Skip to main content
غرفة الطفلة في منزل عائلة العزة بعد الاقتحام. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 1.11.20
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

روتين الاحتلال: "منزلي قلعتي" مقولة لا تصحّ في حالة الفلسطينيّين - كوبر, محافظة رام الله

لا شيء يمنع الجنود من اقتحام منازل الفلسطينيّين يوميّاً وخاصّة في ساعات اللّيل. منذ زمن بعيد يشكّل انتهاك حُرمة الحيّز الخاصّ للفلسطينيّين جزءاً لا يتجزّأ من ممارسات قوّات الأمن في الضفة الغربيّة. يعلم الفلسطينيّون سكّان الضفة الغربيّة أنّ جنوداً قد يَغيرون على منزلهم دون أيّ سبب وفي أيّ وقت وأن يقتحموا غُرف نومهم وأن يقلّبوا في أغراضهم الشخصيّة. يستطيع الجنود أن يُفزعوا الأطفال من نومهم ويسحبوهم من فراشهم. يستطيعون أن يدهموا منزل أسرة ويأمروا جميع أفرادها بالخروج منه أو أن يحتجزوهم في إحدى الغُرف طوال ساعات إلى أن يقرّر الجنود أنْ كفى. هذا هو الرّوتين.

تكشف عشرات الإفادات التي أدلى بها جنود أنّ الهدف الأساسيّ من وراء هذه الاقتحامات "استعراض القوّة" وترهيب الفلسطينيّين ورغم ذلك لم يتغيّر شيء وبقي الرّوتين على حاله: خلال العام 2020 اقتحمت قوّات الأمن 2,480 منزلاً في شتّى أنحاء الضفة الغربيّة.

المنزل بالنسبة لمُعظمنا حيّز محميّ وآمن لكنّه ليس كذلك بالنسبة للفلسطينيّين. ما ينطوي عليه جوهر سيطرة نظام الاحتلال من اضطهاد وإذلال وقمع يتمظهر أيضاً داخل منازلهم. هذه الاقتحامات التي تنتهك على الأخصّ حُرمة خصوصيّة الفلسطينيّين دون أيّ مبرّر ليست سوى مثال آخر على الطريقة التي يسيطر من خلالها الجيش على رعايا محرومين من أيّة حقوق سياسيّة.

خلال الأيام القادمة سوف ننشر احداثًا تم خلالها اقتحام منازل في أنحاء الضفة الغربية خلال شهري تشرين الثاني وكانون الأول 2020. خلال هذين الشهرين اقتحمت قوات الأمن قرابة 493 منزلًا.

1.11.20، كوبر: منزل عائلة العزّة

نحو السّاعة 5:00 فجراً اقتحم قرابة 30 جنديّاً بناية في القرية مؤلّفة من طابقين بعد أن فجّروا مدخلها الرّئيسيّ وإثر الانتشار في بيت الدّرج وعلى سطح البناية قاموا بتفجير باب منزل عائلة شنان في الطابق الثاني. أمر الجنود صاحب المنزل علي شنان )50 عاماً( أن يرافقهم إلى الطابق الأوّل وكانوا قد فجّروا هناك باب منزل عائلة العزّة حيث يقيم مهنّد العزّة (39 عاماً) وزوجته أغصان برغوثي - العزّة (34 عاماً) وابنتهما الطفلة ميرون (3 سنوات).

في منزل عائلة العزّة حبس الجنود علي شنان في إحدى الغرف وأفراد عائلة العزّة في غرفة أخرى وشرعوا يجرون تفتيشاً عنيفاً في أنحائه وهُم يبعثرون محتويات الخزائن ويُتلفون الأغراض ويلقون على الأرض كلّ ما تطاله أيديهم. في مرحلة ما أخرج الجنود مهند من منزله وعندئذٍ نقلوا زوجته وطفلته من غرفة النوم إلى الصّالون. بعد مضيّ 40 دقيقة غادر الجنود وهُم يقتادون معهم مهند مخلّفين وراءهم الخراب والفوضى.

في 1.11.20 أدلى كلّ من علي شنان وأغصان البرغوثي بإفادة أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد.

