Skip to main content
Menu
المواضيع

دروع بشريّة

خلال السنوات استخدمت قوّات الأمن فلسطينيين كدروع بشريّة وفرضت عليهم القيام بأعمال عسكرية محفوفة بمخاطر حقيقيّة على حياتهم. في إطار هذه السياسة أجبر الجنود مواطنين فلسطينيين على إزالة أجسام مشبوهة من الشارع وعلى توجيه نداءات إلى فلسطينيين آخرين ليخرجوا من بيوتهم - حيث ينتظرهم الجيش لاعتقالهم وعلى الوقوف كسواتر يختبئ وراءها الجنود أثناء إطلاق النيران وغير ذلك. هذه "المهام" ومثيلاتها ألقاها الجنود على كاهل مواطنين فلسطينيين اختاروهم عشوائيًّا ولم يقدر الأخيرون على رفض تنفيذها وهم أمام جنود مدجّجين بالسّلاح.

استخدام المواطنين على هذا النحو لم يكن مبادرة خاصّة قام بها الجنود في الميدان وإنّما قد فعلوا ذلك تلبية لأوامر صدرت إليهم من أصحاب رتب عليا في الجيش. خلال الانتفاضة الثانية - وخصوصًا خلال اقتحام الجيش المراكز السكنيّة الفلسطينية كما في العملية العسكرية "الجدار الواقي" في نيسان 2002 - تحوّل استخدام الفلسطينيين كدروع بشريّة إلى جزء من سياسة الجيش المعلنة.

خلال السنوات استخدمت قوّات الأمن فلسطينيين كدروع بشريّة وفرضت عليهم القيام بأعمال عسكرية محفوفة بمخاطر حقيقيّة على حياتهم. لم يحدث هذا كمبادرة خاصّة قام بها الجنود في الميدان وإنّما تلبية لأوامر صدرت إليهم من أصحاب رتب عليا في الجيش.

في أعقاب ذلك في أيّار 2002 قدّم مركز "عدالة" إلى محكمة العدل العليا التماسًا ضدّ هذه السياسة ممثّلاً لسبع مؤسسات حقوقية (من بينها "بتسيلم"). بعد مضيّ يومين على تقديم الالتماس أبلغت الدولة المحكمة أنّ "الجيش الإسرائيلي قرّر إصدار أمر واضح وحاسم إلى القوّات العاملة في الميدان يحظر فيه تمامًا على جميع القوّات العاملة في الميدان استخدام المواطنين أيًّا كانوا كـ"دروع حيّة" للدفاع في مواجهة إطلاق نيران أو عمليّات من الجانب الفلسطيني". إلى جانب ذلك واصلت الدولة ادّعاءها أنّ طلب الجنود من أشخاص فلسطينيين مناداة فلسطينيين آخرين للخروج من بيوتهم لا يقع ضمن استخدام الأشخاص كدروع بشريّة. رغم ذلك "اتّخذ قرار في الجيش بإصدار توضيح يبيّن أنّ هذا العمل محظور في الحالات التي يعتقد القائد الميداني أنّها تشكّل خطرًا على سلامة جسد المواطن".

إنّ استخدام هذا الإجراء المسمّى "إجراء الجار" لا يختلف جوهريًّا عن استخدامات أخرى لمواطنين فلسطينيين قام بها الجيش - لا من ناحية كونه مخالفًا للقوانين التي تحظر استخدام مواطنين في تنفيذ مهام عسكريّة ولا من ناحية جدّية الخطر الذي يتهدّد المواطنين جرّاءها. هذا الأمر الواضح أزالت الشكوك حوله حادثة حصلت في آب 2002: في 14.8.2002 أرسل جنود الشابّ نضال أبو محسن (19 عامًا) من سكّان قرية طوباس إلى منزل ناصر جرّار الناشط في حركة حماس وأمروه بإخراجه من منزله. عندما توجّه الشابّ إلى المنزل قُتل بنيران أطلقها جرّار - الذي اعتقد على ما يبدو أنّ الذي طرق باب منزله جنديّ إسرائيلي.

