Skip to main content
عبد الرحيم العرعير مستقلا دراجته التي لا يستطيع التحرك بدونها. عندما يتم تقليص ساعات عمل الكهرباء لا يتمكن من شحن بطارية الدراجة ولا يستطيع الخروج من المنزل. تصوير: محمد صباح، بتسيلم.
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

صيف 2020، أزمة الكهرباء في قطاع غزّة تتفاقم مجدّداً: تتوفّر فقط 4 ساعات كلّ 24 ساعة

يحتاج سكّان قطاع غزّة إلى نحو 600 ميغا/واط لكي يحصلوا على كهرباء متواصلة ومنتظمة على مدار 24 ساعة، لكنّهم لا يحصلون في الواقع سوى على 180 ميجا واط - 120 منها تزوّدها إسرائيل مباشرة عبر عشرة من خطوط الجُهد العالي والـ60 المتبقّية تنتجها محطّة توليد الكهرباء في القطاع وتعمل بواسطة وقود يصلها من إسرائيل وتموّله قطر. نتيجة لذلك يحصل سكّان قطاع غزّة في الأيّام "العاديّة" على كهرباء لفترات تمتدّ 8 ساعات فقط يليها 8 ساعات تنقطع فيها الكهرباء وهكذا دواليك؛ وفي الصّيف تنقطع الكهرباء أحياناً لمدّة 12 ساعة.

لا يمكن لإسرائيل التنصّل من مسؤوليّتها عن هذا الواقع لأنّها لا تزال هي الطرف المسيطر على ما يحدث داخل القطاع: هي التي فجّرت قبل 14 عاماً محطّة توليد الكهرباء في القطاع ومنعت منذ ذلك الحين إعادة إعمارها - نتيجة لذلك لا تستطيع المحطة سوى إنتاج كميّة محدودة من الكهرباء. وأيضاً إسرائيل هي التي تعيق إجراء الترميمات وإدخال تحسينات ضروريّة على منظومة الكهرباء وتُجبر السّلطات على شراء الوقود منها وحدها.

ولكنّ إسرائيل لم تكتف بهذا كلّه. علاوة على ذلك ومن باب العقاب الجماعيّ لكلّ سكّان القطاع أوقفت إسرائيل ضخّ الوقود اللّازم لتشغيل محطّة توليد الكهرباء في الأوقات التي ترتئيها. في 10.8.20 وفي قمة اشتداد الصيف الحارق قرّرت إسرائيل إغلاق المعابر ومنع إدخال الوقود إلى قطاع غزّة، وذلك ردّاً على مواصلة إطلاق البالونات الحارقة والمتفجّرة نحوها من القطاع. بعد مضيّ أسبوع على ذلك في 18.8.20 توقّفت محطّة توليد الكهرباء في القطاع عن العمل بسبب نقص الوقود وهبطت ساعات تزويد الكهرباء إلى 4 ساعات في اليوم لا أكثر. وبعد مضيّ ثلاثة أسابيع في 1.9.20 أعادت إسرائيل فتح المعابر وعاد بالتّالي تزويد الكهرباء إلى سابق عهده أي 8 ساعات في اليوم تليها 8 ساعات تنقطع فيها الكهرباء.

يصعب تخيّل عائلات لا تبعد عن تل أبيب سوى بضع عشرات من الكيلومترات وتعيش بدون كهرباء منتظمة. انقطاع الكهرباء المتكرّر والمتواصل لا يمكّن سكّان القطاع من إدارة نظام حياة معقول في عالم أصبحت فيه الكهرباء لازمة في كلّ مجال تقريباً - من استهلاك الغذاء إلى العمل والدّراسة والصحّة والتواصُل مع العالم وغير ذلك. في حال انقطاع الكهرباء لا يستطيع السكّان استخدام الأدوات الكهربائيّة الأساسيّة كالثلّاجة والمراوح وغسالة الملابس والفرن، ولا يستطيع المرضى والمعاقون تلقّي العناية اللازمة إذ يحتاج ذلك تزويد الكهرباء بشكل متواصل. كذلك يضرّ انقطاع الكهرباء بالبُنى التحتيّة وعلى رأسها شبكات المياه والمجاري ناهيك عن الضرر اللّاحق بالمستشفيات.