 

غرفة الطفلة في منزل عائلة العزة بعد الاقتحام. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 1.11.20

أدناه يصف علي شنان (50 عاماً) وهو أب لأربعة أبناء، ما حدث في منزل جاره في تلك اللّيل:

علي شنان بجانب من باب اقتُلع جزء من إطاره. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 1.11.20

نحو الخامسة فجراً أيقظني صوت انفجار في البناية. للوهلة الأولى ظننت أنّ خزّان المياه وقع عن السّطح. عندما نهضت من سريري سمعت ضجّة خلف باب منزلي فصرخت "من هناك؟!" وفوراً بعد ذلك اقتحم الجنود المنزل بعد أن انخلع الباب وطار نحوي. لا أعرف هل فجّروا الباب أم اقتلعوه من مكانه. لحسن حظّي تمكّنت من التراجُع وتلافي وقوع الباب عليّ.

رأيت نحو عشرة جنود قبالة منزلي في بيت الدّرج وكانوا جميعاً يرتدون الكمامات أو يغطّون وجوههم فلم أميّز ملامح أحد منهم. وكانوا يرتدون دروعاً وخوذاً على رؤوسهم ويُشهرون بنادق مزوّدة بمصابيح ليزر. سحبني أحدهم بالقوّة من عُنقي وهبط بي الدّرج وسط الظلام الدّامس. لم يقل لي إلى أين يقتادني. عندما قلت له باللغة العربيّة "دعني أشعل النُور" لم يكترث واستمرّ يدفعني.

أمام منزل مهنّد في الطابق الأوّل أمرني الجنديّ أن أناديه وأسرته لكي يفتحوا الباب. بعد أن ناديتهم أمسكني الجنود فوراً وأبعدوني من هناك. أخرجوني إلى الحديقة التي أمام البناية وأجلسوني تحت شجرة حيث أوقفوا جنديّاً لحراستي.

شاهدت أكثر من 30 جنديّاً ينتشرون حول المنزل وفي بيت الدّرج وجنوداً آخرين صعدوا إلى السّطح. كذلك كانت في المكان نحو سبع مركبات عسكريّة. فوراً بعد أن أبعدوني عن منزل مهند فجّروا الباب واقتحموا المنزل. لا أعرف ما الذي جرى في الدّاخل ولكنّني رأيت الجنود في الخارج يتراكضون كأنّهم يحاولون استفهام شيء ما. حتى لا أعرف ماذا كان سبب ذلك الاقتحام العنيف.

بعد مضيّ نحو عشر دقائق أدخلوني إلى منزل مهنّد وحبسوني معه في الصّالون. كان الجنود منتشرين في المنزل يُجرون تفتيشاً. وكانوا قد حبسوا أغصان زوجة مهنّد في غرفة نومها مع طفلتها. بعد نحو عشر دقائق نقلونا إلى غرفة الطفلة وأثناء احتجازي هناك شاهدتهم يُتلفون أثاث المنزل ويُحدثون فوضى. حين قلت لهم إنّه يُحظر عليهم التصرّف بهذه الطريقة أمروني أن أصمت.

بعد مضيّ نحو نصف السّاعة أخرجوني إلى الصّالون وجلبوا أيضاً أغصان وطفلتها. مهنّد لم يكن هناك، كانوا قد أخذوه إلى خارج المنزل. دخل الجنود إلى غرف النوم وأثاروا فيها الفوضى. بعد نحو40 دقيقة غادر الجنود ومعهم مهنّد.

أدناه وصف الحادثة في إفادة أغصان البرغوثي (34 عاماً) وهي أمّ للطفلة ميرون البالغة من العمر3 سنوات:

نحو السّاعة 5:00 فجراً أيقظتني طرقات على الباب. وفي أوج ذُعري سمعت صوت انفجار يأتي من جهة الباب فأيقظت مهنّد زوجي فوراً. قلت له: "انهض، الجيش، الجيش قادم نحونا". نهضت من فراشي وكنت أرتدي بيجاما بالطّبع، وعندما هممت بالخروج من الغرفة رأيت خمسة جنود مسلّحين يرتدون كمامات سوداء واقفين داخل المنزل. كان المنزل معتماً لكنّهم اعتمدوا مصابيح اللّيزر المركّبة على بنادقهم.

