Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

عزل السّواحرة الشرقيّة والشيخ سعد عن شرقيّ القدس

حاجز الشيخ سعد. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم، 11/2/2015.
حاجز الشيخ سعد. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم، 11/2/2015.

الشيخ سعد والسواحرة هما قريتان فُصلتا عن شرقيّ القدس بشكل مفتعل، وذلك بواسطة الجدار الفاصل الذي يبلغ ارتفاعه ثمانية أمتار. قبل ذلك كان هناك تواصل عمرانيّ بين هاتين القريتيْن وبين شرقيّ القدس عمومًا، وبين قرى جبل المكبّر والسواحرة الغربيّة جنوبًا، على وجه الخصوص. وقد نمت بين القريتيْن علاقات أسريّة وتجاريّة وثقافيّة وساعة. ويعيش في قرية الشيخ سعد نحو 2,000 نسمة وفي قرية السواحرة الشرقيّة التي تبعد نحو كيلومتريْن إلى شمالها، نحو 6,000 نسمة.

في عام 1967، وفور احتلال الضفة الغربيّة، ضمّت إسرائيل إلى مناطق نفوذ القدس مساحات شاسعة كانت تقع شرقيّ هاتين القريتيْن. ولم تشتمل المناطق التي ضمّتها إسرائيل هاتيْن القريتيْن، إلا أنّ ذلك لم يحمل أيّ تبعاتٍ على حياة السكّان، إذ أنّ التنقّل بين المنطقة التي ضُمّت وسائر مناطق الضفة الغربيّة كان أمرًا روتينيًّا. وقد كانت القدس مدينة قضاء لسكان هاتيْن القريتيْن؛ وعمل الكثيرون منهم فيها وتلقّوا فيها الخدمات الصحّيّة والتربويّة. وحتى بعض السكان الذين سكنوا في المنطقة التي ضُمّت انتقلوا في بعض الأحيان للسكن في هاتيْن القريتيْن.

تغيّر هذا الواقع في منتصف سنوات التسعين، حين بدأت إسرائيل بفصل القريتيْن عن مناطق شرقيّ القدس، بواسطة سدّ الشوارع وإقامة الحواجز. في عام 2003 تقرّر مسار الجدار الفاصل في المنطقة، وفي 26/8/2003 بدأت أعمال إنشاء جدار شائك مؤقت. استأنف سكّان الشيخ سعد ضدّ المسار وفي آذار 2006 قبلت لجنة الاستئنافات بشأن الجدار الفاصل استئنافهم وقضت بأنه "من الناحية التاريخيّة تشكل الشيخ سعد جزءًا من جبل المكبر في نطاق القدس" وأنّ مسار الجدار ليس تناسبيًّا وهو ينتهك حقوق سكّان القرية بالحياة والحريّة والكرامة. وأمرت لجنة الاستئنافات الدولة بإعادة فحص مسار الجدار مجدّدًا في المنطقة. مع ذلك، التمست الدولة المحكمة العليا ضدّ هذا القرار مُدّعية أنّ اللجنة تجاهلت الإسقاطات الأمنيّة المتعلّقة بالمسار البديل الذي سيضمّ القرية إلى نطاق القدس. في عام 2010 قبلت المحكمة "العليا" التماس الدولة وصدّقت بذلك مسار الجدار في المنطقة.

أدّى إنشاء الجدار إلى عزل وفصل مجموعتيْن سكنيّتيْن بشكل فوريّ: سكان القدس الذي ظلّوا شرقيّ الجدار، وسكان السواحرة الشرقيّة والشيخ سعد الذين ظلّوا في جانبه الغربيّ. وقد مرّ من وقتها نحو عقد من السنوات بحيث ظلّ سكّان القرى معزولين ومقطوعين عن أبناء عائلاتهم وأماكن عملهم وعن مراكز الخدمات التي ظلّت في الجانب الثاني للجدار.

حاجز السواحرة الشرقية. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم، 11/2/2015.
حاجز السواحرة الشرقية. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم، 11/2/2015.