هذا الرّوتين اليوميّ القاسي لم ينجم عن كارثة طبيعيّة ولا هو حُكم القدَر وإنّما نتيجة لسياسة إسرائيليّة ظالمة. فيما يلي إفادات أدلى بها عدد من سكّان القطاع أمام باحثي بتسيلم الميدانيّين يصفون فيها ما يلاقونه من مشقّة في تسيير حياتهم اليوميّة في هذه الظروف والإحباط الشديد الذي يرافق ذلك:

أدناه إفادة باسمة خليل (61 عاماً) لديها 12 ابناً وابنة وهي من سكّان حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة - أدلت بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 19.8.20:

نقيم أنا وزوجي خيري عبد الرحمن (60 عاماً) في منزل من طابقين مع أبنائنا الأربعة وعائلتَي اثنين منهم. عددنا سويّة 16 نفراً. زوجي عاطل عن العمل منذ عشرين عاماً.

منذ أن قصفت الطائرات الإسرائيليّة محطّة الكهرباء ونحن نعاني من أزمة كهرباء وهذا فوق أزمة المياه والحصار المفروض علينا.

أحياناً تنقطع الكهرباء طوال النهار كلّه وتأتي لمدّة 3 - 4 ساعات فقط في المساء؛ وعندما تقع حرب لا توجد كهرباء بالمرّة. وكذلك المياه لا تصلنا بشكل متواصل وحين تنقطع الكهرباء والمياه في آنٍ واحد فلا يمكن ضخّ المياه إلى الخزّانات المنصوبة فوق السّطح. أحسّ وكأنّ الكهرباء والماء خطّان متوازيان لا يلتقيان! الوضع في قطاع غزّة لا يُطاق أبداً. الحصار أدّى إلى تدهور أوضاعنا الاقتصاديّة بحيث لا نستطيع شراء مولّدات كهرباء كان من شأنها أن تسهّل حياتنا في حال انقطاع الكهرباء. لقد أعادنا القطاع إلى العصور القديمة إذ صرنا نستخدم بدائل بدائيّة مثل قنديل الكاز والشمع لإنارة منازلنا - وهذا أمر له مخاطره وقد وقعت جرّاءه حرائق أكثر من مرّة. في إحدى المرّات وضعت الشمعة فوق جهاز التلفزيون فاشتعلت النار فيه.

معظم أعمال المنزل تتطلّب الكهرباء وبسبب انقطاع الكهرباء المتكرّر كثيراً ما تتلف أجهزة المنزل الكهربائيّة. يحدث هذا لأنّني أشغّل جميع الأجهزة دفعة واحدة عندما تأتي الكهرباء لكي استغلّ الوقت وأتمكّن من تنفيذ أعمال المنزل قبل انقطاعها ثانية. في الوقت نفسه ترَيني أغسل الملابس وأخبز وأطبخ وأكوي وأضخّ الماء لخزّانات السّطح وأشغّل سخّان المياه وأشحن الهواتف كلّها دفعة واحدة. قوّة الكهرباء عندنا لا تكفي لتحمّل هذا العبء فتحترق جرّاء ذلك بعض الأجهزة أحياناً.

باسمة خليل تخبز الأرغفة بواسطة طنجرة كهربائية. تصوير: ألف الكرد، بتسيلم 19.8.20

وفي بعض الأحيان عندما تأتي الكهرباء لوقت قصير أضطرّ لغسل الملابس يدويّاً وخبز العجين في الطّابون وهذه أعمال مُتعبة جدّا لامرأة في سنّي. كثيراً ما أبقى مستيقظة حتى ساعة متأخّرة في انتظار وصول الكهرباء لكي أكمل أعمال المنزل وأعجن وأخبز في الطنجرة الكهربائية كلّ هذا أقوم به وعيناي شبه مغمضتين من النعاس والتعب.

أخبز في كلّ مرّة 30 - 40 رغيفاً وإذا انقطعت الكهرباء أثناء الخبز هناك حلّان أمامي: إمّا أن ألقي بالعجين في النفايات وإمّا أن أشعل الحطب وأواصل الخبز في الطابون. كلاهما متعب ويوتّر الأعصاب. كثيراً ما اضطررت لإلقاء فواكه وخضار في النفايات لأنّها تلفت بسبب انقطاع الكهرباء. بالنسبة للّحوم أشتريها في يوم احتياجي لها لأنّه لا يمكن تخزينها في الثلّاجة إذ تتلف سريعاً جدّاً. مشكلة انقطاع الكهرباء تُرهقني جسديّاً ونفسيّاً.