سألني أحد الجنود "أين مهنّد؟" فأجابه زوجي "ها أنا". أمره الجنديّ أن يخرج معهم من الغرفة ولم يسمح له أن يغيّر ملابسه. أجلس الجنود مهنّد في الصّالون وأمروني أن أبقى في غرفة النوم فبقيت هناك مع طفلتي ميرون وكانت قد استيقظت مذعورة. أجبروني أن أشعل النور وأبقوا جنديّاً عند باب الغرفة.

كان عشرات الجنود قد انتشروا في المنزل يفتّشون كلّ زاوية فيه وفي داخل الخزائن أيضاً. سمعت مهنّد يقول لهم: "ها هو المنزل أمامكم، فتّشوا كما تشاؤون". من حين لآخر كنت اسمع أصوات بعثرة وإتلاف أغراض. أنا كنت محبوسة داخل الغرفة أحتضن طفلتي وأحاول أن أهدّئ من روعها لأنّها كانت ترتجف من الخوف.

علي شنان (على اليمين) وشخص آخر يعرضان الكنبات التي مزق الجنود قماشها. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 1.11.20

بعد نحو نصف السّاعة دخلوا إلى غرفتي لكي يفتّشوا فيها وأخرجوني مع طفلتي إلى الصّالون. كان المنزل كلّه غارقاً في فوضى عارمة والكنبات نفسها مقلوبة وممزّقة. لم يكن زوجي موجوداً. يبدو أنّه كانوا قد اعتقلوه واخذوه. رأيت جارنا علي شنان - وهو صاحب البناية. لاحقاً علمت أنّ الجنود أجبروه على مرافقتهم. بعد مضيّ نحو 40 دقيقة أنهوا التفتيش وغادروا.

لم أتمكّن من النوم مجدّداً، لا أنا ولا طفلتي. الهمجية التي تصرّفوا بها تثير الاستغراب. كان بإمكانهم أن يعتقلوا زوجي دون إحداث كلّ هذه الفوضى. لقد خرّبوا ديكورات الخشب في سقف المطبخ وباب المنزل وبوّابة الحديد التي هي مدخل البناية. مزّقوا بطانة تنجيد الكنبات وبعثروا الملابس في الخزائن ونبشوا الجوارير كلّ ما لدينا في المنزل نبشوه وألقوه على الأرض. ما زالت الفوضى تعمّ المنزل لأنّ هناك الكثير من الأغراض التي ينبغي عليّ إعادة ترتيبها.

خلال النهار فهمت من المحامين في جمعيّة "الضمير" - حيث يعمل مهنّد كباحث ميدانيّ منذ أكثر من عشر سنوات - أنّه محتجز الآن في المسكوبيّة على ذمّة التحقيق.

11.11.20، كوبر: منزل عائلة زيبار

نحو الرّابعة من فجر الأربعاء الموافق 11.11.20 وصلت قوّة قوامها 30 جنديّاً تقريباً ومعهم عشرة كلاب تقريباً إلى قرية كوبر الواقعة في محافظة رام الله. اقتحمت القوّة بناية من ثلاثة طوابق تسكنها عائلة زيبار حيث فجّر الجنود باب منزل في الطابق الأوّل تسكنه بهيّة زيبار (69 عاماً) وابنها شريف (32 عاماً) وزوجته كفاح (27 عاماً)، وهي حامل في الشهر السّادس، وطفلاهما البالغين من العمر 6 و-9 أعوام. لحظة الاقتحام كانت بهيّة مستيقظة لتوّها وقد ذُعرت لمرأى الجنود داخل منزلها. أمرها الجنود أن توقظ ابنها شريف ولمّا دخلت غرفته ارتعبت إذ رأته يقاوم كلباً يهاجمه في سريره وزوجته كفاح ملتصقة بالحائط وهي تصرخ خوفاً من الكلب.

