Skip to main content
جنود في إسكان الأفق، 5.4.20. الصورة بتفضل من مجلس مديري اللجنة التعاونية الأفق لإسكان المعلمين.
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

روتين الاحتلال: الجيش يستولي مراراً وتكراراً على منطقة إسكان المعلّمين "الأفق" شمال غرب نابلس لأجل إجراء تدريباته العسكريّة

في العام 1998 باشرت جمعيّة الأفق التعاونيّة لإسكان المعلّمين في إنشاء مشروع إسكان "الأفق" شمال غرب نابلس على مساحة 80 دونم تقع ضمن أراضي القرى زواتا وإجنيسينيا والناقورة. يشمل المشروع 174 شقة تتألف كلّ منها من طابقين وهو معدّ لإسكان معلّمي المدارس الحكوميّة. كلّ معلّم يقتني منزلاً في هذا المشروع يحصل على هيكل منجَز ويتكفّل بتشطيب المنزل بنفسه. ينقسم الإسكان إلى مجمّعين لكلّ منهما بوّابة خاصّة بها: المجمّع الغربيّ ويشمل 47 منزلاً والمجمّع الشرقيّ ويشمل 127 منزلاً. يُذكر أنّ جميع منازل المشروع قد تمّ بيعُها ولكن ثمانية منها فقط مأهولة في الوقت الحاليّ، أربعة في المجمّع الشرقيّ وأربعة في المجمّع الغربيّ.

في العام 2000 مع اندلاع الانتفاضة الثانية نصب الجيش بوّابة وأغلق شارع زواتا - إجنيسينيا المتفرّع عن شارع 60 شرقاً في اتّجاه قرية زواتا معلناً أنّه مخصّص لاحتياجات الجيش فقط. بموجب هذا الإغلاق اضطرّت الشاحنات التي تجلب موادّ البناء لمشروع الإسكان إلى استخدام شوارع بديلة تمرّ عبر القرى المجاورة - سبسطية والناقورة وإجنيسينيا ممّا أطال مدّة سفرها بنحو 20 دقيقة في كلّ اتّجاه ورفع بالتالي تكلفة إنشاء المشروع.

فتح الجيش الشارع لحركة السيّارات الفلسطينيّة فقط في العام 2012 ولكنّه لم يرمّم الشارع الذي لحقته أضرار جسيمة جرّاء حركة الدبّابات وغيرها من المركبات العسكريّة الثقيلة. في مرحلة لاحقة رمّمت السّلطة الفلسطينية الشارع.

المجمّع الشرقي في إسكان الأفق. الصورة بتفضل من مجلس مديري اللجنة التعاونية الأفق لإسكان المعلمين.

ولكن الجيش في موازاة فتح الشارع بدأ في إجراء تدريبات عسكريّة في أراضي مشروع الإسكان. في البداية جرت التدريبات مرّة كلّ شهرين أو ثلاثة وكانت تستمرّ في كلّ مرّة لمدّة يوم أو يومين. لكنّه قبل سنتين زاد من وتيرة إجراء التدريبات ومدّتها بحيث أصبحت تتواصل لمدّة ثلاثة أو أربعة أيّام في كلّ مرّة. تصدر عن هذه التدريبات ضجّة كبيرة وصخب يسبّبه الجنود وهُم يتنقّلون بين المنازل ويقتحمون المنازل غير المأهولة. يستخدم الجنود قنابل الصّوت وقنابل الإنارة ويبيتون داخل المنازل الخالية. بعد هذا كلّه يُنهي الجيش التدريبات ويتركه ملوّثاً بالنفايات إضافة إلى فوارغ الرصاص ومخلفات الذخيرة والقاذورات.

تقصّت باحثة بتسيلم الميدانيّة وقائع تدريبين أجراهما الجيش في أرض مشروع الإسكان. الأوّل جرى في أيلول 2019 والثاني في نيسان 2020 كما تقصّت وقائع اقتحام عنيف للمنازل في شهر نيسان هذه السّنة بحجّة البحث عن مطلوبين.