في الشتاء يصعُب تدفئة المنزل بدون الكهرباء ورغم المخاطر لا أجد حلّاً سوى تدفئة المنزل بإشعال الفحم. في الصّيف الطقس حارّ جدّاً ولا يمكن تشغيل المراوح. أستصعب النوم في اللّيل وكثيراً ما أنهض وأرشّ الماء على جسمي. ليلة أمس كانت الكهرباء مقطوعة ولكثرة الحرّ اضطررت للنوم على بلاط الأرضيّة وفي الصّباح استيقظت وظهري يؤلمني. أحفادي أيضاً يتصعّبون في النوم بسبب الحرّ الشديد وأحياناً نخرج إلى الشارع في منتصف الليل بحثاً عن نسمة هواء.

العتمة أيضاً مشكلة في حدّ ذاتها. اقتنيت لإنارة المنزل مصابيح LED تُشحن ولكنّها ضعيفة جدّاً. في اليومين الماضيين كان الوضع صعباً بشكل خاصّ لأنّ الكهرباء تصلنا فقط لمدّة 3 - 4 ساعات لأنّ محطّة توليد الكهرباء تعطّلت تماماً بعد أن أغلقت إسرائيل معبر كرم أبو سالم ومنعت إدخال الوقود لتشغيل المحطّة.

السّنة الدراسيّة في بدايتها وابني أحمد طالب في الصفّ العاشر ولديه وظائف يجب أن يحلّها. عندما يعود من المدرسة ويجد الكهرباء مقطوعة يقول لي: "خرجتُ منذ الصّباح الباكر ولم يكن كهرباء، وها أنا أعود في الظهيرة ولا تزال الكهرباء مقطوعة! أيّة حياة هذه؟!". يغضب جدّاً لأنّه محبَط.

انعدمت الحياة في غزة. أولادي يقولون دائماً "لقد مللنا هذه الحياة… إلى متى سنبقى في هذا الوضع؟". نحن نعيش في فقر مُدقع وهذه أيضاً مشكلة كبيرة جدّاً إضافة إلى مشكلة الكهرباء. أحسّ أنّني مخنوقة لم تبق لديّ قوى لتحمّل هذه الحياة. لقد وصلت إلى درجة اليأس التامّ من كلّ شيء. أشعر أنّني أموت ببطء.

لا نطلب سوى أمور أساسيّة جدّاً وحياة طبيعيّة: أن تصلنا الكهرباء بشكل منتظم ومتواصل وأن يجد زوجي وأولادي عملاً وأن يرفعوا عنّا الحصار بالطّبع. قليل من الرّحمة! نريد أن نستمتع بالحياة وأن نرى أيّاماً جميلة وسعيدة وأن نعيش بكرامة ونحصل على أبسط الأشياء - كهرباء! في عصرنا كلّ شيء يعمل بالكهرباء فهي روح الحياة. بدون الكهرباء تتوقّف الحياة.

أدناه إفادة عبد الرّحيم العرعير (61 عاماً) من حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة وهو أب لثمانية أبناء وعاطل عن العمل - أدلى بها في 20.9.20 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد:

أقيم مع زوجتي شفا (64 عاماً) وولديّ المتزوّجين وأسرتيهما في منزل مؤلّف من طابقين. نعدّ معاً 22 نفراً. في العام 2012 حين كنت في طريقي إلى عملي أطلق الجيش الإسرائيليّ قذيفة من دبّابة نحو منطقة تقع شرقيّ حيّ الشجاعيّة وأصبت مع أشخاص آخرين كانوا يمرّون من هناك. اضطرّ الأطبّاء لبتر ساقي اليمنى فبقيت عاطلاً عن العمل منذئذٍ. حاولت طوال سنوات التعوّد على استخدام ساق اصطناعيّة ولكن بلا نفع. إضافة إلى ذلك خضعت لعمليّة جراحيّة في القلب وأعاني أيضاً من السكّري. لكي أتدبّر أموري اليوميّة أستعين بـدراجة "سكوتر" كهربائيّة ثمنها 2,000 دولار وينبغي شحنها لمدّة خمس ساعات تقريباً كلّ يوم.

