Skip to main content
Menu
المواضيع

تقرير الأمم المتحدة يُذكّر مجدّدًا: في غزة يعيش أكثر من مليون ونصف شخص، والقطاع ليس ساحة حرب

سكان ينزحون من بيوتهم اثناء الهدنة الانسانية في بيت حانون. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 26/4/2014.
سكان ينزحون من بيوتهم اثناء الهدنة الانسانية في بيت حانون. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 26/4/2014.

بدأت الحرب التي اندلعت في غزة الصيف الماضي، والمسمّاة "الجرف الصامد"، يوم 8/7/2014، وانتهت بعد قرابة خمسين يومًا، في 26/8/2014. وقد تكشّفت نتائجها الوخيمة وهي ما تزال دائرة، ولم تتّضح معالمها النهايّة إلّا بعد انتهائها: فقد أشارت معطيات الأمم المتحدة إلى مقتل أكثر من 2,200 شخص في قطاع غزة، نحو 70% منهم لم يشاركوا في القتال، ومن بينهم مئات النساء والأطفال. ودُمّرت آلاف البيوت ونزح عشرات آلاف الأشخاص عن منازلهم. وقُتل في إسرائيل ستّة مدنيّين، منهم طفل صغير، إلى جانب 66 فردًا من قوّات الأمن. إلى جانب ذلك، ثمة الإصابات والأضرار التي من الصعب إحصاؤها: الذعر والفظاعة والخوف التي مُني بها ملايين الناس في أثناء الحرب وما بعدها.

وفي اثناء الحرب ادّعت كلّ الجهات الرسميّة في إسرائيل –بدءًا برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وانتهاءً بالضباط الذين خدموا في القطاع- أنّ الجيش يبذل كلّ ما بوسعه من أجل منع إلحاق الأذى بالمدنيّين، وهو يقوم بأمور تتجاوز كثيرًا الواجبات التي يفرضها عليه القانون، وبما يتجاوز الجيوش الأخرى. وتفيد هذه الادّعاءات بأنّ المسّ الذي لحق بالمدنيّين في غزة أثناء الحرب يقع على كاهل حركة حماس، التي نشطت من قلب الأحياء السكنيّة المدنيّة، واستخدمت السكّان كدروع بشريّة، مُعرّضة إيّاهم وممتلكاتهم للخطر، عن سابق وعي.

هذا هو الموقف الرسميّ التي اتخذته الحكومة الإسرائيليّة، وقد وردت أمور مشابهة لهذا الموقف فيالردّ الذي نُشر على تقرير اللجنة التي عيّنها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، يوم 22/6/2015. ويتفحّص التقرير قانونيّة تصرّفات إسرائيل والمنظّمات الفلسطينيّة المسلّحة أثناء الحرب التي اندلعت في الصيف.

رفضت اللجنة هذا الموقف رفضًا تامًّا، وقضت بأنّ إسرائيل هي التي تتحمّل المسؤوليّة عن المسّ الهائل الذي لحق بالسكّان المدنيّين في قطاع غزة أثناء الصيف. وأضافت اللجنة أنّ الجيش الاسرائيلي لم يبذل ما يكفي من الجهود للحيلولة دون إلحاق الأذى بالسكّان، وحتى أنه واصل في بعض الحالات اتّباع سياسة سبق واتّضح أنّ تنفيذها يؤدّي إلى إلحاق الأذى بالمدنيّين على نطاق واسع. ولا تتطرّق أقوال اللجنة هذه إلى عمليّة واحدة أو اثنتين قام بهما الجيش أثناء الحرب، فحسب. فاللجنة ترفض المعتقد العامّ السائد لدى الجهات الرسميّة في الحكومة والجيش في إسرائيل، بشأن ما هو مسموح وما هو محظور أثناء القتال في منطقة سكنيّة مكتظّة، مثل قطاع غزّة. ويقول تقرير اللجنة إنّ لا مجال لتبرير المسّ الهائل الذي مُني به السكان المدنيّين أثناء الحرب، وليس بالإمكان تفسير القانون الإنسانيّ الدوليّ بما يمكن أن يشرعن هذا المسّ.