أمر الجنود شريف أن يخرج من غرفته لكنّه لم يكن قادراً على النهوض دون مساعدة لأنّه خضع لعمليّة جراحيّة في ركبته قبل ذلك بشهر. رغم ذلك منعه الجنود من استخدام عكّازيه فخرج متّكئاً على زوجته. كبّل الجنود يدي شريف إلى الوراء وأمروه وبقيّة الأسرة أن يخرجوا من المنزل. في بيت الدّرج استجوبه الجنود حول مكان عمّه رائد وما إذا كان يختبئ عندهم فأجابهم شريف أنّه لا يعرف أين يوجد عمّه.

عدئذٍ أمر الجنود شريف وبقيّة أفراد الأسرة أن يخرجوا فاضطرّ شريف إلى هبوط الدّرج زحفاً ويداه مكبّلتان إلى الخلف وقد كان حافياً ولا يرتدي سوى فانيلا وبنطالًا قصيرًا. اقتاد الجنود الجميع إلى منزل الجيران وهناك واصلوا استجوابه وضمن ذلك سأل ضابط بملابس مدنيّة شريف عن عمّه وهو يتوعّد أن يفجّر منزله.

في هذه الأثناء صعد جنود إلى الطابقين الثاني والثالث حيث يسكن ابنا بهيّة المتزوّجان، محمود ومحمد كلّ مع أسرته. فجّر الجنود بابي منزلي الأخوين وأخرجوا من المنزلين جميع أفراد الأسرتين وعددهم 14 شخصاً بضمنهم سبعة أطفال، واقتادوهم إلى ساحة منزل الجيران حيث يُحتجز بقيّة أفراد العائلة الآخرون. اعتقل الجنود الأخوين محمود ومحمد وابنيهما يوسف وشادي وكلاهما في الـ18 من عمره.

بعد مضيّ نحو السّاعتين عاد الجنود إلى منزل شريف زيبار حيث أفرغوا الخزائن وبعثروها وأتلفوا معظم محتويات المنزل: قلبوا جميع قطع الأثاث وخرّبوا الأبواب واقتلعوا مغسلة في الحمّام وألحقوا أضراراً بأحد الجدران، وفوق هذا كلّه ألقوا قنابل صوت داخل المنزل وأطلقوا عشرات الرّصاصات على الجدران والأثاث الذي بعثروه.

نحو السّاعة 8:00 غادر الجنود الحيّ وهم يُطلقون في الشارع قنابل الغاز المسيل للدّموع ويُلقون قنابل الصّوت. لاحقاً تبيّن لأفراد العائلة أنّ الجنود اعتقلوا في اللّيلة نفسها قريبتهم نداء وهي زوجة رائد زيبار، وكانت حينذاك في منزلها تستضيف شقيقتها ختام (35 عاماً) التي جاءت لكي تؤنس وحدتها في غياب زوجها المطلوب. يُذكر أنّ الجنود اقتحموا منزلهم أربع مرّات. حين كان الجنود يزجّون بالمعتقلين إلى داخل الجيبات العسكريّة أمروا نداء أن ترتدي الكمامة التي أعطوها إيّاها لكنّها لم تستطع ذلك لأنّها تعاني ضيقاً في التنفّس وخاصّة في الظروف الضاغطة. كان الجنود يصرخون عليها كلّما نزعت الكمامة ويأمرونها أن ترتديها.

تمّ إطلاق سراح أفراد العائلة المعتقلين، بما فيهم نداء، بعد مضيّ 24 ساعة.

فجوة أحدثها الجنود في أحد حيطان منزل عائلة زيبار. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 23.11.20

نورد فيما يلي إفادات عدد من أفراد الأسرة أدلوا بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 23.11.20

أدناه تصف بهيّة زيبار (69 عاماً) وهي أمّ لثلاثة أبناء، في إفادتها تصرّفات الجنود في تلك اللّيلة:

بهية زيبار. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 23.11.20

استيقظت نحو السّاعة 4:00 فجراً بسبب ضجيج خافت خارج المنزل. نهضت من سريري لكي أصلّي الفجر ولم أهتمّ للضجّة لأنّني ظننت أنّها تصدر عن حيوانات تتجوّل في الخارج.

