Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

في قرار مثير للغضب: المحكمة "العليا" صدّقت طرد نادية أبو الجمل وأولادها من بيتهم

نادية ابو الجمل واولادها. الصورة بلطف من العائلة.
نادية ابو الجمل واولادها. الصورة بلطف من العائلة.

في يوم 22/7/2015 صدّقت المحكمة العليا للدولة على طرد نادية أبو الجمل، بمعيّة أولادها الثلاثة، من بيتهم في القدس الشرقيّة. وقد رفض القضاة روبنشطاين وجبران وهندل الادّعاء القائل بوجوب إلغاء القرار، ومن ضمن أسباب ذلك أنّ الحديث يدور عن خطوة انتقاميّة، ورفض القضاة أيضًا طلب إلغاء الطرد ولو لأسباب إنسانيّة. ونزولًا عن طلب "هموكيد-مركز الدفاع عن الفرد" الذي مثّل الملتمسين، قبلت الدولة بتأجيل الطرد إلى حين مرور عيد الأضحى الذي سيحلّ في مطلع تشرين الأول.

القرار الذي أصدره القضاة قصير، ولا يشمل سوى فقرتيْن. ويتلخص التسويغ القضائي الوارد فيه، من خلال جملة واحدة، وهي أصلًا اقتباس من قرار حكم صدر قبل أكثر من عقد: "أصدرت هذه المحكمة قرارها في السابق، بأنّ في مثل هذه الظروف التي ينعدم فيها وجود خلية أسريّة، "ليس هناك حقّ للتمتع بمكانة في إسرائيل بحُكم وجود أولاد، إذ أنّ القاصر متعلّق بوالديه وليس العكس" (القاضية حيوت) وكلّ هذا استنادًا إلى قرار حكم سابق".

اتّخذ القضاة هذا القرار، رُغم أنّهم كانوا يعون جيدًا الانتهاك الذي سيلحق بأولاد أبو الجمل، وأعمارهم ثلاث وأربعة وست سنوات، وكلّهم مقيمون دائمون في إسرائيل. صحيح أنّهم يحاولون في قرارهم التخفيف من وطأة القرار: فهم يذكرون أنّ الدولة لا تمنع الأولاد من مواصلة السكن في ضمن منطقة نفوذ القدس، مع أنّهم يفترضون أنّهم سيفضّلون الانضمام إلى والدتهم، وكأنّ بوسع أولاد في هذه الأعمار أن يختاروا بأنفسهم مكان سكنهم. وهم يذكرون أيضًا أنّ الدولة أعلنت أنّها ستفحص "بنيّة حقيقيّة" طلبات الأم بمرافقة أولادها في الزيارات لدى عائلة الأب أو للعلاجات الطبيّة، وحتى أنّهم قالوا إنّهم "يعتقدون بلزوم التعامل بمرونة" لدى فحص هذه الطلبات. إلّا أنّهم امتنعوا عن إصدار قرار بوجوب تصديقها. في المقابل، صدّق القضاة على الطرد من البيت وعزل الأولاد عن عائلتهم وأصدقائهم وكلّ الأطر المألوفة لهم.

زدْ على ذلك أنّ القضاة تجاهلوا الخطر الكامن في أن يفقد الأولاد التأمين الصحيّ الذي يستحقونه وفقًا للقانون. ويأتي هذا لأنّ سكّان القدس الفلسطينيّين الذين ينتقلون للسكن في مناطق الضفة التي لم تُضمّ إلى دولة إسرائيل، يفقدون تأمينهم الصحيّ. ويكتسب الأمر جسامة أكبر إذا تذكّرنا أنّ اثنين من الأولاد يعانون مشاكل صحيّة خاصّة وهم بحاجة إلى عناية طبيّة ملازمة.

لم يكن طرد نادية أبو الجمل وأولادها من بيتهم ممكنًا لولا أن قامت الحكومات الإسرائيليّة المختلفة –بتصديق من قضاة العليا- بخلق واقع مستحيل في القدس: ضمّ غير قانونيّ لأجزاء من الضفة الغربيّة إلى مناطق نفوذ إسرائيل، ورسم خط حدوديّ بلديّ للمدينة بشكل اعتباطيّ، من خلال تقسيم وتجزئة بلدات فلسطينيّة؛ إقامة جدار الفصل في داخل مناطق سكنيّة فلسطينيّة تطوّرت على مرّ السنين، وهدم النسيج المجتمعيّ والحياتيّ في هذه المناطق؛ وفرض منع شبه مطلق على منح مكانة دائمة في إسرائيل لفلسطينيّين من سكّان الضفة- حتى إذا تزوّجوا من سكّان القدس الشرقيّة أو من مواطنين إسرائيليّين.

هذا الواقع هو الذي فرض على أبو الجمل العيش كغريبة في بيت أنشأته برفقة زوجها، بعد سنوات طويلة على زواجها وإنجابها لأولادها. ويأتي هذا رُغم أنّ البيت الذي وُلدت فيه ويقطنه والداها يبعد مسافة قصيرة عن بيتها، وكانت المنطقتان في الماضي القريب –قبل أن تحتلّ إسرائيل المنطقة وتضمّها- تُعتبران جزءًا من قرية واحدة.