لم ترد أقوال اللجنة هذه من خلال تجاهل نهج ومسلكيّات المنظّمات الفلسطينيّة المسلّحة. فأولًا، توضح اللجنة أنّ هذه المنظّمات نشطت خلافًا للقانون الإنسانيّ الدوليّ: فقد كانت غايتها إلحاق الأذى بالمدنيّين الإسرائيليّين وبالمراكز السكنيّة داخل إسرائيل؛ وقد سعت هذه المنظّمات لتحقيق هذه الغاية عبر اللجوء إلى سلاح غير قانونيّ ليس بوسعه التمييز بين الأهداف العسكريّة والأهداف المدنيّة؛ ولذلك، فإنّ هذا السلاح بثّ الترهيب والترويع بين السكّان المدنيّين في إسرائيل.

ثانيًا، في تطرّقها إلى مناهج عمل هذه المنظّمات، أوردت اللجنة ادّعاءات إسرائيل التي تقول إنّ هذه المنظّمات أطلقت النار عمدًا من قلب المناطق السكنيّة في غزة كي تحوّلهم إلى دروع بشريّة أو أنّ هذه التنظيمات قامت بإخفاء الأسلحة في داخل بيوت تابعة لمدنيّين كيّ يشكّل حضورهم حماية لها. وقضت اللجنة بأنّها لم تنجح بفحص هذه الادّعاءات، وقد نبع بعض أسباب ذلك من أنّ حركة حماس لا تسمح بإجراء فحص جدّيّ لهذه الإدّعاءات ومن أنّ إسرائيل لم تسمح لأعضاء اللجنة بالدخول إلى القطاع، إلّا أنها توضح أنّه في حال كانت هذه الأمور صحيحة، فمن الواضح أنّ هذه الأعمال ليست قانونيّة. مع ذلك، تشدّد اللجنة على أنّه في حال صدقت ادّعاءات إسرائيل، فإنّ هذا لا يغيّر من واجباتها المتعلقة بالتصرّف وفقًا للقانون الإنسانيّ الدوليّ. وبهذا، فإنّ اللجنة رفضت ادّعاء إسرائيل القائل بأنّ ردّها كان مبرّرًا قياسًا بمناهج حماس، وقد أوضحت أنّه ليس بالإمكان بأيّ شكلٍ من الأشكال تبرير مثل هذا الردّ المتطرّف والهدّام والفتّاك الذي بدر عن إسرائيل.

منذ إقامة اللجنة، تركّز جُلّ النقاش العام في إسرائيل بسياق عملها في هُويّة أعضائها، وفي عمل مجلس حقوق الإنسان عمومًا ومصادر المعلومات التي تستند إليها اللجنة وما شابه. ويكاد النقاش العام يخلو من أيّ تطرّق إلى مضامين التقرير ونتائجه، وهذا ما يهدف إليه هذا المستند. فاللجنة تتطرّق في التقرير الذي يمتدّ على زهاء مئتي صفحة، إلى عدّة مسائل تتعلّق بمسلكيّات إسرائيل أثناء الحرب. وسنستعرض بعضًا منها فيما سيلي. وقد عبّرت بتسيلم عن مخاوفها الكبيرة –أثناء وبعد الحرب- من بعض هذه المسائل، من أنّ الحديث يدور عن مسلكيّات إسرائيليّة غير قانونيّة.

بيت في خان يونس تدمر من القصف. تصوير: فينبار اوراييلي، رويتيريز. 17/7/2014.
بيت في خان يونس تدمر من القصف. تصوير: فينبار اوراييلي، رويتيريز. 17/7/2014.