بعد تشييد الجدار والحواجز في المنطقة، فرضت السلطات سلسلة من القيود الاعتباطيّة على سكّان القرى، ما فاقم من العزل الذي فُرض على السكّان. وتقوم هذه التدابير بتقسيم السكّان إلى أربع فئات مختلفة:

  1. 1,300 شخص من سكّان السواحرة الشرقيّة والذين يحملون بطاقات هويّة إسرائيليّة، ويسكنون بجوار حاجز السواحرة الشرقيّة، أو يعملون في مؤسّسات دوليّة: تظهر أسماء هؤلاء السكان في قائمة تُدار في حاجز السواحرة الشرقيّة ويحقّ لهم منذ سنة عبور هذا الحاجز بسيّاراتهم إلى القدس والعودة منها إلى بيوتهم، بين الساعات 6:00-18:00 فقط.
  2. سكّان السواحرة الشرقيّة والشيخ سعد من حملة بطاقات الهُوية الإسرائيليّة (عناوينهم مسجّلة في جبل المكبر): يحقّ لهم عبور حاجز الشيخ سعد (ذهابًا وإيابًا) أو حاجز السواحرة الشرقيّة –باتجاه واحد فقط (الخروج من شرقيّ القدس)، وذلك مشيًا على الأقدام. وعلى عكس ذلك، فإنّهم يضطرّون للقيام بلفّة طويلة بسيّاراتهم واجتياز حاجز الزعيم. وتطول هذه السفرة لساعة تقريبًا.
  3. سكّان السواحرة الشرقيّة الذين يحملون بطاقات هويّة تابعة للضفة الغربيّة ويحملون تصاريح دخول إلى إسرائيل، لا يمكنهم دخول المدينة إلّا سيرًا على الأقدام عبر حاجزي الزيتون أو الزعيم. ويُحظر عليهم اجتياز حاجز السواحرة الشرقيّة.
  4. سكّان الشيخ سعد الذين يحملون بطاقات هويّة تابعة للضفة الغربيّة وتصاريح دخول إلى إسرائيل، ولا يُسمح لهم إلّا بالعبور عن طريق حاجز الشيخ سعد.

يحقّ لسكّان شرقيّ القدس الذين يعيشون في نطاق المدينة ويرغبون بزيارة السواحرة الشرقيّة أو الشيخ سعد، أن يحضروا إلى المكانيْن بسيّاراتهم، عبر حاجز الزعيم فقط. وعلى العكس من ذلك، يحقّ لهم الخروج من القدس عبر حاجز الشيخ سعد سيرًا على الأقدام فقط، إلّا أنّه لا يحقّ لهم الدخول إلى المدينة ثانية عبر هذا الحاجز.

تثير هذه القيود الصارمة والمعقّدة المصاعب الجمّة على إدارة الحياة اليوميّة، وعلى إقامة العلاقات بين سكّان القريتيْن وبين سائر أفراد عائلاتهم الذين ظلّوا في الجهة الثانية للجدار. فقد جرى الفصل بين الأخوة والأخوات وبين الأهل والأبناء والبنات، وأدّت الصعوبة الكبيرة الكامنة في اجتياز الحواجز إلى تلاقي أفراد العائلة في أحيان متباعدة فقط، في الأعياد والمناسبات العائليّة. زدْ على ذلك أنّ الكثير من السكّان فقدوا أماكن عملهم وهم يجدون صعوبة كبيرة في تلقّي الخدمات التي كانوا يتمتعون بها في المدينة سابقًا.

وتتعلق مشكلة أخرى خلقها الجدار بمسألة الدّفن: فالمقبرة التي تخدم القريتيْن موجودة في جبل المكبّر، في الجهة الثانية للجدار. وفي كلّ مرّة تُجرى فيها جنازة لأحد سكّان السواحرة الشرقيّة أو الشيخ سعد، تسمح قوّات الأمن عند الحواجز بعبور خمسين شخصًا فقط من سكان القريتيْن، بمن فيهم الأقرباء، ودخول القدس من أجل المشاركة في الجنازة. وبعد الجنازة يجد أفراد العائلة صعوبة في زيارة القبر بسبب القيود الموصوفة أعلاه.