فجأة سمعت صوت انفجار من جهة باب المدخل. انفتح الباب ودخل عدد كبير من الجنود. كانوا يرتدون الكمامات ويوجّهون سلاحهم إلى الأمام وفيه إنارة ليزر. بدوا متوتّرين جدّاً كأنّهم في حالة تأهّب قصوى. أخافني منظرهم كثيراً. صرخ أحدهم نحوي قائلاً: "فليخرجْ! من يوجد هنا؟!". عندما قلت له "ابني" قال لي "فليخرجْ وإلّا رميتك بالرّصاص". طلبت منه ألّا يصرخ لأنه يوجد أطفال في المنزل لكنّه لم يكترث.

تراجعت إلى الخلف وأنا خائفة ومتوتّرة. دخلت إلى غرفتي ارتديت جلباباً وغطّيت رأسي ثمّ دخلت إلى غرفة ابني شريف. عندما أنرت غرفته رأيت كلباً ضخماً مكممًا يهاجم شريف في سريره وشريف لا يقدر على النهوض لأنّه خضع قبل شهر تقريباً لعمليّة جراحيّة في ركبته اليمنى. كان شريف يصرخ وكذلك كفاح زوجته. كانت كفاح ملتصقة بالنافذة وهي تصرخ قائلة إنّها على وشك إسقاط الجنين. أحمد الله أنّ الأطفال كانوا نائمين في غرفهم لا في هذه الغرفة.

أخذت أصرخ وأتوسّل الجنود أن يُخرجوا الكلب لكنّه لم يخرج إلّا بعد مضيّ نحو 10 دقائق وعندئذٍ خرج شريف من الغرفة متّكئاً على كفاح. كان يرتدي بنطالاً قصيراً وفانيلّا. أنا كنت في الصّالون مع الأطفال أولاد شريف وكفاح الذين كانوا قد استيقظوا وهرعوا إليّ مذعورين.

كبّل الجنود يدي شريف إلى الخلف بأصفاد من البلاستيك وجرّوه بالقوّة. كان يقول لهم إنّه لا يستطيع المشي لأنّه خضع لعمليّة جراحيّة في الركبة لكنّهم تجاهلوه تماماً. كان الأطفال حُفاة ولا يرتدون سوى بيجامات رقيقة ومع ذلك لم يسمح لنا أن نُلبسهم ملابس دافئة. تمكّنت كفاح من ارتداء ملابس مناسبة حين كان شريف يُصارع الكلب. طلبت من الجنود أن يسمحوا لي بجلب العكّازين لشريف لكنّهم رفضوا.

جمّعنا الجنود على الدّرج عند مدخل المنزل ومن هناك كنت أسمع الضابط يستجوب شريف ويسأله عن عمّه رائد. عندئذٍ أدركت أنّهم اقتحموا منزلنا بحثاً عن رائد على ما يبدو. ولكن ما لنا نحن ورائد؟! إذا كانوا لا يعثرون عليه فهذا لا يبرّر اقتحام منزلنا بهذه الطريقة.

بعد مضيّ نحو رُبع السّاعة أمرونا نحن وشريف أن نهبط الدّرج. هبط شريف الدّرج جلوساً. بعد ذلك اقتادونا بطريقة عنيفة نحو ساحة جيراننا وتبعد مسافة 40 متراً تقريباً. في الطريق إلى هناك توقّفوا قليلاً لكي يستجمع شريف قواه - لأنّهم لا سمحوا لنا بمساعدته ولا هُم ساعدوه - علماً أنّ شريف كان طوال هذا الوقت مكبّل اليدين ويتأوّه من شدّة الألم. آه كم تحسّر قلبي عليه. عند منزل الجيران أجلسونا على الدّرج الخارجي أمّا شريف فقد أخذوه إلى مخزن الجيران.

