل الجنود الطفلين إلى جيب عسكريّ وأخذوهما إلى معسكر قريب للجيش وهناك احتجزوهما طوال ساعة أخرى ورفضوا خلالها تقديم ماء الشرب لهُما أو السّماح لهُما بدخول المرحاض، وفقاً لرواية الطفلين. بعد مضيّ السّاعة تمّ تسليم الطفلين لشرطيّ فلسطينيّ اصطحبهما إلى محطة الشرطة في رام الله وهناك انتظرا حتى وصل والدهما عند السّاعة 22:30 واصطحبهما إلى المنزل.

لقد احتجز الجنود الطفلين الشقيقين وأبقوهُما مكبّلي الأيدي طوال ساعات وحيدين ودون أن يعرفا متى سوف يعودان إلى منزلهما، وبالمثل ظلّ الوالدان طوال ساعات قلقين لا يعلمان شيئاً عن مصير طفليهما. هذا كلّه يحدث رغم أنّ اعتقال طفلين في الثامنة والعاشرة أي تحت سنّ المسؤوليّة الجنائيّة أمرٌ مخالف للقانون ناهيك عن أنّه يخالف بالتأكيد مبادئ الأخلاق.

قال محمد صلاح الدين في إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري:

جندي يحرس الطفلين أثناء احتجازهما بجوار المنزل. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

في يوم الأحد عند السّاعة الثالثة عصراً خرجت مع أخي لكي نلهو ونركب الدرّاجات قرب منزلنا. أثناء ذلك جاء فجأة جنديّان وأخذا يتحدّثان معنا بالعبريّة لكنّنا لم نفهم شيئاً ممّا قالوه. انطلقت أركض نحو المنزل ولكن حين وجدت أنّ أوس لم يتحرّك من مكانه وبقي مع الجنود عُدت إليه لكي لا يبقى وحده. في هذه الأثناء جاء جنديّان آخران. أمسك الجنود بنا من أكتافنا وأجبرونا على السّير لمسافة قصيرة ثمّ أجلسونا على الأرض. بقينا هكذا طوال ساعتين تقريباً.

في هذه الأثناء جاءت والدتي وأخي أدهم وعدد من الجيران الذين كانوا قرب المكان وطالبوا الجنود بإطلاق سراحنا ولكن دون فائدة. حتى أنّ الجنود منعوا والدتي من الاقتراب والتحدّث معي أو مع أخي. خلال دقائق معدودة تجمّع عدد كبير من الأهالي الذين أخذوا يصرخون على الجنود وأيضاً يرشقونهم بالحجارة. ألقى الجنود قنابل الصوت وأطلقوا الرّصاص لكي يُبعدوا الناس وفي أثناء ذلك تملّكني خوف شديد وكذلك أخي أوس. لم نعرف ماذا نفعل ولماذا يحدث هذا كلّه. طوال هذا الوقت ظلّت والدتي وأخي يحاولان إقناع الجنود أن يُخلوا سبيلنا ولكن دون فائدة. قالت أمّي لأحد الجنود إنّه لا علاقة لنا بأيّ شيء وإنّنا كنّا فقط نلعب لكنّ الجنديّ ردّ عليها قائلاً: "كلّا بل هُما رشقا الحجارة نحو جنود على الشارع" - وهذا غير صحيح فنحن فقط كنّا نركب الدرّاجة ونلهو معاً.

أدناه أقوال آدم صلاح الدّين (18 عاماً) شقيق الطفلين وكان قد خرج لدى سماعه بكاءهما فوجد كلّاً منهما وقد أمسك به جنديّان من كتفيه - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري:

قلت للجنود إنّ هذين أخواي وسألتهم ماذا يريدون منهما فقالوا إنّهم يريدون أن يعرفوا من الذي رشق الحجارة. قلت لهُم "بالتأكيد ليس هُما لأنّهما كانا يلهُوان خلف المنزل ولا علاقة لهُما برشق الحجارة". أحد الجنود قال لي إنّه يعرف ذلك لكنّه لن يتركهما حتى يسلّم الأطفال الذين رشقوا الحجارة أنفسهم. جاءت والدتي وبعض الجيران وجميعهم حاولوا إقناع الجنود أن يُخلوا سبيل أخويّ ولكن عبثاً. أطلق الجنود الرّصاص الحيّ في الهواء وألقوا قنابل صوت لكي لا يقترب أحد منهم. أعتقد أنّهم فعلوا ذلك مرّتين. أخي الصّغير محمد كان يبكي كلّما سمع إطلاق الرّصاص وانفجار قنابل الصّوت.

