Skip to main content
 ميناء الصيادين في مدينة غزة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

الغوص في أعماق اليأس: معاناة عائلات الصيّادين وبائعي الأسماك في قطاع غزّة جرّاء سياسات إسرائيل

في 12.8.20 قلّصت إسرائيل مساحة الصّيد في جنوب قطاع غزّة من 15 ميلاً بحريّاً إلى 8 بحجّة إطلاق بالونات حارقة من قطاع غزّة وفقاً لتصريحات رسميّة. في 16.8.20 أغلقت إسرائيل البحر تمامًا أما الصيادين وفي 2.9.20 فتحته لمسافة 15 ميلًا بحريًا. إنّ مبرر الجهات الرسمية لفرض هذه التقييدات هو إطلاق البالونات الحارقة من قطاع غزة. هذه ليست المرة الأولى وبالطبع لن تكون الأخيرة التي تحدّد فيها إسرائيل مسافة الصيد لهذا السبب. هذا الإجراء وهو بمثابة عقاب جماعيّ يضاف إلى ما سبقه من قيود فرضتها إسرائيل على صيّادي الأسماك في القطاع منذ فرضت الحصار في العام 2007: اعتقال الصيّادين ومصادرة مراكبهم ومنع استيراد الموادّ الخام اللّازمة لإصلاح وترميم المراكب - وإطلاق النّار على مراكب الصيّادين بحجّة تخطّي مساحة الصّيد التي تسمح بها. قُتل جرّاء هذه النيران نحو سبعة صيّادين وجُرح المئات حتى الآن. قطاع الصّيد البحريّ في قطاع غزّة انهار منذ زمن جرّاء هذه القيود ونتيجة لذلك لم يبق سوى 4,000 يعملون في الصّيد اليوم (بينما كان في قطاع غزّة 10,000 صيّاد قبل عشرين عاماً) وهؤلاء يعملون في ظروف خطيرة وقاهرة فرضتها عليهم إسرائيل، بالكاد يتمكّنون من إعالة أسرهم التي تدهور مستوى معيشتها إلى درجة الفقر المدقع.

أدناه إفادات نساء وأمّهات صيّادين وبائعي أسماك من قطاع غزة يصفن مرارة العيش في هذا الواقع المطبوع بتقلّبات الحاضر وغموض المستقبل - استمعت إليها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد. تصف النساء في إفاداتهنّ قلقهنّ الدّائم على أمن وسلامة أعزّائهنّ في عرض البحر ويفصّلن تبعات القيود التي تفرضها إسرائيل على سبُل كسب الرّزق والمصاعب الاقتصاديّة التي يواجهنها في تدبير احتياجات الأسرة - وهي مصاعب من المتوقّع أن تتفاقم جرّاء الآثار الاقتصاديّة لوباء الكورونا.

أدناه إفادة انتصار الصّعيدي (52 عاماً) من مخيّم الشاطئ للاجئين في مدينة غزّة، وهي أمّ لثلاثة أبناء - أدلت بها في 5.8.20 محدّثة عن المصاعب الاقتصاديّة والمآسي التي حلّت بها وبأسرتها:

انتصار الصّعيدي. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم

تزوّجت من مروان في 1984 وكان صيّاداً من قبل. هذه مهنته الوحيدة. كذلك أبنائي وأعمامهم يعملون في الصّيد. في البداية كان وضعنا الاقتصاديّ ممتازاً والعمل في الصّيد لم يكن محفوفاً بالمخاطر. في تلك الأيّام لم يكن الجيش يطلق النّار على الصيّادين ولم يعتقلهم ولم يصادر مراكبهم ومعدّاتهم. مساحة الصّيد كانت واسعة ولهذا كان الصيّادون يعودون بصيد وفير. كان مدخول زوجي عالياً إذ كان يكسب 2,000 – 3,000 شيكل في الأسبوع. لم ينقصنا شيء ولم يثر قلقي شيء. كان زوجي يعمل على حسكة خاصّة به ومنذ كان ولدانا خضر والسيّد صغيرين كان يأخذهما معه إلى البحر ويعلّمهما مهنة الصّيد ومع ذلك كنت مرتاحة ولم أخشَ على حياتهم.