نحو السادسة والنصف من مساء يوم الأحد الموافق 1.9.19 توافدت إلى الإسكان جيبات عسكريّة وحافلات ملأى بالجنود. أجرى الجنود تدريبات طيلة أربعة أيّام في المنطقة وفي الإسكان بما في ذلك المنازل المأهولة.

أبواب خلعها واقتحمها الجنود في الإسكان. الصورة بتفضل من سكان الحي.

خلال التدريبات كان جنود يقفون عند البوّابة الرئيسية في المجمّع الغربي ويجرون التفتيش على أجساد السكّان القلائل الذين يسكنون هناك وفي سيّاراتهم أيضاً. كانوا يعيقونهم ويأخذون بطاقات هويّاتهم وقد منع الجنود بعض السكّان من دخول مجمّع الإسكان بسيّاراتهم. في صباح يوم الأحد الموافق 5.4.20 دهم الإسكان نحو 150 جنديّاً وظلّوا فيه طيلة ثلاثة أيّام متواصلة. أجرى الجنود تدريبات في المجمّع الشرقيّ. اشتملت تدريباتهم على إطلاق الرّصاص الحيّ وإلقاء قنابل الصّوت وقنابل الإنارة والرّكض بين المنازل وهم يصيحون. لقد عمّ الاضطراب حياة السكّان بسببهم.

في الثالثة والنصف من فجر يوم الخميس الموافق 16.4.20 اقتحم جنود للمرّة الأولى أربعة منازل مأهولة في المجمّع الغربيّ. دخل الجنود منزليْن في غياب أصحابهما بعد أن كسروا الباب الخارجيّ. في المنازل التي اقتحموها وأصحابها موجودون أرغم الجنود أصحابها على الخروج والانتظار في الشارع ريثما يُنهوا التفتيش. كان التفتيش عنيفاً واستخدم الجنود خلاله الكلاب ثمّ غادروا وقد خلّفوا وراءهم القذارة. هذا كلّه يجري في فترة العزل الاجتماعيّ جرّاء تفشّي وباء الكورونا حيث يحرص الناس على عدم استقبال غرباء في منازلهم.

يتعامل الجيش منذ سنوات مع مجمّعات إسكان "الأفق" وكأنّها معسكر تدريب بملكيّة خاصّة للجيش يستخدمه وقتما شاء. من وُجهة نظر الجيش يستطيع الجنود في أيّ وقت يراه مناسباً أن يدخلوا الإسكان ويطلقوا الرّصاص الحيّ وقنابل الصوت بين المنازل وحتى أن يبيتوا فيها. يتجاهل الجيش بشكل مطلق أنّ هذه ملكيّة خاصّة لأشخاص اقتنوها بأموالهم. العائلات القليلة التي تسكن هناك يعتبرها الجيش مجرّد "كومبارس" في لعبة الحرب التي يديرُها فهو يعيق طريقهم ويحتجزهم ويدخل منازلهم لإجراء التفتيش ويُفزع نوم أطفالهم في دُجى اللّيل بل ويُفلت كلابه على السكّان - هذا كلّه يفعله الجيش كجزء من "روتين التدريبات".

وإذا كان هناك من لا يزال لديه شكّ - هكذا يبدو الاحتلال: تسيّد وتنمّر وتعسّف واستعراض للقوة وتنصُّل فظّ من أيّة مسؤوليّة عن حياة السكّان الواقعين تحت حُكم الاحتلال وإذلالهم والدّوس على كرامتهم عوضاً عن الالتفات إلى رفاههم وسلامتهم.

في ما يلي إفادات أدلى بها عدد من السكّان أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي:

تدريبات عسكريّة جرت في 1.9.19 وفي 5.4.20:

فخري أبو مغلي (35 عاماً) مهندس كهرباء وميكانيكي سيّارات من سكّان نابلس وهو متزوّج وأب لولدين. عن الفزع الذي يسبّبه وجود الجنود حدّث فخري في إفادة أدلى بها يوم 15.9.19:

نحو الرّابعة والنّصف من عصر يوم الأحد الموافق 1.9.19 كنت في منزلي الجديد في إسكان الأفق مع زوجتي هبة (26 عاماً) وطفلنا لقمان (3 سنوات ونصف) وطفلتنا سند (سنة ونصف). فجأة سمعنا جلبة في الخارج سيّارات وحافلات علماً أنّها منطقة هادئة ولا توجد فيها حركة سير كثيرة.

