Skip to main content
عُنف وتحقيق واطلاق نار- يوم جُمعة آخر تحت وطأة الاحتلال في دير نظام
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

عُنف وتحقيق واطلاق نار- يوم جُمعة آخر تحت وطأة الاحتلال في دير نظام

نحو السّاعة الثانية من بعد ظهر يوم الجمعة الموافق 24.1.20 اقتحم جيب عسكريّ قرية دير نظام شمال غرب رام الله. عندما اقترب الجيب من الجامع القديم في القرية توقّف وترجّل منه جنديّان. انقضّ الجنديّان على الفتى أ.ت (15 عامًا) وأدخلوه إلى الجيب.

أدناه إفادة الفتى أ.ت. - أدلى بها في 27.1.20 إلى باحث بتسيلم الميداني إياد حدّاد قائلًا:

"نزل من الجيب جنديّان الذي بجانب السّائق وآخر كان يجلس في الخلف وهجما عليّ. أمسك أحدهما بيديّ إلى الخلف وأخذ يصرخ بالعبريّة ولم أفهم ممّا قاله سوى جملة "أنت ترشق الحجارة". هذه العبارة أعرفها لأنّ الأولاد يستخدمونها أثناء اللّعب. فهمت أنّه يتّهمني برشق الحجارة.

خفت كثيرًا، خاصّة وأنّ الشارع كان خاليًا من الناس وكلّ شيء هادئ من حولي. لم أفهم لماذا يعتقلونني وكيف يتّهمونني برشق الحجارة. صرت أصرخ مستغيثًا بأهلي والناس. خرج بعض الأهالي ممّن سمعوا صراخي وحاولوا التدخّل".

جاء إلى المكان أفراد أسرة أ.ت وعدد من أهالي القرية وحاولوا إقناع الجنود بإخلاء سبيل الفتى لكنّ الجنود صرخوا عليهم وألقوا نحوهم قنبلة صوت.

بعد دقائق معدودة تقدّم الجيب والفتى أ.ت. في داخله بضعة عشرات من المترات في منحدر الشارع لكنّ الأهالي استمرّوا في محاولات تخليصه من أيدي الجنود وعندها أطلق أحد الجنود في الهواء عددًا من الأعيرة الناريّة. في هذه اللّحظات كان بلال تميمي (26 عامً) في موقع آخر قريب فصوّب الجنديّ نحوه وأصابه بعيار ناريّ في منطقة الحوض من الخلف. أخلي بلال إلى المستشفى الاستشاري في رام الله.

بعد إطلاق النار غادر الجنود في الجيب العسكريّ فورًا وأخذوا معهم أ.ت. معصوب العينين مكبّل اليدين إلى الخلف واتّجهوا إلى معسكر للجيش وهم يضربونه في الطريق إلى هناك. طيلة ساعتين لم يكلّف أحد نفسه عناء تبليغ والديه عن مكان وجوده. في المعسكر حيث كان الفتى وحيدًا وخائفًا حقّقوا معه وقاموا بتهديده. لم يخلوا سبيله إلّا بعد مضيّ ستّ ساعات تقريبًا - منعوه خلالها من دخول المرحاض وحرموه الطعام والماء.

معظم الجمهور الإسرائيلي وقيادته والجيش وقادته يعتبرون ما جرى في دير نظام جزءًا من روتين عاديّ. هو روتين أيضًا بالنسبة لمن يرزحون تحت سيطرتنا من أهالي دير نظام لكنّه روتين وحشيّ مُرعب يخلّف الندوب في نفوسهم وأجسادهم: الانقضاض على فتىً في ظهيرة يوم جمعة. التحقيق معه طوال ساعات دون أن تعرف أسرته أين هو. المعاملة المهينة أثناء التحقيق. إلقاء قنابل الصوت وإطلاق الرّصاص الحيّ وإصابة بلال تميمي. الاحتمال الوارد جدًّا، أنّ هذا كلّه كان من الممكن أن ينتهي بخسائر في الأرواح، لا سمح الله، مثلما حدث في مرّات أخرى - وفي عبارة أخرى: روتين، كما قلنا.

بلال تميمي في المستشفى. تصوير: اياد حداد، بتسيلم، 26.1.20

إطلاق النار على بلال تميمي

بعد أن سمع محمد تميمي (58 عامًا) وهو أب لتسعة أبناء ومن سكّان دير نظام أنّ جنودًا يحتجزون الفتى أ.ت توجّه في سيّارة إلى منطقة الجامع مع ثلاثة من أقربائه .