لكنّ الوضع تغيّر منذ الحصار. مع تقليص مساحة الصّيد تدهور وضعنا كثيراً. صار الصيّادون يخاطرون بحياتهم لكي يجلبوا لقمة العيش لأسرهم وصرت أخاف كثيراً على زوجي وأبنائي - ربّما يطلقون عليهم النّار وقد يعتقلوهم أو يصادروا معدّاتهم إلخ. كلّما سمعت عن إطلاق نار على الصيّادين في البحر أمضي السّاعات في قلق شديد إلى أن أرى أبنائي وأطمئنّ أنّهم بخير ولكي يهدأ قلبي أذهب إلى الميناء وأنتظرهم هناك وحين أراهم يهبطون من المركب سالمين أعود إلى المنزل".

في العام 2012 توقّف زوجي عن العمل في الصّيد بسبب مشاكل في ظهره ومنذ ذلك الحين أصبح ابنانا المعيلان الوحيدان للعائلة. هما متزوّجان ولكلّ منهما أولاد وأسرة وجميعنا نعيش في بيت واحد. لقد اضطررت إلى بيع مصاغي بسبب الأوضاع الاقتصاديّة القاسية التي انتابتنا وفوق ذلك استدنت المال من الأقارب وما زلنا مدينين حتى اليوم لأنّنا لم نتمكّن من تسديد الدّين.

في العام 2017 اعتقلوا خضر ولم نعرف عنه شيئاً إلّا بعد مرور عشرة أيّام إذ تبيّن أنّه رهن الاعتقال. جلبوه إلى محاكمة وحكموا عليه بالسّجن لمدّة سنة وأربعة أشهر. قالوا إنّ السّبب هو تجاوزه مساحة الصّيد المسموحة وأنّه فعل ذلك مرّات ومرّات من قبل ولم يتمكّنوا من القبض عليه سوى الآن. لقد عانيت كثيراً حين كان خضر في الحبس. في البداية كنت أبكي ليلاً نهاراً لم تغمض لي عين في اللّيالي ولم أذق طعم الفرح.  وحين كنت أذهب لزيارته في السّجن كنت أبكي وأبكي - في الطّريق إلى السّجن أبكي وأثناء الزيارة أبكي وأبكي في طريق العودة. كانت تلك أيّاماً عصيبة حقّاً.

حين اعتقلوا خضر صادروا أيضاً الحسكات ولمّا أعادوها كانت تالفة تماماً وبدون المعدّات - مجرّد خشب.

بعد إطلاق سراح خضر وعودته إلى العمل حلّت بنا مصيبة: قبل سنة ونصف تقريباً في 20.2.19 خرج خضر للصّيد وفي اللّيل سمعنا أنّ الجيش الإسرائيليّ يطارد الحسكات وقد أخذ إحداها إلى ميناء أسدود. قال لي ابني السّيد إنّ خضر قد اعتُقل ولكنّ إحساسي كان ينبئني أنّه أصيب. مضت أربعة أيّام ولم أعرف شيئاً عن مصير ابني. أخلي سبيل الصيّادين لكنّ خضر لم يعد معهم. لاحقاً اتّضح أنّه أصيب برصاصة "مطّاطية" في عينه اليمنى وفقد بصره تمامً في كلتي عينيه. كان في مستشفى في إسرائيل ولم أره. رأيته للمرّة الأولى حين أعادوه إلى غزة - إلى مستشفى الشفاء - فأجهشت بالبكاء.

منذ أن حدث ذلك أعيش هذه المأساة ويملأ قلبي الحزن على خضر لأنّه أصبح حبيس المنزل بين أربعة جدران عاطلاً عن العمل وعاجزاً عن إعالة أسرته. وضعه الاقتصاديّ سيّء جدّاً، مأساوي حقّاً، فهو لا يتلقّى مخصّصات جرحى أو دعماً من أيّة جهة كانت سوى بعض المتصدّقين الخيّرين يقدّمون له مبالغ صغيرة هنا وهناك. الأدوية وحدها التي يحتاجها تكلّف 150 شيكل شهريّاً.