أ. إسرائيل لم تبذل ما يكفي من الجهد لحماية المدنيّين أو الأعيان المدنيّة

تقضي اللجنة بأنّ إسرائيل لم تتصرّف وفقًا للواجب الذي يلقيه عليها القانون الإنسانيّ الدوليّ، بحماية المدنيّين ومنع إلحاق الأذى بهم- أو تقليصه قدر الإمكان. هذه عدّة أمثلة:

  • تحذيرات غير مُجدية: رفضت اللجنة ادّعاء اسرائيل بأنّ الجيش اتخذ تدابير وقائيّة كافية، تشذّ كثيرًا عن تلك التي يتطلّبها القانون الإنسانيّ الدوليّ، من أجل حماية المدنيّين في غزة. وأوضحت اللجنة وجود واجب بإطلاق تحذير مُجدٍ وفعّال قبل الخروج إلى هجمة يمكنها أن تؤثّر على السكّان المدنيّين، إلّا إذا حالت الظروف دون ذلك. لكنّ اعتبار التحذير مُجديًا يستوجب أن يكون مفهومًا للسكان وأن يمنحهم الفرصة للتصرّف بموجبه وحماية أنفسهم.

    وتقول اللجنة إنّه لم تقع حقًا خسائر بالمدنيّين في أكثر من مئتي مبنى سكنيّ قُصفت من الجوّ، بعد أن حذّر الجيش الاسرائيلي سكّان البيت وكان بوسعهم الخروج منه قبل قصفه. لكنّ هذا لم يكن الحال في حالات كثيرة أخرى، لم تكن تحذيرات الجيش فيها تستوفي الشرطيْن المطلوبيْن: فبخصوص النهج المُسمّى "اقرع السطح" –حين يطلق الجيش صاروخًا صغيرًا على بيت كي يفهم سكّانه أنّه على وشك قصفه وعليهم أن يُخلوه فورًا- تقول اللجنة إنّ هذا التحذير لم يُفهم دائمًا لدى السكّان، وحتى في حال فهمه لم يكن السكّان يُمنحون دائمًا ما يكفي من الوقت لمغادرة البيت. وأيضًا بخصوص دعوة السكّان لترك أحياء كاملة بواسطة توزيع المناشير، فتقول اللجنة إنّ الكثير من السكّان ظلّوا في بيوتهم، ومن ضمن أسباب ذلك أنّهم لم يفهموا أنّ عليهم ترك البيت أو أنّهم اعتقدوا أنّ لا وجود لأيّ مكان آمن في القطاع يمكنهم الانتقال إليه.

    رُغم هذا الواقع، الذي كان من المفترض بالجيش أن يكون مدركًا له إذا أخذنا بالاعتبار قدراته الاستخباراتيّة والتجارب التي راكمها في جولات الحروب السابقة، تقول اللجنة إنّ الجيش واصل بثّ تلك التحذيرات نفسها، والتعامل معها على أنّها مُجدية وفعّالة والافتراض أنّ السكّان تركوا بيوتهم.

  •  إطلاق نيران غير تناسبيّ في القصف الجوّيّ: يُلزم مبدأ التناسبيّة كلّ الأطراف المتحاربة بالامتناع عن هجمات يُعرَف سلفًا قبل تنفيذها بأنّ المسّ المتوقّع بالمدنيّين جرّاءها سيكون مفرطًا قياسًا بالأفضليّة العسكريّة المتوقعة. وتقتبس اللجنة موقف إسرائيل الرسميّ القائل بأنّ تطبيق هذا المبدأ دفع الجيش إلى جمع كلّ المعلومات المطلوبة في المنطقة التي كان ينوي الهجوم عليها، والمتعلّقة بوجود المدنيّين والأهداف المدنيّة. ومن بين الوسائل التي اتّبعها الجيش الاستعانة بالهندسيّين والمختصّين من أجل تقدير الأضرار المرافقة المتوقعّة.