في أعقاب هذه الحادثة توجّهت منظمات حقوق الإنسان مجدّدًا إلى محكمة العدل العليا مطالبة بإصدار قرار مؤقت يمنع منعًا باتًّا استخدام "إجراء الجار" أيضًا؛ وفعلاً أصدرت المحكمة القرار في اليوم نفسه. رغم ذلك استمر وصول التقارير إلى "بتسيلم" وإلى المؤسسات الأخرى حول حالات إضافية طبّق فيها جنود "إجراء الجار" وعليه تقدّمت هذه المؤسسات إلى المحكمة بشكوى استنادًا إلى تحقير المحكمة.

في ردّها الذي قدّمته للمحكمة في كانون الأول 2002 ادّعت الدولة أنّ الجيش قد توقّف عن استخدام المواطنين الفلسطينيين كدروع بشريّة وأنّه فقط "يستعين بالسكّان لأجل منع المسّ بحياة البشر". وقد أرفقت الدولة ردّها بإجراء جديد يسمّى "إجراء إنذار مسبَق" عوضًا عن الإجراء السابق - "إجراء الجار". ويقضي الإجراء الجديد أنّ "الاستعانة" بمواطنين مباحة في الحالات التي يرى القائد الميداني أنّها تشكّل خطرًا على حياة الشخص "المتعاون" وفي الحالات التي يوافق فيها الشخص على التعاون. رفضت المحكمة إصدار قرار مؤقت أيضًا بشأن الإجراء الجديد وسمحت للجيش باستخدامه في هذه الأثناء.

حدّد الإجراء المذكور شرطين تراكميّين لتنفيذه: الشرط الأول يقتضي أنّ على الشخص "المحلّي" أن يعبّر عن موافقته على التعاون مع الجنود، ويحظر عليهم استخدام القوّة أو التهديد باستخدام العنف أو الاعتقال. فرضيّة أنّ الفلسطيني الذي يقف قبالة جنود مدجّجين بالسلاح يملك حقًّا حرّية الخيار بين أن يوافق أو يرفض التعاون مع الجنود باطلة من أساسها. حقّ الرفض المحفوظ ظاهريًّا للفلسطيني الذي طُلب منه التعاون هو حقّ خالٍ من أيّ مضمون بالنظر إلى علاقات القوى بين الجنود المسلّحين من جهة ومواطنين فلسطينيين ينتقيهم الجنود عشوائيًّا، وفي معظم الحالات يطالبونهم بتنفيذ أوامرهم بعد أن انتشلوهم من أسرّتهم في ساعات الليل وهم يوجّهون أسلحتهم نحوهم ونحو أفراد عائلاتهم.

الشرط الثاني يحدّد أنّه "يُمنع بشدّة التعاون مع الشخص المحلّي حتّى بموافقته إذا رأى قائد القوّة أنّه قد يتعرّض للخطر". ولكنّ الحالات التي صيغ لأجلها الإجراء الجديد - اعتقال مطلوبين - هي حالات خطيرة أساسًا وبحُكم تعريفها وأيّ تدخّل لمواطن في مثل هذه المهام التي يقف فيها طرفان مسلّحان وجهًا لوجه، يعرّض حياته للخطر.

أكّدت الدولة وشدّدت في ردّها المقدّم إلى المحكمة أنّ الإجراء قد شارك في وضع صيغته ذوو أعلى الرتب العسكرية ومنهم قائد الأركان إضافة إلى مسؤولين كبار في وزارة القضاء - بينهم المستشار القضائي للحكومة والنائب العامّ. من الواضح أنّ التأكيد على ضلوع  ذوي رتب عليا ومناصب رفيعة في وضع فكرة الإجراء وصياغته جاء ليدلّ على تعامل جدّي مع الموضوع. ولكنّ ضلوع مسؤولين حكوميّين كبار وضبّاط جيش ذوي رتب عليا في صياغة أوامر تبيح المسّ بمواطنين لا يجعل منها أوامر قانونيّة وأخلاقيّة. إن ضلوع هؤلاء في الموضوع يحوّلهم إلى شركاء في المسؤولية عن أيّ مسّ بالمواطنين أو ضرر يلحق بهم جرّاء تطبيق هذا الإجراء.  

