Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

الاحتلال - 47 عامًا من الوضع المؤقت

يبدو أحيانًا وكأنّ الاحتلال أضحى ماضيًا فالتقارير المتتالية عن نساء اضطررنَ للولادة على الحاجز قد انقضت منذ زمن، والأخبار المتعلقة بعمليات القتل والعنف والهدم قد تناقصت. إسرائيل لم تعد ضالعة بالبتّ في المنهاج الدراسيّ للأولاد الفلسطينيّين وجنود الجيش الإسرائيليّ لم يعودوا حاضرين في قصبة نابلس بشكل دائم. وبدلاً من كلّ ذلك نسمع عن مدينة جديدة يبنيها الفلسطينيّون في الضفة وعن تنسيق أمنيّ مع السلطة الفلسطينيّة.

إلا أنّ الاحتلال ما يزال هنا وهو يقترب من عامه الخمسين. جيل ثالث وحتى رابع من الفلسطينيّين والإسرائيليّين وُلدوا أثناء الاحتلال وهو الواقع الوحيد الذي يعرفونه. وقد أدّت اتفاقية أوسلو التي وُقعت قبل نحو 20 عامًا إلى إقامة السلطة الفلسطينيّة لتخلق وهمًا بأنّ تأثير إسرائيل على حياة الفلسطينيّين أضحى هامشيًا تقريبًا. ولكن وحتى اليوم ما تزال إسرائيل العامل الأكثر تأثيرًا على الحياة اليوميّة لجميع سكان الضفة الغربيّة.

فور انتهاء الحرب ضمّت إسرائيل نحو 70,000 دونم من مناطق الضفة إلى منطقة نفوذ القدس (الغربيّة) وسيّرت عليها القانون الإسرائيليّ. وجرى هذا الضمّ خلافًا لأحكام القانون الدوليّ، إذ أنّ مكانة القدس الشرقية كمنطقة محتلة لا تختلف عن سائر أرجاء الضفة الغربيّة. يعاني سكان المنطقة انتهاكات لحقوق الانسان من طرف إسرائيل، إلا أنّ كون هذه المنطقة غير تابعة لحكم عسكريّ وكون سكانها خاضعين للجهاز القضائيّ الإسرائيليّ، فإنّ هذا المستند لا يتطرّق إليهم وهو يتمحور حول مناطق الضفة الغربيّة التي لم تُضمّ إلى إسرائيل، فقط.

المستوطنات: هذه هي القصّة

مزارع فلسطيني امام مستوطنة افرات. تصوير: باز رطنير، رويتريوز. 22/11/2011

إن المستوطنات اليوم هي العامل الأكثر تأثيرًا على واقع الحياة في الضفة الغربيّة: إن مئات الآلاف من المواطنين الإسرائيليين يعيشون في أكثر من 200 مستوطنة وبؤرة استيطانيّة في أرجاء الضفة حيث شُيّدت كلها خلافًا لأحكام القانون الإنسانيّ الدوليّ وبعضها حتى خلافًا للقانون الإسرائيليّ.

مئات آلاف الدونمات من الأراضي بما فيها مناطق رعي ومناطق زراعيّة انتُزعت من الفلسطينيّين لصالح إقامة المستوطنات. لقد أُعلن عن قسم كبير من هذه المناطق كـ "أراضي دولة"، من خلال الاستناد على تفسير مشكوك به للقانون؛ وقد نُهبت مناطق أخرى من الفلسطينيّين لهذا الغرض بواسطة فرض الوقائع على الأرض ومن خلال اللجوء إلى القوة. إلى جانب ذلك خُصّصت لصالح المستوطنات -وبسخاء كبير- مساحات شاسعة والتي تزيد مساحتها كثيرًا عن المنطقة العمرانيّة فيها. وقد أُعلنت جميع مناطق المستوطنات "مناطق عسكريّة مغلقة" يُحظر دخول الفلسطينيّين إليها من دون تصريح.

