Skip to main content
Menu
المواضيع

شبيبة في خطر: وجود المحاكم العسكرية يضفي الشرعيّة على ممارسات تمسّ بحقوق القاصرين

- ملخّص تقرير آذار 2018

مئات القاصرين الفلسطينيين يجتازون كلّ سنة المسار نفسه: القبض عليهم في الشارع - أو في منازلهم في منتصف اللّيل وعصب أعينهم وتكبيل أيديهم ثمّ اقتيادهم للتحقيق ولا يندر أن يرافق ذلك استخدام العنف. يجري التحقيق مع هؤلاء القاصرين وهم وحيدون ومنقطعون تمامًا عن العالم، لا شخص بالغ يعرفونه يقف إلى جانبهم ولا تعطى لهم فرصة التشاور مع محامٍ قبل التحقيق - وكلّ ذلك بعد اقتيادهم للتحقيق أصلاً وهم متعبون وخائفون حيث بعضهم اقتيد من الشارع وقد أمضى ساعات خارج منزله وبعضهم أفزعوه من نومه في منزله وبعضهم لم يتناول طعامًا أو شرابًا طيلة ساعات، إلى حين التحقيق. 

التحقيق نفسه يرافقه في أحيان كثيرة التهديد والصراخ والشتائم - وأحيانًا العنف الجسديّ أيضًا والهدف من كلّ ذلك واحد: إرغام القاصرين على الاعتراف بارتكاب جُرم نُسب إليهم أو الإدلاء بمعلومات لتجريم آخرين. يجري اقتياد القاصرين للمثول أمام المحكمة العسكرية لأجل تمديد اعتقالهم وهناك يلتقي معظمهم بمحاميه للمرّة الأولى. في معظم الحالات يقرّر القاضي تمديد اعتقالهم حتّى عندما تكون البيّنة الوحيدة ضدّهم اعترافهم الشخصي أو معلومات أدلى بها آخرون تجرّمهم زعمًا - حتى وإن كانت هذه الاعترافات والمعلومات قد انتُزعت ضمن مسّ خطير بحقوقهم. في هذه الظروف وبالنظر إلى إدراكهم أنّ حكمًا بالسجن ينتظرهم يوافق القاصرون على الاعتراف بالتهمة المنسوبة إليهم والتوقيع على صفقة يجريها محاميهم مع النيابة فقط لكي يتمكّنوا من العودة إلى حياتهم العاديّة بأسرع ما يمكن، بعد قضاء المحكوميّة المتّفق عليها في الصفقة، والتي صادق عليها قاضي المحكمة العسكرية للشبيبة. 

أدخلت الدولة في العقد الأخير بعض التغييرات على الأوامر العسكرية المتّصلة باعتقال قاصرين وطرق معاملتهم في المحاكم العسكرية. يبدو ظاهريًّا وكأنّ هذه التغييرات جاءت لتحسين الحماية الممنوحة للقاصرين في الجهاز القضائي العسكري. غير أنّ التغييرات التي أدخلتها إسرائيل لم يكن لها سوى تأثير هامشيّ على حقوق القاصرين. يتّضح إذن أنّ التغييرات الشكليّة لتحسين الصورة شيء والواقع شيء آخر: تشهد المعطيات أنّ المسّ الرّوتينيّ والمنهجيّ بحقوق القاصرين لا يزال مستمرًّا. 

تأثير "التحسينات" في الجهاز القضائي العسكري على حقوق القاصرين

1. المحكمة العسكرية للشبيبة لا تفعل سوى المصادقة على صفقات الادّعاء

تعمل المحكمة العسكرية للشبيبة منذ عام 2009. تنظر الدولة إلى إقامة محكمة خاصّة بالشبيبة كأبرز الخطوات الرّامية إلى الحفاظ على حقوق القاصرين في الجهاز القضائي العسكري. ولكن هذه الخطوة لم تحصّن فعليًّا حقوق القاصرين الماثلين للمحاكمة. 