في أيلول 2004 عقدت في المحكمة جلسة أخرى للنظر في الالتماس. رئيس المحكمة العليا في ذلك الحين القاضي "أهرون براك" انتقد أثناء المناقشات الإجراء المسمّى "إنذار مسبق" قائلاً إنّ على الجيش التخلّي عنه أيضًا لأنّ ميثاق جنيف يحظر استخدام السكّان المحلّيين في تنفيذ المهام القتالية لجيش الاحتلال. وأيضًا حين عالج الرئيس "براك" شرط تعاون الشخص المحلّي مع الجيش بمحض إرادته، قال إنّه "من الصعب جدًا التأكّد من الإرادة إذ يُخشى أنّه حينما تدخل وحدة عسكريّة آثناء الليل لن تجد جارًا لا يوافق على التعاون معها بسبب الخوف". في المناقشة نفسها أعلنت المحكمة أنّها ستصدر قرار حكمها لاحقًا.

بعد مضيّ سنة على ذلك في تشرين الأوّل 2005 أصدرت المحكمة قرار الحكم وحدّدت فيه أنّه يُحظَر أيّ استخدام لمواطنين فلسطينيين في إطار أي نشاط عسكريّ بما في ذلك في إطار إجراء "إنذار مُسبَق".

غير أنّ الجنود حتّى بعد صدور قرار المحكمة المذكور أعلاه واصلوا من حين لآخر استخدام الفلسطينيين كدروع بشريّة خاصّة أثناء العمليات العسكريّة. ورغم أنّ سلوكهم هذا يخرق قرار محكمة العدل العليا إلا أنّ ردّ الفعل عليه من قبَل جهاز الأمن - وبضمنه جهاز تطبيق القانون العسكري - إذا وُجد أصلاً - خافت جدًّا.

على سبيل المثال أثناء العملية العسكرية "الرّصاص المصبوب" التي دارت رحاها في قطاع غزّة بين شهرَي كانون الأول 2008 2008 وكانون الثاني 2009 وصلت إلى "بتسيلم" ومؤسسات أخرى معلومات عن حالات استخدم فيها جنود إسرائيليون أشخاصًا فلسطينيين كدروع بشريّة. معظم هذه الحالات لم يتمّ التحقيق فيها أو أنّه قد بوشر في التحقيق ثمّ جرى إغلاق الملفّ دون التوصّل إلى شيء. فقط في حالة واحدة أحيل جنديّان للمحاكمة بعد أن أمرا بتهديد السّلاح طفلاً في التاسعة أن يفتح لأجلهم حقيبة اشتبه الجنديّان بأنّها مفخّخة. رغم الملابسات الخطيرة التي اكتنفت هذه الحادثة - تعريض حياة طفل للخطر - حُكم على الجنديّين بعد مضيّ سنتين على وقوع الحادثة بالسجن لمدّة ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ، وبخفض رتبة كلّ منهما من رقيب أوّل إلى رقيب. لم يُستدعَ للمحاكمة في القضية نفسها أيّ من الضبّاط المسؤولين عن الجنديّين.

وأثناء حملة "الجُرف الصّامد" عام 2014، وصلت مجدّدًا إلى "بتسيلم" إفادات عن جنود استخدموا فلسطينيين في قطاع غزّة كدروع بشريّة. في هذه المرّة لم يستدعَ أحد للمحاكمة ولا حتّى الضالعين مباشرة في الحادثة.

كلمات مفتاحية