في إفادة أدلى بها في 26.1.20 إلى باحث بتسيلم الميداني إياد حدّاد قال:

محمد تميمي. تصوير: اياد حداد، بتسيلم، 26.1.20

فيما كنّا نقترب بالسيّارة من الجنود لكي نحاول تخليص الولد من أيديهم صرخ علينا قائد المجموعة وأمرنا بالتوقّف. بعد أن توقّفنا خبط بقوّة على زجاج السيّارة الأماميّ بيديه وأمرنا أن ننزل. عندما نزلنا أمرنا بتسليمه بطاقات هُويّاتنا وهواتفنا. رفضت أن أسلّمه إيّاهم وقلت له بالعبريّة: "نحن لم نفعل شيئًا، لماذا تحتجزنا وتطلب بطاقات هويّاتنا؟" فأخذ يصرخ علينا مجدّدًا وألقى أحد الجنود قنبلة صوت بهدف ترهيبنا. ابتعدنا نحو مقهىً يقع على بُعد بضع عشرات من الأمتار على أمل أن يهدأ الوضع ويخلوا سبيل الولد.

تقدّم الجنود والجيب إلينا فيما آخرون من الأهالي يحاولون تحرير الولد ولكن لم يجرؤ أحد على الاقتراب من الجنود كثيرًا، لأنّ هؤلاء كانوا عدوانيّين جدًّا وخاصّة القائد الذي كان طوال الوقت يصرخ ويتصرّف بعُنف. اقترب القائد منّي كثيرًا وأطلق في الهواء بضع رصاصات حيّة. كان قريبًا منّي لدرجة أنّني أحسست بخراطيش الرّصاصات تتناثر عليّ. خفت كثيرًا وابتعدت عنه. وكان جنديّ آخر يلقي قنابل الصّوت بشكل عشوائيّ نحو الأهالي الذين خرجوا من بيوتهم ليشاهدوا ما يحدث.

فجأة رأيت القائد الذي كان على بُعد أمتار فقط منّي، يصوّب بندقيّته إلى قريب لي يُدعى بلال تميمي كان واقفًا على بُعد نحو 25 مترًا منّي. أطلق القائد بضع رصاصات رغم أنّ الأهالي في تلك اللّحظات قد بدأوا يتفرّقون ولم أر أيّ رشق حجارة في ذلك اليوم. أصيب بلال ووقع أرضًا في الشارع.

بعد إطلاق الرّصاص حدثت فوضى. أخذ الناس يصرخون على الجنود وبعض الأهالي أخذوا بلال في سيّارة إلى المستشفى. عندها صعد الجنود فورًا إلى الجيب وغادروا المكان والولد معهم.

يقيم المصاب، بلال تميمي (26 عامًا) في رام الله ويعمل موظّفًا في المحكمة. أتى في ذلك اليوم لزيارة عائلته في القرية وخرج ليشتري مشروبات.

أدلى بلال بإفادته في 26.1.20 واصفًا ما حدث:

قبل أن أخرج سمعت انفجارات قنابل صوتيّة وظننت أنّ هذا أمر عاديّ فأنا من أهالي القرية وقد انتقلت منها قبل شهرين فقط ونحن معتادون على جنود يقتحمون القرية لملاحقة راشقي الحجارة والأطفال وفي هذه الأثناء يطلقون الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت والرّصاص الحيّ أحيانًا ثمّ يغادرون.

عندما أصبحت قرب الجامع شاهدت الجنود في حالة هستيريا. لكي أحمي نفسي منهم وأيضًا لكي أشاهد ما يحدث صعدت الدّرج الخارجي في منزل أقرباء لي قريب من هناك. قلت فلأنتظر هناك إلى أن يهدأ الوضع ولم يخطر في ذهني أن يصيبني الجندي لأنّ الوضع كان هادئًا. لم يكن رشق حجارة أو على الأقلّ أنا لم أشاهد رشق حجارة.

كانت المسافة بيني وبين الجنود 20 - 30 مترًا. أطلق الجندي بضع رصاصات أصابتني واحدة في يسار منطقة الحوض عندما استدرت لجهة الدّرج. أحسست مثل ضربة كهرباء وأصابني دُوار وغثيان. خفت. بدأ الدّم يسيل ووقعت أرضًا على الشارع. ناديت مستنجدًا فقدم بعض الشباب فورًا وحملوني إلى سيارة أخذتني إلى المستشفى الاستشاريّ. في الطريق لفّ الشباب جرحي وضغطوا عليه لوقف النزيف. كنت في كامل وعيي وأحسست آلامًا شديدة. خفت أن تكون إصابتي خطيرة وتؤدّي إلى موتي. استغفرت ربّي وتشاهدت.