كذلك وضعه النفسيّ متردّ جدّاً. خضر لا يحبّ الخروج من المنزل في حالته هذه. إنّه يبقى حبيساً طوال اليوم وفي اللّيالي لا ينام. تنتابه حالات من العصبيّة. ليته أصيب في أيّ موضع آخر من جسده غير العينين لأنّ فقدان البصر أمرٌ صعب جدّاً وخاصّة بالنسبة إلى شابّ في مثل عمره. هو لا يزال في سنّ الـ32. أنا الأكثر تأثّراً بوضع خضر من بين جميع أفراد العائلة. أعتني به وأعيل أولاده. لم تجلب لنا مهنة الصّيد سوى المصائب والمآسي ووجع القلب. كنوز البحر بقيت في البحر وبقيت أنا مع وجعي على ابني الذي عاد من البحر تاركاً وراءه نور عينيه.

ابني السيّد (33 عاماً) يعمل اليوم صيّاداً أجيراً وأحياناً يستأجر مركب صيد ويعمل لحسابه الخاصّ. مدخول العائلة الآن لا يتجاوز 500 شيكل شهريّاً وهذا لا يكفي لاحتياجات عائلتنا الكبيرة. أنا أتلقّى مخصّصات من وزارة الرّفاه الاجتماعيّ مبلغ 1,800 شيكل كلّ ثلاثة أو أربعة أشهر وهي لا تكفي لتسديد الديون أيضاً.

المشكلة هي أنّه لا توجد مجالات عمل أخرى في ظلّ الظروف الاقتصادية الصّعبة السّائدة في قطاع غزّة. حتى أحفادي الأطفال يقلّدون آباءهم أثناء اللّعب، يبنون حسكات صغيرة وآلات لغزل الشبك. يقولون: "نحن ذاهبون إلى العمل" "احترسوا من الجيش والرّصاص" وهكذا. أنظر إليهم وأقول لهم "إيّاكم والعمل في هذه المهنة. بتّ أخاف عليكم أكثر من خوفي على آبائكم!".

أتمنّى أن تتحسّن الأوضاع ونعيش أيّاماً أفضل وأدعو من الله أن يعيد لخضر نور عينيه وأن تتحسّن نفسيّته.

أدناه إفادة نورا نعمان (22 عاماً) من مخيّم الشاطئ للّاجئين في مدينة غزّة، وهي أمّ لطفلين - أدلت بها محدّثة عن خوفها على زوجها الصيّاد مؤمن (31 عاماً) وعن المصاعب الاقتصاديّة:

نورا نعمان. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم

عندما يتوجّه مؤمن إلى عمله ينتابني الخوف ألّا يعود فلا أهدأ إلّا حين أراه عائداً إلى المنزل.

في بداية العام 2018 خرج مؤمن للصيد. مرّت ساعات طويلة ولم يعد. خشيت على سلامته عندما سمعنا من صيّادين أقارب لنا أنّ الجيش اعتقله. بكيت وخفت كثيراً. حينذاك كان شقيقه معتقلاً لدى الجيش الإسرائيليّ أيضاً. خفت ألّا يعود مؤمن إلينا. كان ابني محمّد في ذلك الوقت رضيعاً ابن 7 أشهر فقط.

ثلاثة أسابيع مرّت ولم نعرف إلى أين أخذوا مؤمن. طوال تلك الفترة كنت بالكاد أتناول الطعام أو أنام. في النهاية أخلي سبيل مؤمن. عندما رأيته داخلاً إلى المنزل لم أصدّق عينيّ وأجهشت بالبكاء. احتضنته والسّعادة تغمرني.  