أجلس الجنود أخويّ على الأرض وهُم يُمسكون بهما حتى السّاعة الخامسة تقريباً دون أن يسمحوا لي أو لوالدتي بالاقتراب منهما. بعد ذلك كبّلوا أيديهما بأصفاد بلاستيكيّة وذهبوا وهُم يقتادونهما معهم. دفعني الجنود وأوقعوني أرضاً وأثناء ذلك هدّدوني باستخدام السّلاح إذا ما اقتربت منهم. في هذه الأثناء كانت والدتي تصرخ بهم أن يتوقّفوا عن دفعي. اقتاد الجنود أخويّ نحو أشجار زيتون محاذية للشارع تبعد عنّا مسافة كيلومتر ونصف.

أوس ومحمد صلاح الدين. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم 8.3.21

قال الطفل محمد في إفادته أيضاً:

جندي يمسك يد محمد صلاح الدين بجوار المنزل. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

كبّل الجنود أيدينا خلف ظهرينا بـكلبشات بلاستيكيّة ثمّ أمسكوا بنا من أكتافنا وابتعدوا عن المكان وهُم يجرّوننا بقوّة وبسُرعة حتى أنّني أوشكت أن أقع عدّة مرّات. كنّا خائفين فعلاً وقد بكيت كثيراً. الجندي الذي كان يمسك بي ضربني على كتفي ببندقيّته وشتمني كما شتم أخي آدم وأمّنا وسبّ الله. بعد أن مشوا بنا كثيراً توقف الجنود وأجلسونا على الأرض ووقفوا وهُم يحيطون بنا. سألني أحدهم: "من الذي رشق الحجارة؟ ما هي أسماء الأولاد الذين يقومون برشق الحجارة؟ أين تقع بيوتهم في حزما؟". كذلك اتّهمني الجندي واتّهم أخي بأنّنا نحن أيضاً نرشق الحجارة. طبعاً قلنا لهُم إنّنا لم نرشق حجارة وإنّنا لا نفعل مثل هذه الأشياء. قلنا لهم إنّنا فقط كنّا نلعب ولا نعرف من هُم الذين يرشقون الحجارة. ظلّوا يسألوننا نحو عشر دقائق ولكنّهم أبقونا هناك نصف السّاعة تقريباً. لم يضربونا لكنّنا كنّا خائفين جدّاً وكنت أنا أبكي. في النهاية وصل جيب عسكريّ ودفعنا الجنود إلى داخله. أثناء سير الجيب أشعل أحد الجنود سيجارة ونفث دخانها نحو وجهي.

سار الجيب مدّة عشر دقائق تقريباً وحين توقّف أخذ الجنود يدفعوننا إلى الخارج فوجدت أنّنا داخل معسكر للجيش. أجلسونا على حجارة مبتلّة. قلت لأحد الجنود إنّني أحتاج دخول المرحاض لكنّه رفض السّماح لي بذلك. شعرنا بالبرد الشديد وقد أراد أوس أن يعطيني معطفه لكنّ الجنود منعوه من ذلك.

بقينا داخل المعسكر نحو السّاعة وكان الجنود يشتموننا وعائلتنا ويسبّون الله. كلّما طلبنا منهم أن يسمحوا لنا بالذهاب إلى المرحاض أو أن يجلبوا ماءً لنشرب كانوا يرفضون. سأل أوس الجنديّ ما إذا سوف نبيت في المعسكر فأجابه: "سوف تنامون هنا في الخارج على الأرض". خفت كثيراً حتى أحسست أنّ قلبي كاد أن يتوقّف. لم أفهم ما الذي يحدث. بعد مضيّ ساعة أنهضونا عن الأرض وأزالوا الكلبشات. جاء رجل يرتدي ملابس عاديّة. قال لنا الجنديّ: "هيّا، اذهبوا معه". عندما سألت "من هذا؟" قال الجندي إنّه سيأخذنا إلى المنزل وإنّه من الشرطة الفلسطينيّة. أخذنا هذا الرجل في سيّارته إلى مكان قال والدي لاحقاً إنّه مركز حماية الأسرة في رام الله. جاء والدي عند السّاعة 22:30 تقريباً واصطحبنا إلى المنزل.

ما مررنا به أنا وأخي كان مخيفاً جدّاً حتى أنّه يصعب عليّ وصفه. لم أستطع أن أغفو في تلك الليلة بسبب آلام في رجليّ جرّاء الجري السّريع. الآن تنتابني في اللّيل كوابيس: أحلم أنّهم يطلقون النار علينا ويقتلوننا أنا وأخي وأحياناً أحلم أنّني دخلت السّجن لفترة طويلة جدّاً. نأمل أن لا يتكرّر هذا مرّة أخرى لأنّها كانت تجربة صعبة. نحن نريد أن نبقى دائماً في كنف عائلتنا.