كان الجنود طوال هذا الوقت يوجّهون سلاحهم إلينا وكنّا جميعاً مذعورين وخاصّة الأطفال. لم يسمح الجنود لأيّ من الجيران حتى أن يطلّ عبر النافذة أو أن يشعل النور. في هذه الأثناء جلب الجنود أيضاً كنّتيّ الأخريين - زوجة محمود وزوجة محمد -وأبنائهما. كانت وجوه الأولاد شاحبة وأجسادهم ترتعد فعليّاً من شدّة الخوف.

ثقوب في ثوب تقليدي أحدثتها رصاصات أُطلقت في منزل عائلة زيبار في كوبر. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 23.11.20

بعد ذلك اقتادونا مسافة نحو 10 أمتار إلى منزل جار آخر لنا وأجلسونا على الدّرج الخارجيّ، دون شريف. وقف عندنا جندي للحراسة وفي الشارع كان أكثر من عشرة جنود. هذا عدا الجنود الذين كانوا في منزلنا. جميع الجنود في حالة تأهّب، متوتّرين ويذرعون المكان جيئة وذهاباً. لم يهدأوا حتى للحظة واحدة.

بعد مضيّ نحو السّاعتين بدأت أسمع انفجارات تأتي من ناحية بنايتنا. أمرنا الجنود أن نغطّي آذان الأطفال بأيدينا. كذلك أنا غطّيت أذنيّ بيديّ ومع ذلك كنت أسمع الضجّة وأصوات التفجير. لم أفهم ماذا يفعلون بالضبط في بنايتنا ولكنّني كنت خائفة جدّاً على أبنائي وأحفادي. كنت أدعو الله طوال الوقت أن يحميهم وأن ينتقم من الجنود.

نحو السّاعة 8:00 ألقى الجنود قنابل صوت وقنابل غاز مسيل للدّموع حول منزلنا وأثاروا الكثير من الذّعر. بعد ذلك غادروا وأخذوا معهم ولديّ محمود ومحمد وابنيهما شادي ويوسف. لا أعرف إلى أين أخذوهم. لاحقاً علمت أنّهم اعتقلوا أيضاً نداء زوجة رائد. هم يسكنون على بُعد 200 متر من منزلنا.

خلّف الجيش في منزلنا دماراً هائلاً يصعب حتى وصفه. كانت آثار إطلاق رصاص كثيف في غرف النوم. وجدنا أكثر من مئة رصاصة فارغة. لم نفهم لماذا أطلقوا كلّ هذا الرّصاص داخل المنزل. كانوا يطلقون الرّصاص على فرشة سريري وعلى خزانتي وخزانة غرفة الأطفال وخزانة غرفة شريف. وجدنا أيضاً ثلاث قنابل صوت منفجرة. وجدنا المغسلة في الحمّام مهدّمة وفتحة في حائط الجبس الذي يفصل بين الصّالون وغرفة التلفزيون. جميع الأثاث أزاحوه من مكانه وأخرجوا الملابس من الخزائن. الملابس وجدنا معظمها مثقوباً بالرّصاص. لقد خرّبوا لي 8 أثواب فلسطينيّة مطرّزة. هذه الأثواب غالية الثمن لكنّ قيمتها المعنويّة أكبر بالنسبة لي. كذلك خرّب الجنود باب المدخل في منزلَي ولديّ محمد ومحمود.

أدناه إفادة شريف زيبار (32 عاماً) وهو أب لطفلين، عن أحداث تلك اللّيلة:

شريف زيبار. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 23.11.20

استيقظت مذعوراً على صوت انفجار باب منزلنا وعندئذٍ انقضّ عليّ وأنا بعدُ في السّرير كلب هائل الحجم لونه بنّي مرقّط. أنا أخاف الكلاب كثيراً. لم أستطع النهوض من الفراش لأنّني خضعت في الشهر الماضي لعمليّة جراحيّة في الرّكبة وما زلت لا أقدر على الوقوف. لا يمكن وصف الشعور الذي انتابني. لقد كان الأمر مروّعاً.