تتجاوز إسقاطات المستوطنات على حقوق الإنسان الخاصة بالفلسطينيّين حجمَ الأراضي التي استولوا عليها لغرض إقامتها بكثير: فقد صُودرت أراض أخرى لصالح شقّ مئات الكيلومترات من الطرق والشوارع الالتفافيّة لصالح المستوطنين؛ كما نُصبت الحواجز والوسائل المُقيّدة الأخرى التي لا تقيّد إلا حركة الفلسطينييّن وفقًا لموقع المستوطنات؛ فضلا عن إغلاق أراض زراعيّة كثيرة بشكل فعليّ -تقع داخل مناطق المستوطنات وخارجها- بوجه مالكيها الفلسطينيين. كما تقرّر مسار جدار الفصل الملتوي داخل مناطق الضفة وذلك بالأساس من أجل إبقاء أكثر ما يمكن من المستوطنات والمساحات الشاسعة التي تخصّصها إسرائيل لتوسيع هذه المستوطنات في الجهة الغربيّة للجدار. وتؤدّي إقامة الجدار في مساره الحاليّ إلى إلحاق ضرر الشديد بحقوق الفلسطينيّين الذين يسكنون بجواره، حيث حُبس بعضهم في داخل "مُسوَّرات" إذ أيضًا يشوّش روتين حياتهم: فهو يحدّ من قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم الزراعيّة ويحدّ من إمكانية الحصول على الخدمات الحيويّة والالتقاء بأفراد العائلة والأصدقاء الذين ظلوا في الجهة الأخرى للجدار ويحول دون تطوير هذه المناطق.

إنّ وجود مواطنين إسرائيليّين في الضفة ووجود المستوطنات والبؤر الاستيطانيّة المنتشرة في كلّ مناطقها يشكلان السبب الأساسيّ من وراء وجود أعداد كبيرة من قوات الأمن الإسرائيليّة في الضفة. وتخصّص هذه القوات مواردَ جمّة بغية أن تضمن عدم خرق الفلسطينيّين للأوامر العسكريّة المخصّصة لإبعادهم عن مناطق المستوطنات، وأيضًا بغية منعهم من المسّ بالمستوطنين والمستوطنات، وهذه الاعتداءات ليست أخلاقيّة وليست قانونيّة، رغم كون المستوطنات انتهاكًا لأحكام القانون الإنسانيّ الدوليّ. يخلق وجود قوات الأمن بهذا الشكل تماسًا يوميًا بينهم وبين السكان الفلسطينيّين ويؤدّي بدوره إلى انتهاك قوات الأمن لحقوق الإنسان، بما في ذلك الممارسات العنيفة وإطلاق النار خلافًا للقانون.

 

ورغم أنّ الضفة الغربيّة ليست جزءًا من مناطق الدولة السياديّة، إلا أنّ إسرائيل سيّرت غالبية القوانين الإسرائيليّة على المستوطنات والمستوطنين. ونتيجةً لذلك، يتمتّع المستوطنون بكلّ الحقوق المكفولة لمواطني الدول الديمقراطيّة، على شاكلة مواطني دولة إسرائيل الذين يسكنون في داخل حدود الخط الأخضر.

اتفاقية أوسلو: وهم الحكم الذاتيّ

أطفال من قبيلة الجهالين وفي الخلفية مستوطنة معاليه أدوميم. إسرائيل تخطط لطرد سكان القرى البدوية من المنطقة لغرض توسيع المستوطنة. تصوير: عمار عواد، رويترز، 16 حزيران 2012.

خلافًا لأهدافها المعلنة، فإنّ اتفاقية أوسلو تسمح لإسرائيل بالذات بتثبيت سيطرتها على جميع مناطق الضفة، واستغلالها لأغراضها والتأثير على المناحي الهامّة في حياة سكانها الفلسطينيّين اليوميّة.

كيف؟ قُسّمت السيطرة على الضفة الغربية لفترة مؤقتة كان من المفترض أن تستمرّ لخمس سنوات إلى حين التوقيع على اتفاقية الحلّ الدائم، وفق ما يلي: نحو 40% من مناطق الضفة، التي كانت في غالبيتها منطقة فلسطينيّة عمرانيّة أثناء التوقيع على الاتفاقية والتي كانت تعيش فيها الأغلبيّة الساحقة من السكان الفلسطينيّين نُقلت إلى السيطرة الكاملة أو الجزئيّة للسلطة الفلسطينيّة وعُرّفت هذه المناطق كمناطق A وB. وأبقت إسرائيل تحت سيطرتها الكاملة نحو 60% من مناطق الضفة وسُمّيت مناطق C والتي شملت –من ضمن ما شملت- مناطق المستوطنات برُمّتها.

