Skip to main content
عامل يعتلي رافعة وفي الخلفية صورتا نتنياهو وترامب. تصوير: عمار عواد، رويترز 10.6.20
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

بوجود رحلات جوّيّة إلى أبو ظبي أو بدونها - الضمّ حدث هنا منذ زمن

لأسباب تتعلّق بتطبيع العلاقات مع الإمارات المتحدة فضّلت إسرائيل أن تتراجع حاليّا على الأقلّ عن ضمّ الضفة الغربيّة رسميّاً والاكتفاء بواقع الضمّ الفعليّ. معنى ذلك عمليّاً هو أنّ مع مرور عاصفة الضمّ الرسميّ تنفّس المجتمع الدوليّ الصّعداء مع أنّه في نهاية المطاف ما زال الفلسطينيّون يرزحون تحت نير الاحتلال وإسرائيل تواصل فرض الحقائق على الأرض دون حسيب أو رقيب.

تبيّن ورقة الموقف التي تنشرها بتسيلم اليوم بعنوان "الضمّ الذي كان ولا يزال" أنّ إسرائيل بدون الضمّ الرسميّ ومنذ زمن تتصرّف في الضفة الغربيّة وكأنّها من أراضيها وضمن حدودها السياديّة؛ وأنّها تعمل من جانب واحد ومنذ عشرات السّنين على ترسيخ وإدامة سيطرتها هناك. وتفصّل الورقة شتّى الطرق التي لجأت إليها إسرائيل وجعلت بواسطتها الضمّ الفعليّ أمراً واقعاً في الضفة الغربيّة، وتورد عدداً من الأمثلة البارزة التي لتُظهر أنّ إسرائيل وبعد أن أزالت إمكانيّة الضمّ الرسميّ من جدول أعمالها ما زالت تواصل حاليّاً سياستها هذه.

مؤيّدو الضمّ - وكذا بعض من معارضيه - يرون أنّ الضمّ الرسميّ سوف يعتق إسرائيل من التزامات يفرضها عليها القانون الدوليّ ويتيح لها أن تطبّق قوانينها في الضفة الغربيّة وتحقّق أهدافها. ولكنّ إسرائيل حاليّاً ومنذ أكثر من خمسين عاماً لا ترى نفسها ملزمة بأحكام القانون الدوليّ - ومن ضمنها المبادئ الأساسيّة لقوانين الاحتلال والتي وُضعت لحماية الفلسطينيّين.

خلقت إسرائيل في المناطق المحتلّة واقعاً لا يمكن بأيّ شكل وصفه بأنّه مؤقّت - وهذا أمرٌ مخالف لقوانين الاحتلال. لقد تمكّنت إسرائيل عبر هندسة الحيّز من تغيير ملامح خريطة الضفة الغربيّة إلى حدّ بعيد وعلى نحوٍ يخدم مصالحها: لقد أنشأت تواصلاً جغرافيّا بين المستوطنات وعلى العكس من ذلك فصلت بين الفلسطينيّين وزجّت بهم إلى عشرات المعازل المكتظّة.

يقيم اليوم في الضفة الغربيّة ما يقارب 400,000 مواطن إسرائيليّ في نحو 250 مستوطنة (لا يشمل تلك التي أقيمت في شرقيّ القدس أي في الجزء الوحيد من الضفة الغربيّة الذي ضمّته إسرائيل رسميّاً). جزءٌ كبير من التشريعات الإسرائيليّة يسري على المستوطنات والمستوطنين عبر قوانين سنّتها الكنيست أو أوامر عسكريّة منشئة بذلك "جزراً" إسرائيليّة معزولة عن محيطها الفلسطينيّ. يتمتّع المستوطنون تقريباً بكلّ أنواع الحماية والحقوق والميزانيّات التي يتمتّع بها المواطنون المقيمون داخل حدود الدولة. الجيل الناشئ اليوم في المستوطنات هو الجيل الثالث ومعظم الإسرائيليّين - والفلسطينيّين - لا يعرفون واقعاً مغايراً لهذا الواقع. إضافة إلى بناء المستوطنات فقد نفّذت إسرائيل على مرّ السنين شتّى مشاريع البُنى التحتيّة لخدمة هذه المستوطنات بما في ذلك شقّ الشوارع؛ وهناك اليوم قيد التخطيط أو التنفيذ عدد من مشاريع شقّ الشوارع السّريعة في عدد من محاور الضفة الغربيّة: مضاعفة شارع الأنفاق وشقّ شارع التفافي العروب في محور 60؛ شارع المحبس شرقيّ مدينة القدس؛ شارع التفافي حوّارة وهو أيضاً على محور 60؛ توسيع شارع 55 وغير ذلك. هذه المشاريع التي تبلغ تكلفتها مليارات الشواكل تؤكّد مرّة أخرى ما ترمي إليه إسرائيل على المدى البعيد أي مواصلة السيطرة على المنطقة كلّها بصرف النظر عن مسألة الضمّ الرسميّ وكذا مواصلة توسيع المستوطنات. حتى أنّ منظمة "سلام الآن" نشرت مؤخّراً ما مفاده أنّه بإعلان إسرائيل - بعد أن أزيلت مسألة الضمّ من جدول الأعمال - عن سعيها في بناء نحو 5,000 وحدة سكنية في مستوطنات الضفة ستشهد سنة 2020 ذروة قصوى في البناء الاستيطانيّ.