زوجتي كفاح ارتعبت هي الأخرى. وثبت عن السرير وهي تصرخ لحظة أن انقضّ الكلب عليّ. أخذ الكلب يتشمّم جسدي وكنت أحاول أن أبعده عنّي. كانت له كمامة على فمه فأمسكته منها لكي أمنع اقترابه من كفاح زوجتي، وهي حامل في الشهر السّادس. لقد بال في فراشنا. في لحظة ما أفلت الكلب منّي واقترب من كفاح فازدادت رُعباً فوق رُعبها. كان الكلب يصدر همهمة مخيفة ورغم أنّ فمه مسدود بالكمامة كانت واثقة أنّه يهمّ أن يعضّها.

قالت لي كفاح: "أحسّ أنّ الطفل على وشك أن يخرج، ساعدني يا شريف!"، وقد تمكّنتْ في أثناء ذلك من ارتداء ملابس مناسبة. أنا كنت مرتدياً بنطال "شورت" وفانيلّا والجنود الواقفون عند باب المنزل يصرخون بي أن أخرج إليهم. دخلت أمّي إلى الغرفة وهي مذعورة جدّاً وكان الجنود يأمرونها أن تأتي بي إليهم. وجدتني أصارع الكلب الذي كان قد ترك كفاح وعاد إليّ.

بعد مضيّ عشر دقائق هدأ الكلب ويبدو أنّ الجنود أمروه بالخروج فخرج من الغرفة. هبطت عن السّرير وناديت والدتي وطلبت منها أن تُحضر لي العكّازين - كانت قد أخذتهما لتُريهما للجنود. ناداني أحد الجنود متحدّثاً بالعربيّة: "اخرج

أيها الحيوان. اخرج وإلّا فسأدخل وأطلق عليك الرّصاص". شرحت له أنّني لا أستطيع المشي لأنّني خضعت لعمليّة جراحيّة لكنّه أصرّ فخرجت وأنا أتّكئ على زوجتي. كنت حافياً ولا أرتدي سوى بنطال "شورت" وفانيلّا وكان أولادي حاضرين يشاهدون. طلبت من الجنود أن يُتيحوا لي انتعال حذائي على الأقلّ لكنّهم رفضوا. لم تكن لدينا أدنى فكرة عن سبب اقتحامهم منزلنا بهذا العُنف المروّع.

الدبدوب "المشبوه" في منزل عائلة زيبار. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 23.11.20

عندما وصلت إلى بيت الدّرج وقف خلفي جنديّان يُمسكان بكلب آخر غير مكمم وجنديّ ثالث كبّل يديّ إلى الخلف بأصفاد بلاستيكيّة لكنّه لم يرتد كمامة، ونحن أيضاً كنّا بلا كمامات لأنّ الوقت لم يُسعفنا في ذلك. سألني الجندي ما اسمي وهل يوجد آخرون في المنزل ثمّ سألني عن عمّي رائد. أراد أن يعرف إن كان في منزلنا. عندما أجبته بالنفي توعّد الجنديّ قائلاً "إذا وجدناه في منزلكم فسوف نطلق النار عليه". قلت له "فلتفعلْ".

كان جنديّ آخر يحمل شاشة تشبه شاشة التلفزيون ويظهر فيها منزلنا. سألني هذا عن شخص ظهر على الشاشة في غرفة الأطفال. قلت له هذا "دبدوب" اشتريته لابنتي بمناسبة عيد ميلادها التاسع. ألصق الجنديّ رأسه برأسي وواصل يسألني عن رائد وهو يهدّد ويتوعّد. أقسمت له إنّ رائد ليس عندنا ولكي يتأكّد قلت له "إذا أردت يمكنني أن أدخل وأجلب الدبدوب". شعرت بالألم في رجليّ فطلبت من الجنديّ أن يسمح لي باستخدام العكّازين. كان جنديّ آخر يحملهما لكنّهم لم يسمحوا لي باستخدامهما.

بعد ذلك أمسكني أحد الجنود من كتفي واقتادني نحو الدّرج. قال لي "انزل لوحدك" فلم يكن لديّ خيار سوى أن أجلس وأهبط الدرج زحفاً؛ كانوا قد جلبوا من خلفي والدتي وزوجتي والأولاد لكنّهم لم يسمحوا لأيّ منهم أن يتقدّم ويساعدني. هبطت الدّرج كلّه بهذه الطريقة ثمّ تقدّم منّي جنديّ واقتادني وأنا أتّكئ عليه. بعد مسافة 10 أمتار سمح لي أن أستريح لبضع دقائق ثمّ اقتادونا جميعاً إلى منزل جيراننا ويبعد عن منزلنا مسافة 40 متراً تقريباً.

