Skip to main content
 بناية مدمرة جراء القصف الإسرائيلي في حي الرمال في مدينة غزة. . تصوير محمد صباح ، بتسيلم
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

قصف الأهداف المدنيّة جريمة حرب

منذ بداية قصفها لقطاع غزّة استهدفت إسرائيل عشرات المباني وبضمنها منازل ومكاتب ومقرّات حكوميّة ومحالّ تجاريّة، ناهيك عن البُنى التحتيّة كالشوارع مثلاً. ضمن ذلك ألقت الطائرات القنابل على أبراج - بعضها انهار كلّيّاً- كانت فيها مكاتب ومنازل ومحطّات تلفزة، كما ألقتها على منازل قياديّين في حماس ومنازل لسكّان آخرين في قطاع غزّة. عشرات قُتلوا في هذه الغارات.

يفرض القانون الإنسانيّ الدوليّ قيوداً على الأطراف المتقاتلة ويحدّد ما المسموح وبالأساس ما الممنوع القيام به خلال القتال. من ذلك أنّ هذا القانون يحدّد بأنّه يُسمح توجيه الضّربات إلى أهداف عسكريّة فقط. هذه الأهداف معرّفة في البند 52(2) من البروتوكول الأوّل الملحق باتّفاقيّة جنيف والذي تُلزم أحكامُه جميع دول العالم. وفقاً لهذا البند يتطلّب تعريف هدف ما على أنّه "هدف عسكريّ" شرطين اثنين لازمَين معاً:

1. على الهدف "أن يُسهم على نحوٍ فعّال في الجُهد الحربيّ".

2. وعلى الضربة الموجّهة له [للهدف]- في الظرف الآنيّ لتوجيهها - أن تُكسب الطرف المُهاجم "أفضليّة عسكريّة واضحة".

لأجل فحص ما إذا كان أيّ قصف يستوفي الشرطين أعلاه هناك حاجة لفحص الأغراض العينيّة التي استُخدم لأجلها المبنى المستهدَف بذلك القصف. تذكر الأدبيّات ذات الصّلة كأهداف عسكريّة مشروعة المباني العسكريّة مخازن الذخيرة ووسائط النقل التي تخدم المقاتلين. المبنى الذي يُستخدم فقط جزءٌ منه لأغراض عسكريّة وفقاً للشروط المطلوبة تظلّ بقيّة أجزائه أهدافاً مدنيّة تُحظر مهاجمتها. على أيّة حال إذا ما كان هناك شكّ بخصوص الأغراض التي يُستخدم أيّ مبنىً لأجلها يُعتبر حينئذٍ هدفاً مدنيّاً.

لم يوضّح الجيش الإسرائيليّ أثناء القتال الدائر حاليًّا ماذا كان مبرّر أيّ من الغارات التي شنّها وما العلاقة بين الهدف الذي طالته الغارة والنشاط العسكريّ العينيّ الذي يجري في المبنى. عوضاً عن ذلك أتت معظم الجهات المسؤولة بحجج عامّة من قَبيل "بنى تحتية إرهابية تتبع لحماس" أو "بُنى تحتية لإدارة القتال" وما إلى ذلك.

لا يمكن الحسم ما إذا كانت كلّ غارة شنّها الجيش الإسرائيليّ في الأيّام الماضية كانت قانونيّة في غياب معلومات عينيّة بخصوص الجُهد الحربيّ العينيّ الذي يُسهم فيه كلّ واحد من المباني التي طالتها الغارات وكذلك بخصوص الأفضليّة الواضحة التي تتوخّى إسرائيل أن تكسبها من هدم المبنى. مع ذلك يمكن منذ الآن التأكيد على أنّ استهداف المنازل فقط لأن قياديّين من حركة حماس يقيمون فيها لا يستوفي الشروط المطلوبة في القانون الإنسانيّ الدوليّ. إضافة إلى ذلك فإنّ الادّعاء أنّه تجري في المبنى أنشطة استخباراتيّة أو أنّ أحد المنازل صدرت منه تعليمات لتنفيذ هجمات على إسرائيل لا يكفيان لإضفاء شرعيّة قانونيّة على استهدافه. هذا الأمر يتطلّب معرفة إلامَ وُجّهت الضّربة (عدا المبنى نفسه) وكيف نجمت عنها أفضليّة عسكريّة واضحة. غنيّ عن القول إنّ الغارات التي شُنّت لضرب معنويّات السكّان لكي يضغطوا بالتالي على السّلطة الحاكمة أو التي شُنّت لمجرّد الانتقام هي غير قانونيّة.

في بعض الحالات حاولت إسرائيل أن تبرّر هجماتها بالقول إنّها فعلت كلّ ما في وُسعها لكي تتفادى المسّ بالمدنيّين مضيفة أنّها لأجل ذلك قد أنذرتهُم وأتاحت لهُم إخلاء المبنى قبل تنفيذ الهُجوم. لكنّ المسّ بالمدنيّين قضية أخرى وإذا كان الهدف الذي يتعرض للهجوم مدنيّاً تظلّ مهاجمته مخالفته للقانون حتى إذا لم يُقتل أيّ شخص في ذلك الهجوم. 

في جولات قتال سابقة طبّقت إسرائيل تأويلاً فضفاضاً - يحيد عن الشروط والقواعد المفصّلة أعلاه - للسؤال ما الذي يُمكن احتسابُه هدفاً عسكريّاً مشروعاً. هذا ما فعلته خلال "الرّصاص المصبوب" في كانون الأوّل 2008 وكانون الثاني 2009، وفي "عامود السّحاب" (تشرين الثاني 2012)وفي "الجُرف الصّامد" في صيف 2014. رغم النتائج الفتّاكة والمروّعة للغارات التي شنّتها متعمّدة ضرب أهداف مدنيّة - مرتكبة بذلك جريمة حرب - لم يحدث أبداً أن استُدعيت إسرائيل للمساءلة والمحاسبة جرّاء تطبيق هذه السّياسة.

لن يتغيّر هذا الواقع إلّا إذا تدخّل المجتمع الدّولي وسخّر ما يحوزه من إمكانيّات التأثير على إسرائيل ليُجبرها على تغيير سياستها قبل تسبّبها في سقوط المزيد من الضحايا.