تتعامل إسرائيل مع منطقة C وكأنها مخصّصة لخدمة احتياجاتها فقط، من خلال تجاهل تامّ لكون الاتفاقيّة مؤقتة: فقد استغلّت المنطقة من أجل توسيع المستوطنات، حيث زاد عدد المستوطنين منذ ذلك الحين أكثر من ثلاثة أضعاف. وفي الوقت ذاته لا ترى نفسها ملتزمة بتاتًا أمام السكان الفلسطينيّين الذين يسكنون هذه المنطقة والذين يتراوح تعدادهم وفق التقديرات بين 200-300 ألف نسمة، وتمنعهم بشكل شبه تامّ من أيّ بناء وتطوير بمسوّغات مختلفة. لقد أعلنت إسرائيل مساحات واسعة جدًا في الضفة كمناطق عسكريّة وأراضي دولة يُحظر البناء فيها. وفي المنطقة الضيّقة التي بقيت تمتنع الإدارة المدنيّة عن تجهيز مخططات هيكليّة تلبّي احتياجات السكان. وعندما يبني الفلسطينيّون مجبَرين من دون تصاريح بناء تهدّد الإدارة المدنيّة بهدم بيوتهم، وفي بعض الحالات تنفّذ هذه التهديدات.

تهدف هذه السياسة –من ضمن ما تهدف إليه- إلى إقصاء الفلسطينيّين عن المنطقة بغية تسهيل ضمّها إلى إسرائيل مستقبلاً. وتتجسّد هذه السياسة بشكل عنيف جدًا في تعامل إسرائيل مع عشرات التجمّعات شبه الرّحالة المنتشرة في منطقة C حيث تطرد السلطات سكانها -أو تحاول طردهم- من بيوتهم ومن مناطق سكناهم.

إن المناطق التي نُقلت إلى السلطة الفلسطينيّة والتي سُمّيت منطقتيْ A وB، ليست متواصلة بل مركّبة من عشرات "الجزر" المحاطة بمناطق عُرّفت كمناطق C. فمثلا، ورغم أنّ الغالبيّة الساحقة من الفلسطينيين في الضفة يعيشون في هذه المناطق، إلا أنّ الغالبية الكبيرة من احتياطي الأراضي الضروريّ لتطوير هذه البلدات ظلّ في منطقة C، ومن ضمنها أراضٍ كثيرة كانت في مناطق نفوذ بلديّة والموجودة في قسم منها بملكيّات خاصّة. إن أيّ استخدام لهذه الأراضي من أجل توسيع البلدات التي ظلت في منطقتيْ A وB، لإقامة مشاغل صناعيّة ومدّ خطوط مياه أو شق الشوارع، كلها خاضعة لموافقة من إسرائيل التي تمتنع في الغالب عن إصدار هذه التصاريح.

وتواصل إسرائيل أيضًا السيطرة بشكل شخصيّ على جميع سكان الضفة الغربيّة، الذين يتبعون ظاهريًّا لحُكم السلطة الفلسطينيّة: كلّ انتقال لفلسطينيّ من مدينة إلى أخرى ومن منطقة إلى منطقة منوط بعبور منطقة خاضعة لسيطرة إسرائيل الحصريّة، وبهذا يُفرض عليهم الاحتكاك مع قوات الأمن الإسرائيليّة. وتدخل هذه القوات بشكل متكرّر إلى منطقتيْ A وB، وفي الغالب بالتعاون مع السلطة الفلسطينيّة. تواصل إسرائيل أيضًا السيطرة على سجلّ السكان وتحديد من يُعتبر من سكان الضفة وتواصل تسيير جهاز القضاء العسكريّ في الضفة، والتي تحاكم فيه آلاف الفلسطينيّين سنويًا ومن ضمنهم سكان منطقتيْ A وB. إلى جانب ذلك لا يمكن لجميع سكان الضفة الغربيّة السفر للخارج من دون تصريح إسرائيليّ ولا يمكن للمواطنين الأجانب الدخول إلى الضفة من دون مثل هذا التصريح. إن السلطات الإسرائيليّة مخوّلة باعتقالهم وطردهم حتى لو كانوا موجودين في منطقتيْ A وB.