خلفية

في يوم 18/11/2014 نفّذ عُدي وغسان أبو الجمل من سكّان جبل المكبر في القدس الشرقيّة عمليّة في كنيس بحيّ "هار نوف"، راح ضحيّتها أربعة مُصلين وأصيب سبعة آخرون. وفي أثناء العمليّة قُتل منفّذا العمليّة برصاص قوّات الأمن الاسرائيلية. ومن وقتها تهدّد السلطات الاسرائيلية باتخاذ تدابير عقابيّة صارمة ضدّ أفراد عائلتيهما: فقد صدر ضدّ بيتي العائلتين أمرا هدم، وأوقفت وزارة الداخليّة إجراء لمّ الشمل الذي كان يسمح بمكوث نادية أبو الجمل، زوجة غسّان، في القدس.

ترعرعت نادية أبو الجمل في قرية السواحرة الشرقيّة، وتزوّجت عام 2002 من غسان أبو الجمل، من سكان جبل المكبّر. وقد كانت القريتان في السابق قرية واحدة، إلّا أنّ إسرائيل قامت عام 1967 بتقسيمها إلى قسمين وضمّت أحد النصفين إليها. وحصل سكّان جبل المكبّر على مكانة مقيمين في إسرائيل فيما ظلّ سكّان السواحرة الشرقيّة بمكانة سكّان الضفة الغربيّة. وفي السنوات الأولى التي تلت الضمّ، لم يكن لهذا الضمّ مدلولات عمليّة وكان السكّان يتنقّلون بين جزءيّ القرية بلا قيود. لكن، وعلى مرّ السنين، شدّدت إسرائيل تدريجيًّا من القيود المفروضة على حركة السكّان، إذ بلغت هذه القيود أوجها مع تشييد الجدار الفاصل عام 2003 بين شقّي القرية.

نتيجة لهذا الواقع، اضطرّ الزوجان لتقديم طلب للمّ الشمل، كي يتمكّنا من العيش سويّة في جبل المكبر. لكن إسرائيل قامت من وقتها بتجميد هذه الإجراءات عام 2002، ولم يعد بالإمكان الحصول على مكانة إقامة في إطار هذا الإجراء. وتسمح بعض التسهيلات التي سرت في أعقاب سلسلة من الالتماسات التي قُدمت للمحكمة العليا، للنساء فوق سنّ الـ 25 والرجال فوق سنّ الـ 35 بتقديم طلبات للمّ الشمل، لكنّهم لم يحصلوا إلّا على تصاريح إقامة مؤقتة في إسرائيل تصدرها الإدارة المدنيّة لفترات قصيرة فقط. في أثناء تنفيذ العمليّة، كانت نادية تمكث في منزلها في حيّ جبل المكبّر وذلك وفق تصريح إقامة مؤقت حصلت عليه كجزء من إجراء لمّ الشمل الذي بدأه الزوجان عام 2009. وبعد تنفيذ العمليّة بيوم واحد تلقّت نادية بلاغًا يفيد بإلغاء تصريحها وتجريدها من التأمين الصحيّ لأولادها، رُغم أنّ الأولاد يتمتعون بمكانة مقيمين في القدس الشرقيّة.

في يوم 30/11/2014 قدّم هموكيد- مركز الدفاع عن الفرد التماس للمطالبة بإلغاء طرد نادية أبو الجمل. وفي إطار الالتماس طلب هموكيد من المحكمة إصدار أمر مؤقت يمنع الطرد إلى حين التداول في الالتماس. ومن ضمن ما ادّعاه هموكيد في الالتماس، أنّه لم يُطرح أبدًا أيّ ادعاء أمنيّ ضدّ أبو الجمل ولم يُدّعَ أنّ مجرّد مكوثها في إسرائيل أمر خطر أو يشكل تهديدًا على أمن الجمهور. وفي ردّها أعلنت الدولة يوم 8/12/2014 أنّ إجراء لمّ الشمل للمرأة قد توقف يوم وفاة زوجها وأنّ ملفّها نُقل إلى اللجنة الإنسانيّة التي تقدّم مشورتها لوزير الداخليّة. في يوم 4/6/2015 رفضت المحكمة العليا طلب هموكيد- مركز الدفاع عن الفرد لإصدار أمر مؤقت. وتقرّر عقد المداولة في الالتماس يوم 13/7/2015، ولكن في غياب أمر مؤقت ثمة تخوّف من أن تقوم السلطات بطرد أبو الجمل وأولادها من بيتها قبل ذلك. تعيش نادية أبو الجمل اليوم مع أولادها في شقة صغيرة ملاصقة لبيت أهل زوجها. وهي تقول إنّ الأولاد ما زالوا يتلقون العناية الطبيّة كالمعتاد. ويعني طرد أبو الجمل وأولادها فصل العائلة عن مركز حياتها في القدس: فهم سيظلّون من دون مأوى، وسيُفصلون عن أقربائهم وأصدقائهم، وسيجرّد الأولاد من مخصّصات التأمين الصحيّ، وسيُمنعون من الذهاب إلى الروضات والمدارس في القدس، وستُمنع عنهم خدمات أخرى كثيرة يستحقها سكّان المدينة.

يجب على السلطات أن تتوقّف فورًا عن الخطوات العقابيّة ضدّ أفراد العائلة، غير المشتبهين بارتكاب أيّ مخالفة، والامتناع عن هدم البيتين، وتجديد تصريح الإقامة لنادية أبو الجمل والامتناع عن تجريد أولادها من مكانتهم وحقوقهم.