س.ج. متزوّجة وأم لخمسة أولاد ومن سكّان السواحرة الشرقيّة، تحدّثت في إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم عامر عاروري، فقالت:

أنا من مواليد جبل المكبّر في شرقيّ القدس. في عام 1991 تزوّجت بأحد سكّان السواحرة الشرقيّة والذي يحمل بطاقة هويّة فلسطينيّة. في تلك الأيّام كانت السواحرة الشرقيّة وجبل المكبّر منطقة جغرافيّة واحدة. لم تكن هناك حواجز عسكريّة ولا الجدار الفاصل لتعزل أفراد العائلات والناس عن بعضها البعض. والسكّان في المنطقتيْن ينتمون إلى العائلات نفسها. وقد ولدتُ بناتي الخمس في مستشفى في شرقيّ القدس ...قبل ضرب الحواجز العسكريّة زرت أفراد عائلتي في جبل المكبّر أسبوعيًّا. وقد استمرّت سفرتي من بيتي إلى بيتهم خمس دقائق... واليوم أنا أزور عائلتي مرةً كلّ ثلاثة أشهر. وبالطبع فإنّ كلّ زيارة كهذه منوطة بالتأخير عند الحاجز وطرح الأسئلة والأجوبة حول بطاقة الهويّة. وكذا الأمر مع أفراد عائلتي، الذين كانوا يزورونني قبل بناء الحاجز كلّ أسبوع، وهم الآن لا يزورونني إلّا في المناسبات الخاصّة، مثل الأعياد وشهر رمضان. أبي وأمّي مُسنّان ولا يمكنهما السيّر لعبور حاجز السواحرة الشرقيّة للوصول إلى بيتي. وهما يفضّلان زيارتي بالسيارة، ما يعني أنّ عليهما السفر عبر حاجز الزعيم، وهذه طريق طويلة.

ن.ج. مولودة هي أيضًا في جبل المكبر، وتعيش مع زوجها في السواحرة الشرقيّة، قالت في إفادتها:

يفصل الحاجز بيني وبين أفراد عائلتي. أمّي مُسنّة وهي كفيفة اليوم، ولا يمكنها الحضور إليّ وحدها عبر الحواجز والسير على الأقدام. هذه مهمة صعبة بالنسبة لها. وذلك، وبشكل عام، يقوم أحد أخوتي بأخذها بالسيارة عبر حاجز الزعيم، وهذا يتطلّب ساعة تقريبًا بدلاً من خمس دقائق. ولذلك أضحت زياراتها مقتصرة على الأعياد والمناسبات الخاصّة وشهر رمضان. وقد كانت زيارتهم الأخيرة في عيد الأضحى الأخير، قبل ثمانية شهور. وقبل وضع الحاجز كنت ببساطة أتصل منهم الحضور لأنّني طبخت أكلة يحبّونها، وكانوا يحضرون إليّ خلال خمس دقائق.

تؤدّي القيود الاعتباطيّة التي فرضتها السلطات الإسرائيلية على حركة السكّان إلى التشويش على معظم أبعاد الحياة: فهي تعزل العائلات عن بعضها البعض وتُصعّب على السكّان إدارة روتين حيواتهم. وليس لهذه القيود أيّ تبرير أمنيّ أو آخر، ومن الصعب أيضًا تبيان المنطق الذي يقف من ورائها: لماذا تقرّر مشاركة خمسين شخصًا بالذات في الجنازات؟ ولماذا يحقّ لشخص ما اجتياز حاجز ما للعودة إلى بيته، فيما يُحظر عليه اجتيازه من أجل الوصول إلى مكان عمله؟

يجب على إسرائيل أن تزيل الجدار الذي يقطع التواصل العمرانيّ والتاريخيّ والثقافيّ بشكل مفتعل، ويؤدّي إلى تشويشات كبيرة على حياة عشرات آلاف البشر. وما دامت إسرائيل تبقي على هذا الجدار، فإنّ عليها أن تسمح بالانتقال المنتظم بين هاتين القريتين وبين شرقيّ القدس، بما يسمح بتمتّع سكان القريتيْن المعزولتيْن بحياة سويّة.