Skip to main content
شارع الوحدة في مدينة غزة حيث تم قصفه على يد إسرائيل. تصوير: محمد زعنون، أكتيف ستيلس  (Activestills)
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

والآن، حان وقت الطّمس

انتهى قصف قطاع غزّة لهذه الجولة، والآن تأتي مرحلة الطّمس - كأنّما جزءاً من الإجراءات. يمكننا أن نتوقّع من إسرائيل أن تعلن قريباً أنّها تعكف على فحص قصف هنا أو هناك ممّا تعتبره "أحداث استثنائيّة". بعد مضيّ بضعة أشهر على ذلك سوف يُعلن المدّعي العامّ العسكريّ ما توصّل إليه من نتائج: كلّ شيء جرى وفقاً للقانون سوى حادثة أو اثنتين سيقرّر أن يتّخذ ضدّ المتورّطين فيهما إجراءات، وعلى الأغلب ستكون هذه رمزيّة تقريباً. وربّما سوف يوصي المدّعي العامّ العسكريّ على تدقيق إجراء معيّن أو صقل أحد إجراءات التصديق العسكريّة.

تستند توقّعاتنا هذه على أداء إسرائيل في ظروف مشابهة سابقة. تُدار التحقيقات دائماً على يد الجيش ولذلك يبقى المسؤولون السياسيّون - ممّن صدّقوا على سياسة القصف وأصدروا تعليمات استخدام القوّة العسكريّة الفتّاكة - في منأىً عن أيّ تحقيق أو استدعاء للمساءلة والمحاسبة. كذلك لم يحدث أبداً أن تمّ التحقيق مع كبار العسكريّين المسؤولين عن تطبيق هذه السياسة والمدّعي العامّ العسكريّ الذي يصدّق على قانونيّتها. وبسبب هذا الأداء لم يحدث أبداً أن خضع للتحقيق أيّ من المسؤولين عن وضع السياسة التي أسفرت عن انتهاكات متكرّرة لحقوق الإنسان.

لقد أنيطت التحقيقات التي جرت حتى اليوم بخصوص جولات القتال السّابقة في قطاع غزّة بجهاز إنفاذ القانون العسكريّ وقد أثبت هذا أنّه جهاز طمس للحقائق ليس إلّا. أمّا الإجراءات الجنائيّة التي تمّ اتّخاذها نتيجة لهذه التحقيقات فهي كما يلي:

  • في أعقاب "الرّصاص المصبوب" قرّر المدّعي العامّ العسكريّ أنّ كلّ شي سار وفقاً للقانون في جميع الأحداث التي تمّ التحقيق فيها ما عدا ثلاثة: في واحد من الثلاثة أدين جنديّ بسرقة بطاقة اعتماد بنكيّة وحُكم عليه بالسّجن مدّة سبعة أشهر ونصف وخفض رُتبته. في الحادثة الثانية أدين جنديّان باستخدام طفل كدرع بشريّ وحُكم عليهما بالسّجن مدّة ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ وخفض رُتبتهما. في الحادثة الثالثة وهي مقتل امرأتين (أمّ وابنتها) أدين جنديّ باستخدام السّلاح على نحوٍ مخالف للقانون وحُكم عليه بالسّجن مدّة 45 يوماً. هذا ما أسفرت عنه التحقيقات مع انتهاء جولة قتلت إسرائيل خلالها 1,391 فلسطينيّا بضمنهم على الأقلّ 759 لم يشاركوا في القتال ومن هؤلاء 318 طفلاً وفتىً تحت سنّ الـ18. فوق ذلك هدمت إسرائيل في تلك الجولة أكثر من 3,500 منزل وشرّدت بذلك عشرات آلاف الأشخاص كما ألحقت أضراراً هائلة بالمباني ومنشآت البنية التحتيّة.
  • في أعقاب "الجُرف الصامد" قرّر المدّعي العامّ العسكريّ أنّ كّل شيء سار وفقاً للقانون ما عدا حادثة واحدة أدين جرّاءها ثلاثة جنود بسرقة 2,420 شيكل وحُكم عليهما بتنفيذ خدمات لفترات تراوحت بين شهرين وأربعة أشهر. هناك عدد من الأحداث ما زال قيد أنواع شتّى من الفحص والتدقيق. هذا هو وضع التحقيقات مع انتهاء جولة قتلت إسرائيل خلالها 2,203 فلسطينيّين بضمنهم 1,372 لم يشاركوا في القتال ومن بين هؤلاء 528 تحت سنّ الـ18. هذا إضافة إلى 18,000 منزلًا دمّرتها إسرائيل تماماً أو ألحقت بها أضراراً بليغة وشرّدت بذلك أكثر من 100,000 فلسطينيّ.
  • "مظاهرات العودة" ما زال الجيش يحقّق فيها. حتى الآن أدين جنديّ واحد قتل بنيرانه فتىً في الـ14 بتهمة تجاوُز الصّلاحيّات إلى حدّ تعريض حياة إنسان للخطر وحُكم عليه بتنفيذ خدمات لفترة شهر. نتحدّث هنا عن مظاهرات قتلت خلالها قوّات الأمن وخاصّة عبر القنص عن بُعد 223 فلسطينيّاً بضمنهم 46 تحت سنّ الـ18، إضافة إلى جرح 8,079 فلسطينيّاً بالرّصاص الحيّ.