لا أستغني عن "السكوتر" فهو كلّ شيء بالنسبة لي. بفضله أنسى أنّني بلا ساق وهو يخدمني في كلّ ما أحتاجه. عندما يكون معطّلاً بسبب انقطاع الكهرباء أكون أنا أيضاً معطّلاً. أنا عمليّاً رهينة جدول الكهرباء وفي كلّ يوم أنتظر عودة الكهرباء لكي أشحن السّكوتر.

من مشاكل الكهرباء أيضاً أنّها لا تأتي في أوقات محدّدة. أحياناً أظلّ مستيقظاً طوال اللّيل أو أستيقظ باكراً جدّاً لكي أشحن السّكوتر فأنا لا أستطيع المكوث طوال الوقت داخل المنزل. بمساعدة السّكوتر أذهب إلى السّوق لكي أشتري احتياجات الأسرة، وأذهب للصّلاة في المسجد القريب تقريباً خمس مرّات كلّ يوم. يبعد المسجد عنّا نحو 500 متر. وأحياناً أبقى في المسجد من صلاة الظهر حتى صلاة المغرب لكي أقتصد في صرف الكهرباء.

الآن وبسبب تعطيل محطّة توليد الكهرباء تصلنا الكهرباء فقط لمدّة 3 - 4 ساعات في اليوم وهذا لا يكفي لشحن السّكوتر بشكل كامل. أي أنّني إذا خرجت من المنزل إلى مكان بعيد قد أعلق وسط الطريق حين تفرغ البطّاريّة، وعندها سأضطرّ لاستدعاء من لديه سيّارة كبيرة لكي يوصلني إلى المنزل مع السّكوتر. هذا أمر مُرهق. أحياناً أخرج بمساعدة العكاكيز عندما نحتاج شيئاً ضروريّاً ويكون السّكوتر غير مشحون.

عبد الرحمن العرعير مستقلا دراجته. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 20.8.20

حالتي النفسيّة تتأثّر عندما أكون محبوساً في المنزل بسبب انقطاع الكهرباء. وضعنا الاقتصاديّ لا يسمح لنا بشراء مولّد كهرباء خاصّ وعندما ألاحظ أنّ بطّاريّة السّكوتر على وشك أن تفرغ آخذه للشحن لدى صديق لي يقيم قريباً منّي. هو صاحب منجرة ولديه مولّد كبير.

الكهرباء من الموارد الأساسيّة في الحياة فجميع الأعمال تعتمد على الكهرباء. نحن نعاني مثل بقيّة سكّان القطاع. نضطرّ لاستخدام أدوات بدائيّة في إنارة منازلنا كالشموع وقناديل الكاز والمصابيح الصغيرة. أنا وزوجتي نقوم بجميع أعمال المنزل وهي تضطرّ أحياناً لغسل الملابس يدويّاً. أنا أهتمّ بتشغيل مضخّة المياه الكهربائيّة وحين أكون خارج المنزل أتّصل طوال الوقت لكي أعود وأشغّل المضخّة إذا ما وصلت الكهرباء.

أزمة الكهرباء متواصلة طوال السّنة في الصّيف وفي الشتاء. في الشتاء عندما تكون الكهرباء مقطوعة طوال النهار لا مناص لنا من استخدام الفحم لتدفئة المنزل. وفي الصّيف مع الحرّ الشديد نعاني أكثر لأنّنا نحصل على الكهرباء عادة لمدّة 6 ساعات تليها 12 ساعة تنقطع خلالها الكهرباء. الخضار والفواكه واللّحوم تتلف داخل الثلّاجة. كذلك لا يمكننا تشغيل المراوح وفي اللّيل ننام بصعوبة. حتى أحفادنا الأطفال يبكون بسبب معاناة الحرّ. هكذا هي حياتنا تحت الحصار منذ 14 عاماً. الوضع سيّء للغاية.

نحن ننتظر رحمة السّماء لأنّ حياتنا كلّها عذاب ويأس. ولكنّنا نريد أن يتغيّر هذا الوضع. لا يمكن أن نبقى هكذا محرومين من أبسط الحقوق. مشاكل الكهرباء هي أصعب ما نواجهه. نأمل أن ينزاح عنّا هذا الكابوس.