لا تشمل صلاحيّة المحاكم العسكرية للشبيبة مناقشة تمديد اعتقال القاصرين - قبل تقديم لائحة الاتّهام أو بعده. ذلك رغم أنّه لا مبرّر جوهري لذلك فالحديث يجري عن جزء هامّ من الإجراء القضائي المتّخذ في حقّهم. تجري مثل هذه المناقشات في المحاكم العسكرية العاديّة حيث يُحاكم البالغون وحين يكون بينهم قاصر يُخرج القاضي المعتقلين البالغين وبقيّة الحضور من القاعة لأجل مناقشة ملفّ القاصر على انفراد. إنّه القاضي العسكري نفسه في قاعة المحكمة العسكرية نفسها. 
يبقى للمحاكم العسكرية الخاصّة بالشبيبة أن تناقش الملفّات نفسها لكنّ مثل هذه المناقشات تكاد لا تحصل لأنّ معظم الملفّات يُغلق ضمن صفقة تتمّ بين النيابة والدفاع حيث تشطب النيابة عمومًا بعض بنود لائحة الاتّهام شرط اعتراف المتّهم بالبنود المتبقّية، ويتّفق الطرفان على العقوبة - بما في ذلك مدّة السجن وقيمة الغرامة الماليّة. معظم المتّهمين مستعدّون للتوقيع على مثل هذه الصفقات بسبب سياسة الاعتقالات المتّبعة في المحاكم العسكرية حيث يبقى القاصرون رهن الاعتقال (حتّى انتهاء الإجراءات القضائية وصدور قرار المحكمة بالحبس) أي: منذ القبض عليهم وحتّى الإفراج عنهم بعد انقضاء محكوميّتهم.


إجراء جلسة إثبات من داخل السجن ينطوي على صعوبات كثيرة وسفر شاقّ من مركز الاعتقال إلى المحكمة وبالعكس. إضافة لذلك يدرك المتّهمون أنّهم إذا أدينوا فسوف يُحكمون بالسجن وأنّه إذا صدر الحكم بتبرئتهم في نهاية الإجراء القضائي (واحتمال حدوث ذلك يقارب الصّفر) فالمدّة التي سيقضونها رهن الاعتقال إلى حين صدور الحكم ستكون مساوية لمدّة محكوميّة سجن ضمن صفقة ادّعاء وربّما أطول. 


نتيجة لهذا الواقع لا يُطلب من النيابة - سوى في حالات استثنائية - إجراء جلسات إثبات تتطلّب منها العثور على أدلّة وعرضها كبيّنات تثبت أمام المحكمة جُرم القاصر المتّهم وتتيح: تفنيد ودحض هذه البيّنات عبر استجواب شهود النيابة وعرض بيّنات مضادّة. في غياب هذا كلّه لا يبقى للمحكمة العسكرية للشبيبة من وظيفة سوى المصادقة على صفقات الادّعاء المتّفق عليها مسبقًا بين النيابة والدفاع. 
 

 

2. إقصاء الأهل عن الإجراء القضائي برمّته 

تزعم الدولة أنّ التغييرات التي أدخلت على الأوامر العسكرية تتيح لوالدَي القاصر انخراطًا أكبر في الإجراء القضائي المتّخذ في حقّ ولدهما وحتّى أنها تمنحهما "دورًا مركزيًّا" فيه. حدّدت التعليمات الجديدة واجب إبلاغ الوالدين عن اقتياد ولدهما للتحقيق وحقّهما أن يحضرا جلسات المحكمة وأن يقدّما باسمه طلبات إلى المحكمة وأن يشاركا في جلسات مناقشة خطّة تأهيل له. ولكن أيضًا هنا - ليست هذه التعليمات سوى مرسوم رمزيّ لا قيمة فعليّة له. 

الأوامر والتعليمات الجديدة لا تتيح أصلاً للوالدَين سوى حدًا أدنى من مواكبة الإجراءات المتّخذة في حقّ ولدهم فالأوامر لا تشمل حتّى حقّ الوالدين في الحضور أثناء التحقيق مع ولدهما. وعلى أيّة حال فقد حدّدت الأوامر سلسلة من الاستثناءات التي تتيح منع الوالدين من الانخراط حتى بما تتيحه التعليمات. علاوة على ذلك حيث أنّه في معظم الحالات لا يتمّ أصلاً إجراء قضائيّ إذ ينتهي الملفّ بصفقة ادّعاء فلا وجود لإمكانية مواكبة الأهل إجراءات محاكمة ابنهم. 