في مقابل توظيف الأموال الطائلة والجهود المكثّفة في المستوطنات عملت إسرائيل وما زالت على تقليص الحيّز الفلسطينيّ والزجّ بالفلسطينيّين إلى معازل مكتظّة خصّصتها لهم ومنعت بيد من حديد البناء خارج هذه المعازل، أي في معظم مساحة الضفة الغربيّة وفي الأجزاء التي تعتبَر احتياطيّاً لتطوير الضفة الغربيّة: وفقاً للمعطيات المتوفّرة لدى بتسيلم هدمت إسرائيل منذ العام 2006 وحتى 30.9.20 ما لا يقلّ عن 1,623 منزلاً فلسطينيّاً في الضفة الغربيّة (لا يشمل شرقيّ القدس) ونجم عن حملات الهدم هذه تشريد 7,068 شخصاً على الأقلّ وبضمنهم ما لا يقلّ عن 3,543 قاصراً. إضافة إلى ذلك منذ بداية العام 2012 وحتى 30.9.20 هدمت الإدارة المدنيّة في الضفة الغربيّة (لا يشمل شرقيّ القدس)1,804 مبانٍ غير سكنيّة (أسوار وأسيجة وآبار مياه ومخازن ومبانٍ زراعيّة ومحالّ تجاريّة ومبانٍ عامّة وغير ذلك).

تمكّنت إسرائيل عبر تشريعات عسكريّة جديدة من تسريع وتيرة هدم المنازل بشكل كبير خلال السّنوات الأخيرة. تفيد معطيات الإدارة المدنيّة أنّها صادرت خلال العام 2020 وحده 242 "كرفان" - مقابل ستّة خلال العام 2015. في العام 2019 صادرت الإدارة المدنيّة نحو 700 تراكتور وحفّار واقتلعت نحو 7,500 شجرة كانت مغروسة في المنطقة C. إضافة إلى ذلك عرقلت الإدارة المدنيّة تنفيذ مشاريع دوليّة لغوث الفلسطينيّين سكّان مناطق C - بضمنها نصب كرفانات وتمديد شبكات تحتيّة - بحيث تسبّبت في خفضها إلى 12 فقط خلال العام 2019 (مقارنة مع 75 مشروعاً كهذا تمّ تنفيذها خلال العام 2015).

قوانين الاحتلال لا تردع إسرائيل عن انتهاك الحقوق الأساسيّة للفلسطينيّين عبر فرض حُكم عسكريّ صارم وضمن ذلك سلبهم حقّ الحياة إذ قتل عناصر قوّات الأمن آلاف الفلسطينيّين دون مبرّر وفي ملابسات لم تشكّل خطراً على حياة أحد منهم. خلال العقد الأخير وحده قتل هؤلاء 427 فلسطينيّاً في الضفة الغربيّة. إضافة إلى ذلك يقيّد الجيش حركة السكّان الفلسطينيّين كما يحلو له ويشوّش نظام حياتهم. يقتحم الجنود منازل الفلسطينيّين في أنحاء الضفة الغربيّة كلّ يوم - وكلّ ليلة حيث يُفزعون الأسر من نومها - دون الحاجة إلى أوامر تفتيش أو حتى تقديم أيّ تفسير لأصحاب المنزل. كذلك تحظر إسرائيل الخروج في مظاهرات حظراً تامّاً في كافّة أنحاء الضفة الغربيّة وتقيّد حريّة التعبير في الصحافة وفي شبكات التواصُل الاجتماعيّ، كما تمنع التنظيم حتى إذا كان لأهداف اجتماعيّة لا غير. آلاف الفلسطينيّين يحاكَمون كلّ سنة أمام جهاز القضاء العسكريّ بدعوى أنّهم خالفوا قوانين الاحتلال والقضاء العسكريّ يدينهم جميعاً إلّا في ما ندر.

لقد نجح سيناريو الضمّ الرسميّ في استنهاض المجتمع الدوليّ حتى أنّه هدّد على غير عادته باللّجوء إلى خطوات عينيّة ضدّ إسرائيل. ولكن يبدو أنّ المياه الآن قد "عادت إلى مجاريها" أي أنّنا عدنا إلى الوضع المسمّى خطأ "ستاتيكو"، إلى "الوضع القائم" الدّائم وغير المحمول. لقد اختارت إسرائيل لأسباب تتعلّق بها أن تضع الضمّ الرسميّ جانباً حاليّاً. في المقابل رُفعت عنها فوراً جميع الضغوط وعادت إلى حضن المجتمع الدوليّ الدافئ ممّا يعني إتاحة الاستمرار في سياسات النّهب والسّلب مع الإفلات من المحاسبة والمساءلة.

غير أنّه كان على المجتمع الدوليّ أن يتوصّل بالضبط إلى استنتاج معاكس لأنّ أحد العوامل الحاسمة التي غيّرت في سياسة إسرائيل تجاه موضوع الضمّ هو إدراكها بأنّها قد تدفع ثمناً باهظاً يتعلق بمكانتها الدوليّة إذا ما نفّذت خطّة الضمّ. نعم لقد ثبت مرّة أخرى أنّ التغيير لا يأتي بالمناشدات المهذّبة وتعبيرات "القلق" الصّادرة عن المجتمع الدوليّ وإنّما عن تشغيل "روافع الضغط" الحقيقيّة. من هنا فإنّ إزالة موضوع الضمّ عن جدول أعمال إسرائيل الحاليّ لا ينبغي أن يُستنتج منه التصديق على الوضع القائم وإنّما اتّخاذ خطوات فوريّة ضدّ الاحتلال والضمّ الفعليّ ولأجل مستقبل قائم على الحرّية والمساواة لجميع القاطنين بين النهر والبحر.