نحو السّاعة 6:30 اقتادني جنود وهم يوجّهون سلاحهم نحوي إلى مخزن الجيران. كان هناك شخص يرتدي الزيّ الأخضر وفي حزامه مسدّس. أعتقد أنّه من "الشاباك". كان يرتدي كمامة وناولني كمامة لأرتديها بدوري ثمّ أخذ يستجوبني. سألني ما اسمي وعن أسماء أفراد الأسرة ثمّ سأل هل رائد عندنا أم لا فكررت بالضّبط ما قلته للجنديّ. قال لي "شريف، لا تُتعبني وتوجع رأسي" فقلت له إنّني لا أريد أن أتعب أحداً وإنّ رجليّ تؤلمانني كثيراً وكذلك الأصفاد في يديّ فطلب من أحد الجنود أن يفكّ الأصفاد ويعيد تكبيل يديّ إلى الأمام. بعد ذلك أخذت تصل اسماعي أصوات انفجارات من جهة منزلنا وعندئذٍ توعّدني الرّجل بأنّهم سوف يعتقلون إخوتي. قلت له "فلتفعلوا ذلك".

ثقوب أحدثتها الأعيرة النارية التي أطلقت في منزل عائلة زيبار. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 23.11.20

نحو السّاعة 7:00 تركني وهو يقول "الآن سأبدأ مع إخوتك" ثمّ أمر الجنود أن يُعيدوني إلى حيث يحتجزون أسرتي. زحفت إلى هناك زحفاً وحين وصلت رأيت أنّهم قد جلبوا زوجات إخوتي وأولادهم سوى يوسف وشادي وأخويّ محمود ومحمد - بعد ذلك تبيّن لي أنّهم قد اعتقلوهم. بقينا هكذا حتى غادر الجنود عند السّاعة 8:00 وفيما هُم يغادرون كانوا يطلقون قنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع.

بعد أن غادر الجنود تفقّدنا الأضرار والتخريب الذي خلّفه الجيش وراءه. وجدنا أكثر من مئة "خرطوش" رصاص كانوا قد أطلقوه داخل غرف منزلي. أطلقوها بالأخصّ على الخزائن والجدران والأسرّة، أي في كلّ مكان قد يُستخدم كمخبأ. وقد أتلفوا بالطّبع جميع الأثاث والملابس ما عدا الدّبدوب الذي سبّبوا لأجله كلّ هذا الخراب. لم تصبه رصاصة واحدة حتى. اخترق الرصاص الجدران. إضافة إلى ذلك وجدنا خمس قنابل صوت انفجرت على الأرض داخل المنزل. مغسلة المرحاض الخارجي كانت مهدّمة. وكانت فتحة في الحائط الداخلي الفاصل بين الصّالون والممرّ سبّبها التفجير. كذلك خربت الأبواب الرئيسيّة في منزلي ومنزل شقيقي محمد ومنزل شقيقي محمود نتيجة للتفجيرات أثناء الاقتحام. لم يخرّبوا المحتويات في منزل شقيقيّ. أخلوا سبيلهم بعد 24 ساعة.

لقد خلّفت هذه الحادثة فينا صدمة قاسية. جميعنا نعاني من حالة نفسيّة صعبة وخاصّة زوجتي وأطفالنا. هُم خائفون طوال الوقت ويتصعّبون في النوم ولذلك ينامون في سريرنا منذ الحادثة. ذهبت زوجتي لإجراء فحص لأنّنا خشينا على صحّة الجنين ويبدو أنّ الوضع على ما يُرام سوى أنّها تعاني التوتّر والخوف. وعن نفسي فقد أرهقتني الحادثة كثيراً واحتجت إلى الكثير من الرّاحة في أعقابها.

كلمات مفتاحية