3. تقصير فترة الاعتقال لا تأثير له على اعتقالات القاصرين 

في أعقاب التماسات عدّة رُفعت إلى محكمة العدل العليا تمّ تقصير بعض فترات الاعتقال المحدّدة في الأوامر العسكرية والتي تسري على سكّان الأراضي المحتلة لأجل الرقابة القضائيّة. ضمن ذلك حُدّدت للمرّة الأولى فترات اعتقال خاصّة بالقاصرين. تمّ تقصير الفترة التي ينبغي خلالها جلب المعتقل للمثول أمام المحكمة وفترة الاعتقال لحين تقديم لائحة الاتّهام وفترة الاعتقال لحين انتهاء الإجراءات القانونية.

تقصير فترات الاعتقال في الحالات أعلاه لم يقلّل عدد القاصرين المعتقلين ولم يكن له تأثير على حقوق القاصرين الماثلين للمحاكمة أمام المحاكم العسكرية. أولاً الفترات المحدّدة اليوم في الأوامر العسكرية يمكن إطالتها بسهولة نسبيًّا. ثانيًا - وأساسًا: تقصير الفترة يمكن أن يكون ذا تأثير فقط في جهاز يقيم رقابة قضائيّة جوهرية على كلّ قرار اعتقال، جهاز يرى في أنّ اعتقال قاصر أمر ينبغي اللّجوء إليه فقط في حالات استثنائية وفقط إذا لم يوجد بديل. على عكس ذلك تنظر المحاكم العسكرية إلى اعتقال القاصرين على أنّه جزء روتينيّ من عملها وفترات التحفّظ على المتّهمين القاصرين التي يقرّرها القضاة تؤدّي إلى إبقائهم رهن الاعتقال لمدّة طويلة. 

المرحلة الحرجة: الاعتقال الأوّلي والتحقيق 

التغييرات التي تقصدها الدولة تتمحور حول ما يجري في المحاكم العسكرية نفسها وحين تسلّط الدولة الضوء كثيرًا على هذا الجانب فهي لا تقصد سوى تحويل الأنظار عن المسألة الأساسية. فهذه التغييرات لا تتناول المرحلة الحرجة - الاعتقال الأوّلي والتحقيق الذي يجري بعد ذلك. طريقة عمل الجهاز القضائي العسكري تحدّد مصير الملفّ بما يحدث في هذه المرحلة وخاصّة انتزاع اعتراف من القاصر أو انتزاع إفادة تجرّمه من فم فتيان آخرين.

تنطوي الإجراءات في هذه المرحلة على مسّ خطير بالقاصرين الذين يجتازونها وحيدين تمامًا دون مرافقة الوالدَين أو محامٍ ودون أن يكون إلى جانبهم أيّ بالغ يعتني بمصالحهم ويشرح لهم ما الذي سيحدث ويعرّفهم على حقوقهم. عوضًا عن ذلك يجد القاصرون أنفسهم محاطين ببالغين هم ممثّلو الدولة التي تحتلّهم وبعضهم حتّى لا يتحدّث بلغتهم - والغاية من ذلك إرغامهم على الاعتراف والإدلاء بمعلومات.

تزعم جهات رسمية أنّ تعليمات الجيش تحظر المسّ بالقاصرين أثناء اعتقالهم والتحقيق معهم وتزعم أيضًا أنّ المحاكم العسكرية تنظر إلى مثل هذا المسّ - إذا حدث - بجدّية بالغة بل وتأمر المحاكم بإخلاء سبيل القاصرين في مثل هذه الحالات. هذه المزاعم لا أساس لها من الصحّة.
التعليمات التي تتحدّث عنها الدولة لا يتمّ تطبيقها وعلى أيّة حال هي تعليمات توفّر حماية جزئيّة فقط: إنّها لا تضع قيدًا على اعتقال القاصرين في منتصف الليل أو التحقيق معهم في مثل هذه الساعات كما أنّها لا توجب أن يكون الاعتقال وسيلة أخيرة تلجأ إليها السلطات ولا تشترط حضور الوالدَين أثناء التحقيق. يُفترض أنّ هذا النوع من التعليمات يوضع لحماية المعتقلين القاصرين وتقليص فارق القوّة البنيويّ بينهم وبين المحقّقين. العزلة التي تفرَض على القاصرين المعتقلين خلال التحقيق معهم دون منحهم فرصة التشاور مع أيّ بالغ يعتني بهم وبمصلحتهم تمسّ مسًّا خطيرًا بإمكانية إنصافهم خلال التحقيق وبفرص عرض ادّعاءاتهم على نحو مقنع.