في المستشفى وبعد صور الأشعّة أجريت لبلال عمليّة جراحيّة لإخراج شظايا الرّصاصة التي أصابته في أسفل منطقة الحوض من الخلف ورقد رهن العلاج حتى 6.2.20. في إفادته من يوم 23.2.20 قال:

ما زلت أعاني أوجاعًا وخدرًا في رجلي اليسرى. لا أستطيع المشي لمسافة طويلة لأنّ الإصابة أثّرت على ملتقى الأعصاب في الفخذ، وكذلك لا أستطيع صعود الدّرج أو قيادة السيّارة. أحيانًا أستعين بعكّاز وأحتاج مساعدة زوجتي أثناء المشي. طمأنني الأطبّاء وقالوا أنّ وضعي سوف يتحسّن خلال بضعة أشهر.

أنا متغيّب عن العمل منذ إصابتي وأخشى أن أفقد عملي. هذه المخاوف تؤثر سلبًا على نفسيّتي. مزاجي متعكّر لأنّني مللت القعود في المنزل. أنا محبَط وقلق وأخشى على مستقبلي. هذا القلق يسبّب لي الأرق. وضعي صعب. الله وحده يعلم بحالي.

"التحقيق" مع الفتى أ.ت.

بعد إطلاق النار وإصابة بلال تميمي أدخل الجنود أ.ت. (15 عامًا) إلى الجيب العسكريّ وأجلسوه في المقعد الخلفيّ ثمّ غادروا والفتى معصوب العينين ومكبّل اليدين إلى الخلف. أخذوه إلى معسكر للجيش يقع على بُعد بضعة كيلومترات شمال دير نظام.

في إفادة أدلى بها أ.ت في 27.1.20 قال:

أثناء سفر الجيب قلت مرارًا للجندي الذي كان يجلس إلى جانبي انّني لم أرشق الحجارة ولكنّه كان يدفع رأسي إلى أسفل ويضربني على رأسي أو رقبتي كلّما تكلّمت. عند مدخل القرية التقى الجنود مركبة عسكريّة ("خنزيرة") فقالوا للجنود الذين فيها أنّهم قبضوا على راشق حجارة فأخذ هؤلاء بشتمي. قالوا لي "بندوق" و"ابن زانية" وعبارات أخرى من هذا القبيل.

عندما وصلنا إلى المعسكر وهو يبعد بضعة كيلومترات عن قريتنا أنزلني الجنود من الجيب وأجلسوني على الأرض في الخارج ركوعًا على ركبتيّ ووجهي إلى حائط الكرفان. كانت الأرض مفروشة بالحصى ممّا آلمني لأنّ الحصى كان يغرز في ركبتيّ وساقيّ لكنّهم منعوني من التحرّك أو القيام.

بعد مضيّ نصف ساعة أدخل الجنود أ.ت إلى الكرفان وهو معصوب العينين. كان في الغرفة شخص سأل الفتى عن تفاصيله الشخصيّة وطرح عليه أسئلة حول محيطه الاجتماعيّ. بعد فترة يقدّرها أ.ت بعشرين دقيقة أزالوا العصبة عن عينيه ودخل ضابط إلى الكرفان أخذ يحقّق معه حول رشق حجارة نحو مستوطنة "حلميش" وعرض عليه شريط فيديو يظهر فيه أولاد يرشقون الحجارة نحو المستوطنة. أنكر أ.ت. تهمة رشق الحجارة.

يتابع الفتى في إفادته قائلًا:

جاء محقّق آخر لاحظت أنّه أخذ يجادل المحقّق الأوّل ثمّ بدأ هو أيضًا يحقّق معي. صرخ عليّ باللّغة العربيّة "لا تُثر أعصابي! قل الحقيقة. هذا الذي في الصّورة أنت. لا تكذب!". ولكن حقًّا أنا لم أظهر في ذلك الشريط. قلت له "ولماذا أكذب؟ أنا أصلًا لم أكن هناك". ثمّ أخذ يسألني عن أصحابي. قلت له "ليس لديّ أصحاب". سألني عن زملائي في الصفّ وبعد ذلك قال "إذن أنت لا تريد أن تتكلّم. سوف أجلب لك محقّقًا يُجبرك على الكلام غصبًا عنك". بعد ذلك عصب عينيّ مجدّدًا وشدّ العصبة حتى لم أعدْ قادرًا على رؤية شيء عبرها.