لم ننتقل بعد للسّكن في منزلنا الجديد لأنّ هناك بعض أعمال التشطيب لم تتم بعد وأنا أقوم بها جميعاً بنفسي. فقد جئت مثلاً في ذلك اليوم وبدأت في بناء "ديكورات" عند مدخل المنزل. نظرنا عبر النافذة فشاهدنا مركبات عسكريّة وحافلات كثيرة مليئة بالجنود. اقترحت زوجتي أن نغادر فوراً ونعود إلى منزلنا في نابلس. هدّأت من روعها وأقنعتها بأن نبقى لأنّني أردت إتمام العمل الذي بدأته لكنّنا لم نبق أكثر من ساعة بعد وصول الجيش.

خلال بقيّة أيّام التدريبات كنت آتي وحدي إلى المنزل الجديد لكي أتفقّد الأوضاع. فوجئت بأنّ الجنود قد أغلقوا بوّابة الإسكان وبأنهم يطبّقون إجراء تفتيش على من يدخل. أجبروني على النزول من السيّارة وتكشيف قميصي. حتى حذائي أمروني أن أخلعه وهُم لا يريدون من هذا كلّه سوى إذلالي. فحصوا بطاقة هُويّتي أيضاً. مرّت عشرون دقيقة إلى أن سمحوا لي بالدّخول. بطاقة هُويّتي أبقوها لديهم وأعادوها حين خرجت. في يوم الثلاثاء رفض الجنود عند البوّابة أن يسمحوا لي بالدّخول بسيّارتي ولكنّني تجادلت معهم حتى سمحوا لي بذلك شرط أن أبقيها في موقف السيّارات وقد رافقني إلى الموقف جنديّان في سيّارة جيب.

إضافة إلى ذلك في اليوم الثالث 3.9.19 كان يفترَض أن يأتي عمّال لتركيب نوافذ ألومينيوم في منزلي وكنت قد حذّرت الصّنائعيّ أنّ الجيش موجود في المنطقة فقال إنّه لا يهتمّ للأمر. حين جاء وفهم أنّه يطلبون منه تفريغ كلّ حمولة الشاحنة قبل البوّابة ثمّ حملها وإدخالها سيراً على الأقدام أبلغني أنّه سيغادر لأنّه لن يستطيع حمل كلّ ما معه لمسافة 100 متر. لاحقاً عاد ونفّذ العمل بعد أن غادر الجنود المكان. لم أشعر بالأمان وأنا في منزلي! ولذلك بقيت فقط لمدّة ساعة تقريباً ثمّ قفلت راجعاً إلى منزلي في نابلس.

وفي إفادة أدلى بها في 13.5.20 بعد انتقاله للسّكن في منزله الجديد، حدّث مغلي عن تدريب جرى بعد انتقالهم بفترة قصيرة:

في بداية شهر نيسان سكنّا في المنزل. بعد بضعة أيّام في يوم الأحد الموافق 5.4.20 ظهر في الإسكان فجأة عدد كبير من الجنود وأعلنوا أنّهم سيُجرون تدريباً عسكريّاً. في البداية كانوا بعيدين عن منزلنا ولكنّهم سرعان ما انتشروا في أرجاء الإسكان وابتدأ التدريبات.

خافت زوجتي لأنّ هذا كان التدريب الأوّل بعد انتقلنا إلى منزلنا الجديد. في اللّيل أغلقنا النوافذ والأباجور لأنّنا شعرنا أنّ خصوصيّتنا منتهَكة بوجود الجيش.

نحو السّاعة 23:30 في اللّيل سمعنا جلبة فخرجت لأرى ما الذي يحدث وقد خفت أن يستيقظ أطفالي الصغار. تحدّثت مع الضّابط فوعدني أن يعالج الأمر. ابتعد الجنود عن المنزل بعد نصف ساعة تقريباً ولكن مجرّد وجودهم في المنطقة مُقلق وغير مريح.