إضافة لذلك فإنّ المحاكم العسكرية لا تخلي فعليًّا سبيل القاصرين نظرًا لخلل في التحقيق. والقاعدة أنّ القاصرين - حتّى عندما يتقدّمون بشكوى في شأن المسّ بحقوقهم - يبقون رهن الحبس منذ الاعتقال الاوّلي وحتى انقضاء مدّة العقاب بالسجن التي صدرت في حقّهم.

الحالات التي تتباهى بها الدولة أي قرارات قضاة بإخلاء سبيل قاصرين بسبب خلل في التحقيق نادرة جدًّا ولا تعكس بأيّ حال السياسات المتّبعة في المحاكم طوال سنين. في مئات من قرارات المحاكم - التي لا تستشهد بها الدولة - يتمسّك القضاة بما يعتقدونه مرجعيّاتهم القانونيّة ويوضحون لماذا لا تسري تلك القرارات الاستثنائية على القاصرين الماثلين أمامهم. اعتقال القاصرين يُنظر إليه كجزء من الأداء الرّوتيني للمحاكم والقضاة يوضحون مرارًا وتكرارًا أنّ سنّ المتّهم واحد فقط من اعتبارات عديدة يأخذها القاضي بالحسبان - هذا إذا أخذت السنّ بالحسبان أصلاً.

علاوة على ذلك حدّدت المحاكم العسكرية أنّ ادّعاءات المعتقلين القاصرين حول اعترافات انتُزعت منهم عنوةً - من خلال إجراء ينتهك حقوقهم أثناء التحقيق أو إعمال الضغط عليهم بما يخالف القانون -  ينبغي النظر فيها ضمن الإجراء الأساسي أي في إطار محاكمتهم. لكنّ القضاة يمدّدون اعتقال القاصرين. وحيث تغلق معظم الملفّات ضمن صفقات ادّعاء فإنّ ذلك "الإجراء الأساسيّ" لا يحدث أبدًا ونتيجة لذلك لا يُطلب إلى النيابة أن تثبت الحفاظ على حقوق القاصرين أثناء اعتقالهم والتحقيق معهم وأخذ اعترافاتهم بطرق قانونية سليمة. 

خلق صورة زائفة

اختارت إسرائيل أن تقيم في الضفة الغربية جهاز محاكم عسكرية وأن تحاكم فيها القاصرين الفلسطينيين. تبيّن الوثائق التي نشرتها جهات رسميّة أنّ الدولة تفهم أنّ القاصرين مستحقّون - نظريًّا على الأقلّ - لحماية خاصّة وأنّ جهاز القضاء الخاصّ بالشبيبة يُفترض أن يعمل وفق مبادئ مغايرة لتلك المتّبعة لدى محاكمة البالغين. لكنّ الفجوة بين فهم الدولة وواقع سياساتها تشهد على أنّ هذه المَصوغات كُتبت فقط لرفع العتب ولأغراض الدّعاية لا غير.

التغييرات التي أدخلتها الدولة في الجهاز القضائي العسكري شكليّة لا غير. وأيضًا بعد إدخالها لا يزال هذا الجهاز يتجاهل مبادئ أساسيّة تميّز أجهزة القضاء الخاصّة بالشبيبة في القانون الدولي في دول كثيرة في العالم وفي إسرائيل؛ من ضمنها مبدأ مصلحة الطفل؛ مبدأ الملاذ الأخير بحيث لا تلجأ السلطات إلى اعتقال وحبس القاصرين إلّا إذا انعدم بديل آخر. ومبدأ التأهيل بحيث تعطى له الأفضلية على إخضاع القاصرين لإجراء قضائيّ.

في جهاز القضاء العسكري للشبيبة التعليمات والأوامر العسكرية يكتبها إسرائيليون فقط. وهم يفعلون ذلك متجاوزين الفلسطينيين الذين لا يملكون قدرة التأثير على مضامين أوامر تُدار حياتهم وفقًا لها يطبّقها دائمًا جنود وقضاة ومدّعون إسرائيليون وتمثّل مصالح دولة الاحتلال. إنّه جهاز يمْثل فيه الفلسطينيّ دائمًا كمشتبه فيه. المحاكم العسكرية لم تكن ولن تكون يومًا حَكَمًا حياديًّا فهو أحد الآليّات المركزية التي تستخدمها الدولة لأجل اضطهاد السكّان الفلسطينيين وقمع أيّة بادرة لمقاومة السيطرة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. 