بعد الاعتقال عاد مؤمن إلى عمله في الصّيد رغم المخاطر فهذه مهنته الوحيدة. في الفترة ما بين السّنوات 2013 - 2017 صادر الجيش ثلاثة مراكب له ولعائلته - لم يعيدوا منها حتى اليوم سوى واحداً. في العام الماضي اقتنى إخوة زوجي مركب صيد وصار زوجي يعمل معهم - خمسة إخوة يعملون على مركب واحد. يتلقّى زوجي 150 شيكل في نهاية كلّ أسبوع وهذا مبلغ لا يكفي لأسرة مؤلّفة من 4 أنفار، خاصّة وأنّ أولادنا صغار وهناك احتياجات يوميّة لهم، مثل الفوط الصحّية والحليب. حياتي كلّها قروض واستدانة من العائلة والأصدقاء. تتلقّى حماتي مبلغ 750 شيكل كلّ ثلاثة أو أربعة أشهر من وزارة الرّفاه توزّعها على أبنائها. وما يكسبه زوجي يذهب كلّه لتسديد الدّيون فهو يستدين أحياناً حين يحتاج إلى شراء شبك ومجاديف وعندما يبيع السّمك يسدّد قسطاً من الدّين.

عندما أسمع عن إطلاق نار على الصّيادين أتّصل فوراً بإخوة زوجي لكي أطمئنّ على مؤمن ولكنّني لا أطمئنّ إلّا حين يعود إلى المنزل. قبل خروجه إلى البحر يوصيني مؤمن بنفسي وبأولادنا الصّغار لأنّه مثلي يخشى أن يقتلوه أو يعتقلوه وهذا يوتّرني أكثر فأكثر فأقول له "لا تتحدّث هكذا، ستعود بالسّلامة بإذن الله".

"أحياناً أقول لمؤمن ليتك تعمل في مهنة أخرى بسبب مخاطر البحر وخطر الجيش الإسرائيليّ. أطلب منه أن يبحث عن عمل آخر ويتخلّى عن البحر. عندئذٍ يجيبني مؤمن قائلاً إنّ الوضع في القطاع سيّء ولا يوجد عمل آخر غير الصّيد ويطلب منّي أن أتحلّى بالصّبر والأمل بأن نشهد أيّاماً أفضل".

أدعو الله أن يُبعد الجيش الإسرائيليّ عن زوجي وعن جميع الصيّادين وأتمنّى أن تتحسّن أوضاعنا لكي نستطيع تأمين مستقبل أولادنا الصّغار ونوفّر لهُم احتياجاتهم. كذلك أدعو الله أن يحفظ زوجي ويحميه فلا يُصاب.

أدناه إفادة عُلا الصّعيدي (36 عاماً) من مخيّم الشاطئ في مدينة غزّة، وهي أمّ لثلاثة أولاد - أدلت بها محدّثة عن زوجها الصيّاد ومشقّات مهنته:

عُلا الصّعيدي. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم

زوجي أحمد  في الـ42 من عمره ويعمل صيّاداً منذ زواجنا قبل 18 عاماً. إنّها مهنة شاقّة ورغم أنّ عائلتي هي عائلة صيادين إلا أنّني لا أحبّ هذه المهنة لأنّها خطيرة جدّاً ولكن بما أنّها مصدر رزقنا الوحيد فنحن مضطرون إلى تقبّلها على مخاطرها.

نحن نمرّ الآن بأزمة ماليّة. عندما بدأ الحصار انخفض مدخول زوجي إلى 700 شكيل شهريّاً واليوم لا يتجاوز مدخوله الـ500 شيكل شهريّاً رغم أنّه يشقى في عمله. هذا مبلغ ضئيل جدّاً ولا يكفي لمعيشتنا. في الماضي كنت أتلقّى كلّ ثلاثة أو أربعة أشهر مخصّصات من وزارة الرّفاه بقيمة 1,800 شيكل لكنّهم خفضوا المبلغ بعد أربع سنوات إلى 700 شيكل. هذه المبالغ لا تكفي لمعيشتنا ولا حتى لاحتياجاتنا الأساسيّة اليوميّة أو لملابس العيد لأولادنا.