أنا وزوجتي خائفان طوال الوقت وخاصّة حين يدهمنا الجنود ويقتحمون منزلنا. لقد ظلّوا في الإسكان لمدّة ثلاثة أيّام وطوال هذا الوقت كنّا نسمع إطلاق الرّصاص الحيّ وتفجير قنابل الصّوت.

ع.ش. متزوّجة وأمّ لأربعة أبناء. أدلت بإفادتها في 5.5.20 محدّثة عمّا عايشته الأسرة خلال تدريب أجراه الجيش في الإسكان في بداية شهر نيسان:

في 5.4.20 كنت وأسرتي في المنزل ملتزمين العزل الصحّي عملاً بتعليمات السّلطة الفلسطينيّة. سمعت ضجيجاً في الخارج وعندما نظرت عبر النافذة شاهدت حافلات وعدداً من الجيبات العسكريّة تقتحم الإسكان. توتّرت واضطربت لأنّ رؤية جنود مسلّحين يدهمون حارتك أمرٌ مخيف. دخلت الحافلات والجيبات العسكريّة إلى المجمّع الشرقيّ. فوراً بدأت في تدبير الأمور على ضوء معرفتي أنّنا في وجود الجيش سنعاني من صراخ الجنود وركضهم هنا وهناك ناهيك عن ضجّة قنابل الصّوت وقنابل الإنارة. طلبت من أفراد أسرتي أن يبقوا داخل المنزل وخرجت فوراً لكي ألمّ الغسيل عن الحبل. اغتنمت الفرصة فسقيت المزروعات أيضاً كي لا أضطرّ للخروج ثانية. نحن نخاف الخروج إلى الحديقة عندما يكون الجنود في الإسكان. بعد ذلك دخلت إلى المنزل وأقفلت الباب ثمّ أغلقت النوافذ بشكل مُحكم. أسدلت السّتائر أيضاً كي لا ينظر الجنود إلينا.

بعد مضيّ نحو السّاعة بدأنا نسمع إطلاق الرّصاص وانفجار قنابل الصّوت. كلّ قنبلة صوت يلقونها تهزّ البيت كلّه وفي هدوء اللّيل تسمع الصّوت مضاعفاً. إنّه أمرٌ مزعج جدّاً. لكي نتفادى الضجيج ومؤشّرات اللّيزر التي يوجّهها الجنود إلى داخل منزلنا نضطرّ أن ننام وكلّ شيء مغلق، النوافذ والأباجور. من الصعب جدّاً النوم هكذا وفوق ذلك نحن نظلّ قلقين طوال الوقت من إمكانيّة اقتحام الجنود المنزل.

انتقلنا للسّكن هنا قبل سنة ونصف وفي هذه الأثناء لم يحدث أن اقتحموا المنزل ولكنّني أظل خائفة من ذلك طوال الوقت. مضت علينا ثلاثة أيّام لم نخرج فيها من المنزل حتى إلى الحديقة. هكذا إلى أن غادر الجنود. عندما غادروا في ساعات المساء أصرّ الأولاد على الخروج وركوب درّاجاتهم لكنّ زوجي لم يسمح لهم لأنّه خاف عليهم من ذخيرة قد يكون الجنود خلّفوها وراءهم.

في صباح اليوم التالي جاء مختصّون من الدّفاع المدني وفحصوا المباني لكي يتأكّدوا من خلوّ المكان من ذخيرة قابلة للانفجار. لقد حدث مرّات كثيرة أن عثر أولادي داخل الإسكان على خراطيش رصاص وعبوات قنابل صوت فارغة. نحن نخاف أن يتركوا هنا أشياء أخطر من ذلك عمداً أو سهواً. أتنفّس الصّعداء كلّما غادروا. أحسّ كأنّ شيئاً ما يُثقل على صدري أثناء وجودهم وأشعر أنّه ينزاح عنّي حين يغادرون.

كلّ من أعرفهم يستغربون كيف نقبل أن نسكن هنا في مثل هذه الظروف وكلّهم يسألون كيف نتحمّل ذلك.