أجلسني على الأرض وخرج من الكرافان. شعرت بالبرد وأخذ البرد يزداد ويزداد حتى صرت أرتجف. طلبت الذهاب إلى المرحاض ولكنّهم لم يسمحوا لي كما أنّهم أبقوني دون طعام وماء.

طيلة خمس ساعات كنت في هذا الوضع: خائف وأرتجف من البرد. وكنت كلّما طلبت شيئًا - ماء أو طعام أو ذهاب إلى المرحاض - لا يجيبون سوى بإسكاتي "هُصّ، اسكت". كان جنود يروحون ويجيئون طوال الوقت وأحيانًا يشتمونني قائلين "يا ابن الزّانية".

بعد أكثر من خمس ساعات اقتادني الجنود إلى الجيب وكنت ما زلت معصوب العينين. تحرّك الجيب ولم أعرف إلى أين يتّجه. فجأة أخلوا سبيلي قرب مدخل النبي صالح. كانت السّاعة الثامنة أو التاسعة ليلًا. سلّموني إلى رئيس المجلس المحلّي وكان ينتظر هناك مع والدي. من هناك أخذوني إلى بيتنا.

سمع والد الفتى أ.ت (52 عامًا) عن إصابة بلال تميمي فجاء إلى المستشفى لزيارته وهناك علم من الأهالي المتجمّعين أنّ الجيش اعتقل ابنه.

في إفادته التي أدلى بها يوم 5.2.20 قال:

قلقت كثيرًا وخشيت على ابني فأنا كثيرًا ما أسمع عن تنكيل الجيش بالقاصرين الذين يعتقلهم أو يحتجزهم. تراكضت في ذهني أفكار سوداء: هل أجلسوه بوضعيّة "الشّبْح" في البرد، هل ضربوه؟ هل أهانوه وأذلّوه؟

كان في المستشفى رئيس المجلس المحلّي وعضو المجلس. قالا لي أنّهما ومنذ اللّحظة الأولى أجروا اتّصالاً مع مديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة ومنظمات حقوق إنسان وأنّهم يواصلون متابعة وضعه.

من شدّة توتّري وارتباكي صرت أروح وأجيء في ممرّات المستشفى. كانت تصلني اتّصالات من حين لحين من زوجتي وأولادي والأقارب جميعهم يسألون عن وضع أ. بعد ساعة أو ساعتين أبلغونا من مديريّة التنسيق والارتباط الإسرائيليّة - أو ربّما الفلسطينيّة. لا أذكر بالضّبط - أنّ ابني بخير وأنّه محتجَز في معسكر للجيش وسوف يسلّمونا إيّاه في السّاعة 20:00. لم يقولوا أين هو محتجَز. اطمأنّيت وهدأت قليلًا ولكن بقيت قلقًا وخائفًا.

عند السّاعة 20:00 أبلغني رئيس المجلس أنّ الجيش سوف يخلي سراح ابني قرب بوّابة النبي صالح فتوجّهت إلى هناك فورًا. عانقته وفرحت كثيرًا لإخلاء سراحه. كان سليمًا معافىً ولم يعاني من أيّ شيء لكنّه كان خائفًا ومتجمّدًا من البرد. زعم الضّابط أنّهم أخلوا سبيله رغم أنّ في حوزتهم شريط من كاميرا حراسة يظهر فيه وهو يرشق الحجارة قرب مستوطنة "حلميش" ويحاول كسر الكاميرا؛ وأضاف أنّهم في المرّة القادمة سوف يعتقلونه لأيّ عمل يقوم به.

عدنا إلى المنزل وكان الجميع مسرورين جدًّا وخاصّة والدته التي كانت تنتظر وصوله بلهفة لتتأكّد أنّه بخير. الحمد لله أنّ ابني عاد سليمًا معافىً.

منذ الحادثة تلك وابني يُصاب بالذّعر عندما يرى جنودًا أو يسمع أنّهم في القرية. إذا كان في الخارج يفرّ مبتعدًا لكي لا يصادفهم وإذا كان في المنزل يبقى فيه حتى يتأكّد أنّهم غادروا القرية.