 منذ تفشى وباء الكورونا ازداد الوضع سوءاً لأنّ الأزمة الاقتصاديّة في قطاع غزّة تفاقمت والناس يشترون الأسماك بكميّات أقلّ من ذي قبل. كذلك انخفض عدد القادمين إلى القطاع من خارجه ولذلك قلّت المناسبات الكبيرة وبالتالي انخفض الطلب على السّمك.  

يعمل زوجي على مركب يملكه أخوه. يخرج نحو السّاعة 15:00 ويعود بعد السّاعة 3:00 فجراً. عندما يخرج زوجي للصّيد أدعو الله أن يحفظه ويحميه من الجيش ورصاص الجنود. لا أطمئن إلّا حين يعود إلى المنزل أو يتّصل بي. طالما هو في عرض البحر أظلّ فريسة الخوف والقلق عليه وخاصّة حين أسمع صوت إطلاق الرّصاص نحو الصيّادين. أتوتّر كثيراً وأتّصل به فوراً لكي أتأكّد أنّه بخير. كذلك أولادنا يخافون ويقلقون كثيراً عندما يسمعون صوت الرّصاص. يتساءلون تُرى من الذي اعتُقل من الصيّادين ويتمنّون ألّا يكون والدهم. أنا أحاول أن أهدّئ من روعهم وأقول لهم "صبراً، بابا سوف يعود" وإذا تأخّر زوجي في العودة يذهب ابني أنس (9 سنوات) إلى ميناء غزة وينتظره هناك لشدّة خوفه وقلقه عليه.

الصّيد أسوأ مهنة لرجُل بالنسبة للزّوجات. أخشى على زوجي من برد الشتاء القارس وأخاف عليه من مخاطر البحر ولكن أكثر ما يقلقني إطلاق الرّصاص على الصيّادين. اليوم الذي أسمع فيه من الناس عن حادثة إطلاق نار على الصيّادين يمضي عليّ وشعور يرافقني بأنّني سأفقد زوجي في كلّ لحظة وأظلّ أصلّي وأدعو الله أن يعيده إلينا سالماً معافى.

"لقد سبق أن اعتقل الجيش زوجي عدّة مرّات وكانت الأخيرة في العام 2018. في العام 2007 ظلّ رهن الاعتقال نصف سنة. كما صادر الجيش لنا مركبين وأربعة محرّكات ولا تزال محتجزة في ميناء أسدود. في معظم الأحيان لا يعيد الجيش المراكب والمحرّكات التي يصادرها".

ليت حالنا يتحسّن. أتمنّى أن يعيدوا لنا المراكب المصادرة فيُصبح لزوجي مركب خاصّ به. وحبّذا لو يوسّعوا المساحة المسموح فيها الصّيد. أطلب العيش الكريم وأن نقدر على تأمين مستقبل أولادنا وتوفير احتياجاتهم وتحقيق أمانيهم. وأتمنّى أن يعملوا في مجال آخر غير الصّيد البحريّ لأنّه مهنة شاقّة ومحفوفة بالمخاطر.

أدناه إفادة أ.م. (49 عاماً) من مخيّم الشاطئ للّاجئين، وهي أمّ لتسعة أبناء وزوجها يعمل بائع أسماك - أدلت بها محدّثة عن تأثير الوضع على عمل زوجها:

تزوّجت في العام 1989. زوجي يعمل في الصّيد وبيع الأسماك منذ أن كان في الـ12 من عمره. كان يعمل مع والده بائع الأسماك ومع أقاربه الصيّادين. لدينا تسعة أبناء تتراوح أعمارهم بين 6 و-29 عاماً ونقيم قرب الشاطئ. كثير من أقاربنا يعملون في الصّيد البحريّ.