ولكن هذا بيتي وقد صرفت المال الكثير على تشطيبه بالشكل الذي يلائم احتياجاتنا. استثمرت في هذا المنزل كلّ ما لديّ لأنّه سيُؤوينا مدى الحياة. لن أترك منزلي مهما جرى. لن أذهب إلى أيّ مكان آخر وبالأحرى ليس لديّ مكان آخر أذهب إليه.

جنود في إسكان الأفق، 5.4.20. الصورة بتفضل من مجلس مديري اللجنة التعاونية الأفق لإسكان المعلمين.

اقتحام منازل مأهولة وإجراء تفتيشات عنيفة، 16.4.20:

مراد خليفة (58 عاماً) عامل بناء متزوّج وأب لأربعة أبناء. في إفادة أدلى بها يوم 22.4.20 حدّث كيف اقتحم جنود منزله قُبيل الفجر:

كنت ذاهبًا للنّوم نحو السّاعة 3:30 قُبيل الفجر وسمعت جلبة في الخارج. فجأة صدر ضجيج هائل اهتزّت له أركان المنزل. لم أفهم ما الذي يجري. هرعت إلى غرفة الصّالون فرأيت أمامي 15 جنديّاً قد اقتحموا المنزل. قلت لهم: ما هذا؟ لماذا تفعلون ذلك؟ أشار أحدهم لي أن أصمت وأمرني أن أناوله بطاقة هويّتي. سألني عن حارس الإسكان فقلت له إنّه موجود عند مدخل المجمّع.

قال لي أحد الجنود إنّهم يريدون إجراء تفتيش في المنزل فطلبت منه أن ينتظر إلى حين أوقظ أفراد أسرتي بمن فيهم حفيدتي وهي طفلة لم تتجاوز سنتين ونصف من عمرها. أمرنا الجنود أن نتجمّع في الصّالون وطلب أحدهم من ابني نسيم (24 عاماً) ومن نائلة زوجتي أن يجلب كلّ منهما بطاقة هُويّته. بعد ذلك أمرونا أن نخرج من المنزل لكي يجروا التفتيش.

خرجنا ووقفنا قبالة المنزل. أدخل الجنود إلى منزلنا ثلاثة كلاب. كان الطقس بارداً وخفت أن تمرض حفيدتي. طلبت من الجنود أن يمسحوا لنا بالجلوس داخل سيّاراتنا فوافقوا. جلست زوجتي والبنات وحفيدتنا داخل سيّارتنا وجلسنا أنا وابني نسيم داخل سيّارته.

غادر الجنود منزلنا نحو السّاعة 5:30 فعُدنا إلى المنزل. خوفاً من الكورونا طلبت من أفراد أسرتي أن لا يلمسوا أيّ شيء. عقّمنا كلّ شيء: أيدي الأبواب والخزائن وأدوات المطبخ وكلّ الأسطح وكذلك الأرضيّة. لم يترك الجنود شيئاً إلّا وعبثوا به. لم يبق شيء على حاله. جميعنا انهمكنا في تنظيف كلّ شيء حتى أغطية الأسرّة. ما يمكن غسله غسلناه والباقي نشرناه في الشمس لكي يتعقّم.

بذلنا كلّ جهدنا لكي نلتزم تعليمات التباعُد والعزل وحتى أنّني اضطررت إلى التغيّب عن عملي لكي أحمي نفسي وأسرتي من الكورونا. غير أنّ الجنود دخلوا إلى قلب منزلنا ولمسوا كلّ شيء. بعضهم كان يرتدي قفّازين ويضع كمّامة ومع ذلك مجرّد دخولهم إلى المنزل في هذه الفترة العصيبة أفزعنا كثيراً وسبّب لنا الهلع. هذا ناهيك عن الخوف الذي أثارته فينا عمليّة الاقتحام نفسها.

ليست هذه أوّل مرّة يدهم فيها الجنود الإسكان أو يقتحمون منزلنا. إنّهم يُجرون تدريبات عسكريّة طوال الوقت مرّة في الشّهر تقريباً. هُم يقتحمون المنازل غير المأهولة بعد. لقد اقتحموا منزلنا عدّة مرّات قبل أن ننتقل للسّكن فيه. انتقلنا قبل ستّ سنوات وهذه أوّل مرّة يقتحمون فيها المنزل ونحن فيه.