هذا هو السبب أيضًا في أنّ سعي جهات رسمية لعقد مقارنة بين جهاز القضاء العسكري وجهاز القضاء المدني الإسرائيلي محكومة بالفشل مسبقًا. يقوم الجهازان على مبادئ مختلفة وغاية كلّ منهما حماية مصالح مغايرة: جهاز المحاكم الفاعل داخل حدود الخطّ الأخضر يعكس مصالح المجتمع الذي أتى منه المتّهمون ويعمل على حمايتها. فيما المحاكم العسكرية التي تعمل في الضفة الغربية لا تعكس مصالح المجتمع الذي أتى منه المتّهمون وإنّما مصالح نظام الاحتلال - وأوّلاً وقبل كلّ شيء رغبته في استمرار وجوده. من هذا الفرق الجوهريّ نشتقّ أيضًا الفجوة الفاصلة بين الجهازين: طريقة الاعتقال وأنواع المخالفات وسقف الأدلّة المطلوبة لأجل تقديم لائحة اتّهام وتعليل اعتقال المتّهمين والعقوبات التي تصدر في حقّهم. من هنا مقارنة المعطيات بين هذين الجهازين باطلة كلّها والغاية الوحيدة منها إضفاء الشرعية على جهاز القضاء العسكريّ. 

جهاز القضاء العسكريّ ليس الجهاز الوحيد الذي تسعى إسرائيل من خلاله لخلق صورة زائفة توهم بالأداء القانونيّ سعيًا إلى لإخفاء انتهاكات حقوق الإنسان الملازمة لإدارة نظام الاحتلال. هكذا تعرض إسرائيل أيضًا جهاز تطبيق (أو بالأحرى عدم تطبيق) القانون العسكري بعد أن أقامت جهازًا معقّدًا غايته الظاهرية معالجة شكاوى الفلسطينيين المقدّمة ضدّ جنود لكنّه يعمل فعليًّا كجهاز لطمس الحقائق. وهكذا أيضًا تدّعي إسرائيل حين تهدم منازل الفلسطينيين بحجّة البناء غير المرخّص بينما في الواقع لا يملك الفلسطينيون أيّة إمكانية لاستصدار رخص بناء وإقامة منازلهم وفقًا للقانون - وهذا واقع تدركه السلطات الإسرائيلية جيّدًا لأنّها هي من أنشأته. كذلك تدّعي إسرائيل أنّها لم تضمّ الضفة الغربية في حين هي تتصرّف هناك كأنّها ضمن حدودها السياديّة وتطبّق قوانينها كما تشاء وتتجاهل احتياجات الفلسطينيين. 

الصورة الزّائفة لا تُسهم في الحفاظ على حقوق الإنسان. إنّها تُسهم في إضفاء الشرعية على نظام احتلال يحرص من حين لحين على اتّخاذ إجراءات وإدارة مناقشات وإقامة لجان ووضع خطط ونشر تقارير. الصورة الزّائفة أيضًا تسهّل على الجمهور - في البلاد والعالم - هضم نظام الاحتلال حيث من الأسهل قبول اعتقال قاصر حين يبدو أنّ هناك قاضٍ "نظر في جميع البيّنات". من الأسهل قبول هدم منزل أسرة بأكملها إذا نفّذ أحد أبنائها عمليّة داخل إسرائيل وبعد أن "نظر في الملفّ" قاضي المحكمة العليا ومن الأسهل قبول توسيع مستوطنة حين يبدو أنّ الأرض التي أقيمت عليها أعلنت كـ"أراضي دولة" وفقًا لتعليمات منظمة حدّدتها السلطات.
غير أنّه من خلف هذه الصورة الزّائفة يُدار منذ خمسين سنة نظام مسؤول عن المسّ العنيف بملايين الأشخاص كلّ يوم دون رقيب أو حسيب. لا قانون ولا أمر عسكري أو مرسوم أو قرار محكمة يمكنه تمويه ذلك. عند نزع هذا القناع يتبدّى نظام الاحتلال مكشوفًا بكلّ قباحته أمام أعين الجميع.