"سيطرة قتاليّة" مؤقتة؟

جنود يوقفون مزارعين على البوابة المنصوبة في طريق ترابي يؤدي إلى بلدتي طمون وطوباس غرب الأغوار: تصوير: كيرن مانور Activestills.org, 28.4.11

حقّقت إسرائيل سيطرتها على الضفة الغربيّة بواسطة القوّة العسكريّة وحتى اليوم لم يُحسم بعد في شأن المكانة الدائمة للضفة بل تقوم إسرائيل بتسيير حُكم عسكريّ فيها يُسمّى الاحتلال.

ورغم الدلالات السياسيّة والعاطفيّة المرافقة اليوم لكلمة "احتلال" إلا أنّنا نتحدث عن مصطلح قضائيّ يصف مكانة منطقة ما ليست جزءًا من مناطق الدولة السياديّة، والتي سيطرت عليها في إطار نزاع مسلّح. واليوم لا يكاد يختلف اثنان –بين أوساط الحقوقيين الدوليين وقضاة المحكمة العليا ومسؤولي الجيش الكبار- على أنّ قوانين الاحتلال هي التي تبلور واجبات وصلاحيات إسرائيل في الضفة الغربيّة. وبما أنّ القانون الدوليّ يحظر ضمّ منطقة بواسطة استخدام القوّة فإنّ هذه القوانين تنصّ على أنّ الدولة المحتلة لا تغدو صاحبة السيادة في منطقة محتلة وأنّ حُكمها فيها مؤقت فقط إلى حين التوصّل إلى تسوية سياسيّة لتنظيم مكانة المنطقة.

إلا أنّ ممارسات إسرائيل الميدانيّة تشير إلى أنها لا ترى في الاحتلال واقعًا مؤقتًا وبدلاً من ذلك فإنها تتصرف في مناطق الضفة وخصوصًا منطقة C كما يحلو لها وكأنها خاضعة لسيادتها الكاملة: فهي تسلب الأراضي وتستغلّ سائر الموارد الطبيعية في المنطقة لأغراضها الخاصة وتشيّد فيها بلدات دائمة. وفي المقابل فإنها تتنصّل من الواجبات التي تلقيها عليها قوانين الاحتلال بخصوص جميع السكان الفلسطينيّين في الضفة الذين يحقّ لهم بناء منازلهم في نحو 40% من مناطقها فقط ومن ضمن ذلك واجب الحفاظ على أمنهم والدفاع عن حقوقهم الملكيّة والسماح لهم بممارسة حقهم في السكن والرفاه وكسب الرزق.

وعلى مرّ السنين، قامت إسرائيل تدريجيًا بخلق نظاميْ حكم منفصليْن في مناطق الضفة يستند سريانهما على الهُوية القوميّة: نظام واحد للمستوطنين ونظام آخر للفلسطينيّين. ويتمتّع المستوطنون بكلّ الحقوق المكفولة للمواطنين الذين يعيشون في دولة ديمقراطيّة، وفي المقابل يعيش الفلسطينيّون تحت نظام عسكريّ صارم يخدم مصالح إسرائيل والمستوطنين أولا وأخيرًا. يخضع الفلسطينيّون لسلسلة من الأوامر العسكريّة التي تقيّدهم وتنتهك حقوقهم ولا يمكنهم المشاركة في اختيار الممثلين الإسرائيليّين في الأجسام المسؤولة عن اتخاذ القرارات التي تخصّهم.

* * *

الاحتلال باقٍ

تحت غطاء استغلال الإطار القضائيّ الملائم لواقع قصير الأمد خلقت إسرائيل في الضفة الغربيّة واقعًا لا ينحصر في السلب والقمع والدوس على حقوق الإنسان منذ نحو خمسين عامًا فحسب، بل يُعبّر عن نوايا بعيدة الأمد. إن الوهم القاضي بأنه بالإمكان المضيّ قدمًا على هذا الشكل آخذٌ في التجذّر، في الوقت الذي يقوم فيه هذا الواقع بتثبيت الظلم الأمر الذي يعني بالضرورة انتهاكًا يوميًّا لحقوق الإنسان الخاصّة بالسكان الفلسطينيّين الذين يعيشون تحت الاحتلال. إن هذا الواقع لن يتغيّر إلا لحظة انتهاء الاحتلال.