أدناه إفادة يحيى سلطان (62 عاماً) من مخيّم النصيرات للّاجئين وهو أب لسبعة أبناء ومتقاعد - أدلى بها في 23.8.20 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة:

يحيى سلطان. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم 23.8.20

أقيم في الطابق السّابع في برج سكنيّ مع زوجتي وأولادنا الأربعة العازبين. اثنان منهما يدرسان في الجامعة. نحن نعاني كثيراً ومنذ سنين طويلة جرّاء انقطاع الكهرباء. ذات مرّة كانت الكهرباء تصلنا لمدّة ثماني ساعات تليها ثماني ساعات انقطاع ثمّ تعود لمدّة ثماني ساعات وهكذا. الآن تنقطع الكهرباء في الصّيف والشتاء لمدّة أطول قد تصل إلى 12 ساعة أحياناً.

في البرج الذي أسكنه مصعدان يعملان على الكهرباء إذا وُجدت وعندما تنقطع الكهرباء أظلّ حبيس المنزل إذ لا يمكنني صعود الدّرج لأنّني أعاني من مشاكل صحّية كثيرة: سكّري ومشاكل في القلب وارتفاع ضغط الدم. أحيانا تصل الكهرباء في منتصف اللّيل فأظلّ محبوساً المنزل لمدّة يومين أو أكثر وإذا كانت عليّ التزامات في الخارج ألغيها أو أؤجّلها إلى أن تعود الكهرباء وتعمل المصاعد من جديد.

أنا أدفع فاتورة كهرباء لشركة الكهرباء وفاتورة أخرى لمزوّد لديه مولّد خاصّ. أنا مدين لشركة الكهرباء نحو 27 ألف شيكل وأدفع لهم حاليّاً بدل الكهرباء التي نستهلكها و-100 شيكل أخرى لسداد أقساط الدّين الذي تراكم. إضافة إلى ذلك أشتري الكهرباء من جاري الذي يملك مولّدًا خاصّا وأدفع له 100 شيكل كلّ شهر وأحياناً أكثر. خطّ المولّد الخاصّ يكفي فقط لتشغيل مروحتين وللإنارة لا الثلّاجة أو الحاسوب.

عندما تنقطع كهرباء المولّد الخاصّ نستخدم مصابيح LED مشحونة وهي تكفي بالكاد لساعتين. بعد ذلك نستعين بمصابيح هواتفنا في التنقّل داخل المنزل. ولداي اللّذان يتعلّمان في الجامعة يبقيان الآن في المنزل ولا يحضران المحاضرات لأنّني عجزت عن دفع القسط الدراسيّ. ابنتي سلسبيل (23 عاماً) تدرس الرياضيّات في الجامعة. قبل عدّة أشهر كانت تجيب على أسئلة امتحان عبر الإنترنت وفجأة انقطعت الكهرباء فأخذت تبكي بشكل هستيري؛ لكنّها تمالكت نفسها بسُرعة وبدلت ملابسها وهرعت إلى منزل عمّها القريب منّا وأكملت الامتحان هناك.

بسبب أنّ إسرائيل أغلقت المعابر ومنعت دخول الوقود إلى غزّة تصل مدّة انقطاع الكهرباء إلى أكثر من 20 ساعة يوميّاً أي أنّ الكهرباء تصلنا فقط لمدّة 4 ساعات؛ وحتى هذا يكون أحياناً في ساعات اللّيل المتأخّرة ونحن نيام بحيث لا نستفيد منها بأيّ شكل. خزّانات المياه على سطح المنزل تكفينا ليومين فقط. في الأسفل قرب البناية توجد خزّانات كبيرة وحين تتوفّر الكهرباء علينا الإسراع في ضخّ المياه إلى خزّانات السّطح وإلّا فسنبقى بدون مياه جارية أيضاً. بالأمس وصلت الكهرباء عند العصر ولكنّني امتنعت عن الخروج لأداء الصّلاة في المسجد القريب من المنزل خشية أن تنقطع الكهرباء فلا أتمكّن من العودة إلى المنزل بالمصعد.

انقطاع الكهرباء يضرّ أيضاً بحياتنا الاجتماعيّة. نحن تقريباً منقطعون عن العالم فحتى أولادنا وأقاربنا حين يريدون القدوم لزيارتنا يتّصلون مسبقاً لكي يتأكّدوا من وجود كهرباء. الآن حيث تصلنا الكهرباء فقط لمدّة 4 ساعات يوميّاً انقطعت الزيارات العائليّة تماماً. أقضي معظم وقتي داخل المنزل وأتسلّى بتصفّح الإنترنت حين يكون ذلك ممكناً. حياتنا الطبيعيّة تنقطع مع انقطاع الكهرباء.