حتى اليوم لم أتمكّن من إصلاح الأضرار التي سبّبوها للمنزل أثناء الاقتحام. يجب أن أستبدل القفل ولكن بسبب الكورونا لا يأتي أحد الآن كما أنّ جميع الحوانيت مغلقة.

جنود في إسكان الأفق، 5.4.20. الصورة بتفضل من مجلس مديري اللجنة التعاونية الأفق لإسكان المعلمين.

أدناه إفادة نجاة جبر (41 عاماً) وهي متزوّجة وأمّ لثلاثة أبناء - أدلت بها في 3.5.20 محدّثة كيف اقتحم الجنود المنزل في غياب أفراد الأسرة:

أضرار لحقت بباب منزل نجاح جابر. الصورة بتفضل من العائلة.

نحو الخامسة والنصف من صباح يوم الخميس الموافق 16.4.20 بتنا في منزلنا الواقع في نابلس. اتّصل جيراننا في الإسكان بزوجي وقالوا له إنّ جنوداً اقتحموا منزلنا وكسروا باب المدخل.

وصلنا أنا وزوجي إلى منزلنا في الإسكان عند السّاعة 7:00 صباحاً فشاهدنا بابي المدخل مكسورين.

في داخل المنزل كانت خزائن الملابس مفتوحة والأدراج مسحوبة وملقاة على الأرض وكذلك أغطية السّرير. جميع أبواب الخزائن في الحمّام والمطبخ كانت مفتوحة وآثار أقدام الجنود تلوّث أرضيّة المنزل. طلب زوجي ألا ألمس شيئاً إلى حين تعقيم المنزل.

بعد وقت قصير جلب الجيران مرشّات وموادّ تعقيم فعقّمنا المنزل كلّه وفقط بعد ذلك بدأت في التنظيف. نظّفت البيت كلّه من السّطح وحتى الحديقة. انهمكت في التنظيف من السّاعة 7:30 صباحاً وحتى 18:00 مساءً.

تعبت كثيرا فقد نظّفت كلّ شيء حتّى أدوات المطبخ لأنني خفت أن يكون الجنود قد لمسوها. لا مكان للمخاطرة إذ ينتشر وباء الكورونا. عندما أنجزت كلّ شيء كنت فقط أريد أن أستلقي وأرتاح.

الآن نحن نخشى الخروج من المنزل لأنّ بابي المدخل مكسورين ولا يوجد من يأتي لإصلاحهما في الأوضاع الحاليّة. هذا إضافة إلى أنّ تصليح البابين سوف يكلّفنا مبلغاً كبيراً نحو 4,000 شيكل وزوجي يخشى أن نقوم بتصليحهما ثمّ يعاود الجنود اقتحام المنزل ويخرّبوا الأبواب مرّة أخرى. أقفلنا البابين من الدّاخل بمساعدة الجيران ولا نستطيع استخدامهما في الوقت الحاليّ. نستخدم الباب الخلفي. هذا غير آمن ولكن هذا كلّ ما نستطيع فعله في هذه الظروف. وأيضاً بسبب الكورونا لا يوجد عمل الآن.

بالنسبة لبناتي أوّل ما فعلنه حين وصلنا إلى المنزل أن توجّهن لتفقّد ألعابهنّ فوجدن أنّ الجنود قد عبثوا بالألعاب أيضاً. لا أفهم كيف يعبثون بألعاب الأطفال! ما الذي يمكن أن يكون هناك؟ حزنت بناتي بالطّبع حين رأين ذلك.

يأتي الجنود إلى هنا طوال الوقت بحجّة التدريبات ولكنّهم الآن صاروا يقتحمون المنازل المأهولة أيضاً. لم يفعلوا ذلك في الماضي. الجميع يعلم أنّهم لا يفتّشون عن شيء في الواقع وأنّ هدفهم الوحيد ترهيبنا ودفعنا إلى الرّحيل عن المنطقة.

نحن اخترنا السّكن هنا لكي نبتعد عن الضجيج. المنطقة هادئة والطبيعة ساحرة. أتمنّى أن يتركنا الجنود في حالنا فلا يأتوا بعد أبداً.

 

كلمات مفتاحية