هناك جهات رسميّة تقلّل من شأن هذه التحقيقات زاعمة أنّ جميع ممارسات إسرائيل قانونيّة. لكنّها مع ذلك على استعداد لإجراء مثل هذه التحقيقات لأنّها تخدم في الردّ على النقد الموجّه لإسرائيل من قبَل المجتمع الدوليّ وفي منع تدخّل محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي. لهذه المسألة اليوم راهنيّة أكثر من ذي قبل إذ قرّرت مدّعية محكمة الجنايات فتح تحقيق ضدّ إسرائيل جرّاء ممارساتها في المناطق المحتلّة - ذلك أنّه لا يمكن لمحكمة الجنايات إجراء هذا التحقيق إذا قرّرت إسرائيل أن تجري هي نفسها تحقيقاً يتمتّع بالمصداقيّة وأن تحاسب من يثبت تورّطهم في انتهاكات.

ولكن لا يكفي القول أنّ ما تقوم به الأجهزة العاملة في إسرائيل هو "تحقيقات" لكي تُعتبَر كذلك. العقل السّليم وكذلك اتّفاقيّة روما التي تعمل بموجبها محكمة لاهاي يميّزان بين التحقيقات التي تسعى فعلاً لسبر غور الحقيقة والحالات التي لا تريد الدولة التحقيق فيها أو لا تستطيع ذلك. التحقيق مع بضعة جنود من ذوي الرّتب المنخفضة وغضّ الطرْف عن المسؤولين الحقيقيّين عن السّياسة التي طُبّقت في غزّة ونتائجها - بما في ذلك كبار المسؤولين السياسيّين والعسكريّين - لا يمكن اعتبارُه تحقيقاً يسعى للحقيقة لأنّه لا يقترب من استيفاء الشروط المطلوبة.

إضافة إلى ذلك، الفرضيّة الأساسيّة لدى الجهات الرسميّة - ومفادُها أنّ جميع ممارسات إسرائيل قانونيّة - هي فرضيّة باطلة. صحيح انّ القصف يصدّق عليه مستشارون قضائيّون وتعليمات إطلاق النّار تسندها آراء خبراء في القانون ولكنّ هذا لا يكفي.

لقد تمّت بلورة القانون الإنسانيّ الدوليّ على يد دول صاغت معاً قواعد هدفها تقليص معاناة المدنيّين والأضرار اللّاحقة بهم أثناء الحروب. الآراء القانونيّة التي تلوّح بها إسرائيل - والتي تسمح بأمور كثيرة وحتى بقتل عائلات بأكملها وقصف بُنىً ومنشآت مدنيّة - هي أبعد ما يكون عن احتمال تحقيق هذه الأهداف. إنّها آراء تُفرغ القانون الإنسانيّ الدوليّ من أيّ مضمون حقيقيّ إذ هي تستند إلى تأويلات مُراوغة وغير معقولة يبرّر الخبراء بواسطتها استهداف المدنيّين والبُنى المدنيّة على نطاق واسع. بدلاً من الرّجوع إلى القانون الإنسانيّ الدوليّ لأجل تقليص العُنف يرجع إليه المستشارون القضائيّون الإسرائيليّون لتبرير العُنف بالذّات. لقد ارتكبت إسرائيل مرّة أخرى جرائم حرب في قطاع غزّة. هذه الجرائم يجب التحقيق فيها كما ينبغي ويجب فرض عقوبات على منفّذيها لأنّ في ذلك أوّلاً إنصاف للضّحايا وعائلاتهم وثانياً ضمانة لعدم اتّباع سياسة مماثلة في المستقبل طالما أنّها تستجرّ دفع ثمن لا تقوى إسرائيل على تحمّله.