في السّنوات الأولى بعد زواجنا لم تكن المنافسة كبيرة في تجارة الأسماك وكان صيد الأسماك وفيراً. كان زوجي يخرج إلى سوق الأسماك في الثالثة فجراً فيجلب المنزل كميّات كبيرة من الأسماك من التجّار والصيّادين يغسلها ويرتّبها ثمّ يذهب بها إلى السّوق. عموماً كان ينجح في بيع البضاعة كلّها خلال ساعتين تقريباً ويعود إلى المنزل. كان مدخولنا جيّداً إذ تراوح بين 3,000 و-4,000 شيكل شهريّاً.
طوال سنوات كثيرة تمتّعنا بمستوى معيشة عالٍ. اقتنينا منزلاً خاصّاً بنا وكان فيه كلّ ما أحتاجه وحتى أنّني اقتنيت لنفسي مصاغاً ذهبيّاً. ربّينا هنا بناتنا وأبناءنا خلال الفترة التي كانت الأعمال فيها جيّدة فلم ينقصهم شيء. كنّا مرتاحين نعيش في حُبور وسعادة.

تغيّرت أحوالنا قبل نحو 13 عاماً عندما فُرض الحصار على قطاع غزة. في أعقاب الحصار خفتت حركة البيع والشراء في الأسواق وقلّصوا مساحة الصّيد وأحياناً منعوا الصّيد تماماً وقلّ السّمك وارتفعت أسعاره بالنسبة للتجّار والمستهلكين. في السّابق كان الناس يشترون في الصّيف - موسم كثرة الأسماك - 4 - 5 كغم أمّا اليوم فيشترون فقط كغم واحداً أو اثنين.

أحياناً يعود زوجي إلى البيت ومعه نصف البضاعة أو حتى كلّها. لكي يتفادى كساد البضاعة يبقى لساعات طويلة في السّوق أحياناً حتى العصر أو المغرب ولكن عبثاً. والأنكى أنّ الأسماك الكاسدة تفسد أحياناً لأّنه لا يمكن حفظها في ثلّاجات بسبب مشاكل الكهرباء.

منذ الحصار تدهور وضعنا الاقتصاديّ كثيراً. لا يملك زوجي بسطة أو دكّاناً في السّوق وإنّما هو يستأجر مساحة متر أو مترين مقابل عشرة شيكل لليوم الواحد. جميع أولادنا يعملون في بيع الأسماك مع والدهم ولكنّ مدخولهم جميعاً لا يتعدّى الـ1,500 شيكل شهريّاً - ونحن عائلة مؤلّفة من 14 نفراً. اثنان من أبنائنا متزوّجان وأحدهما أب لولدين ولكنّنا نقيم جميعاً في المنزل نفسه. نحن لا نتلقّى مخصّصات من وزارة الرّفاه رغم أنّنا عائلة كثيرة الأولاد وذلك لأنّ زوجي ليس أجيراً. لقد بعت جميع مصاغي. في الماضي اقتنيت أرضاً ولكنّني اضطررت لبيع قطعة مساحتها 250 متراً لكي أسدّد الديون وأزوّج أولادي. أحد أبنائي كان طالب جامعة لكنّه أوقف تعليمه لأنّنا لم نتمكّن من دفع القسط الدراسيّ. ومنذ تفشّى وباء الكورونا تدهور الوضع أكثر فأكثر: المطاعم والفنادق تكاد لا تشتري الأسماك لأنّها تُغلق لفترات طويلة وكذلك لا يوجد زوّار من الخارج في غزّة لأنّ المعابر مغلقة. لقد أضرّ هذا بعمل زوجي في السّوق.

ينغّصني كثيراً أنّني لا أستطيع توفير احتياجات أبنائي. أنا لم أقدر على شراء ملابس لهم في العيد وفي بداية السنة الدراسيّة فاضطرّوا لاستخدام أغراض السنة الفائتة: الملابس والحقائب وحتى الأحذية. كم يتألّم قلبي لهذا فقد كان بودّي أن أشتري لهم كلّ شيء جديد لكنّ الوضع لا يسمح. كلّما طلبوا شيئاً مثل المشاركة في رحلة أظلّ أماطلهم وقلبي يتقطّع - لأنّني أريد أن أرى السّعادة والفرح في أعينهم.

لهذه الأسباب أنا في اكتئاب عميق وأشعر بالاختناق ولكنّني أدرك من ناحية أخرى أنّه لا يوجد عمل آخر لا لزوجي ولا لأبنائي فلا يبقى سوى أن نأمل تحسّن أوضاعنا.

المكان