أدناه إفادة إنعام السّلطان (48 عاماً) من جباليا وهي مطلّقة وأمّ لخمسة أبناء - أدلت بها أمام باحثة بتسلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 21.8.20:

أقيم منذ نحو 14 عاماً مع أبنائي الخمسة في الطابق الخامس من بُرج سكنيّ مؤلّف من ثمانية طوابق و28 شقّة. جميع السكّان يعانون كثيراً من أزمة الكهرباء التي بدأت مع الحصار. لا نملك المال اللّازم لشراء مولّد كهرباء والمصعد يعمل فقط حين تتوفّر الكهرباء.

حالتي الصحّية صعبة جدّاً إذ أعاني ارتفاع ضغط الدّم وانزلاق غُضروفيّ في الفقرتين الخامسة والسّابعة ومشكلة في القلب ومشكلة أخرى في غضروف الرّكبة اليمنى. أنا لا أستطيع هبوط الدّرج وعندما تنقطع الكهرباء لا أخرج من المنزل. عندما يتمّ تزويد الكهرباء بشكل منتظم وفق جدول 8 ساعات وصل و-8 ساعات قطع يكون الوضع أفضل قليلاً لأنّنا على الأقلّ نعرف مسبقاً متى ستنقطع الكهرباء ومتى تعود.

عندما تصل الكهرباء في الصّباح الباكر أخرج من البيت لزيارة والدتي وفي الطريق أشتري لها ولنا ما نحتاجه ثمّ أساعدها في المنزل. الكثير من أصدقائنا وأقاربنا لا يستطيعون زيارتنا لأنّ المصعد لا يعمل ومن الصّعب صعود الدّرج وهبوطه. ذات مرّة زارتنا والدتي وعلقت عندنا حتى اليوم التالي بسبب انقطاع الكهرباء. الآن أزمة الكهرباء اشتدّت أكثر وتفاقمت بسبب تعطيل محطّة توليد الكهرباء قبل نحو أسبوع وخفض ساعات تزويد الكهرباء إلى 3 - 4 يوميّاً بحيث تنقطع لمدّة تقارب 18 ساعة متواصلة. هذه كارثة بالنسبة إليّ.

أنا لا أخرج من المنزل بتاتاً إلّا لحاجة طارئة أو ضروريّة. صعود الدّرج يستغرق رُبع السّاعة وهبوطه أيضاً يتطلّب وقتاً. أتوقّف لأستريح كلّ بضع درجات لأنّ الدّرج مُتعب جدّاً.

أحياناً تتوفّر الكهرباء في اللّيل بالذّات عند السّاعة 23:00 مثلاً وأنا في هذا الوقت أكون قد نمت. عندما أستيقظ في الصّباح تكون الكهرباء قد انقطعت والفرصة قد ضاعت. أحياناً وإذا كنت مضطرّة أظل مستيقظة لكي أقوم بأعمال المنزل التي تحتاج كهرباء، مثال غسل الملابس وخبز العجين والكيّ وشحن المصابيح والهواتف الخلويّة. نظامنا اليوميّ تُمليه ساعات توفّر الكهرباء وهذا أمرٌ مُمضّ.

مدخولي الشهري يبلغ نحو 100 دينار (ما يقارب 470 شيكل ولذلك لا أستطيع شراء مولّد كهرباء صغير للمنزل ولا تركيب نظام توليد كهرباء شمسيّ. في اللّيل عندما تكون الكهرباء مقطوعة والمراوح لا تعمل أبقى مستيقظة بسبب شدّة الحرّ. أحياناً ننام أنا وابنتي أحلام على بلاط الأرضيّة. وأحياناً تصل الكهرباء لفترة قصيرة جدّاً فلا يُسعفني الوقت لشحن بطّاريّات مصابيح الـ LED وهذه تفرغ بطّاريّاتها خلال وقت قصير قرابة 2 - 3 ساعات. في الأمس بقينا كلّنا بدون إنارة في اللّيل. الوضع سيّء إلى درجة أنّني أفكّر في استخدام الشمع رغم المخاطر المترتّبة على ذلك.