    إلّا أنّ اللجنة قالت إنّ غالبيّة الحالات التي فحصتها والتي قُتل فيها مدنيّون كُثر في هجمة واحدة على بيت، تستوجب أن يكون أيّ قائد متوسّط على دراية بأنّ هذا الهجوم سيؤدّي إلى إلحاق عدد كبير من المصابين بين المدنيّين وإلى دمار كبير: فالمباني كانت مبانيَ سكنيّة، وكانت قائمة في مناطق مأهولة ومكتظّة، فيما جرت الهجمات في ساعات كان يمكن أن يُتوقّع فيها وجود أفراد العائلة في البيت (أثناء وجبة الإفطار في رمضان أو في الليل عندما كان الناس يخلدون للنوم)، وقد استخدم الجيش سلاحًا بالغ القوّة كانت غايته هدم المبنى برُمّته.

  • نيران لم تُوجّه لأهداف عسكريّة: تشير اللجنة إلى عدّة حالات تعبّر عن قرارات ذات صلة بالسياسة المتبّعة، والتي لم تُوجّه فيها نيران الجيش صوب أهداف عسكريّة:

    • النيران المدفعيّة: تقول اللجنة إنّ النيران المدفعيّة ليست دقيقة بما يكفي ولذلك فهي لا تميّز بين الأشياء والأمور المدنيّة وبين الأهداف العسكريّة، وفقما يقتضي القانون. ورُغم ذلك، استخدم الجيش الاسرائيلي النيران المدفعيّة على نطاق واسع أثناء الحرب، الأمر الذي أدّى إلى مقتل الكثير من المدنيّين وإلحاق الضرر الهائل ببيوت المدنيّين.

    • نيران مكثّفة من الجوّ واليابسة أثناء العمليّات البرّيّة: فحصت اللجنة الحرب في رفح، وفي حيّ الشجاعيّة في غزة، وفي خُزاعة، وقضت بأنّ الوسائل والمناهج التي اُتّبعت هناك –ومن ضمنها العدد الهائل من القذائف والقنابل ذات الطنّ الواحد والتي ألقيت في منطقة مأهولة باكتظاظ- هي وسائل لا تميّز بين الأشخاص والأمور المدنيّة وبين الأهداف العسكريّة.

    • تعريف الأشخاص والأمور المدنيّة كأهداف عسكريّة: تعارض اللجنة تعريف بيوت الناشطين في المنظمات الفلسطينيّة المسلّحة أهدافًا عسكريّة وتقول إنّ ذلك يناقض تعريف "هدف عسكريّ" في القانون الدوليّ. وتطرقت اللجنة إلى المنشورات العسكريّة الرسميّة، والتي قالت إنّ قياديّين في المنظمّات المسلّحة استخدموا بيوتهم كمراكز قياديّة، إلّا أنّ اللجنة شدّدت على أنّ ادّعاء إجراء لقاء ما في بيت معيّن لناشطين عسكريّين لا يكفي لتحويل هذا البيت إلى "هدف عسكريّ"، وأنّ من واجب الجيش أن يثبت أنّ هدم المبنى سيمنحه أفضليّة عسكريّة واضحة. ولا يعني وجود حاسوب أو هاتف محمول استخدم لتمرير التعليمات المتعلقة بالنشاطات العسكريّة، أو إجراء لقاء ذي طابع عسكريّ في البيت، أنّ هذا كافٍ لتحويل أمر مدنيّ إلى هدف عسكريّ، إذا ما أخذنا بالحسبان الأفضليّة العسكريّة الدُنيا التي يمكن تحقيقها بواسطة هدم البيت.

وقضت اللجنة بأنّ طرق القتال هذه لا تستوي مع واجب كلّ الأطراف المتحاربة اتباع تدابير حذر من أجل حماية المدنيّين، أو على الأقلّ تقليص المسّ بهم للحدّ الأدنى، في منطقة سكنيّة مكتظة مثل هذه.

الدمار في بيت حانون. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 5/8/2014.
الدمار في بيت حانون. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 5/8/2014.

ب. مسؤوليّة المسّ بالمدنيّين مُلقاة على كاهل المستوييْن السياسيّ والعسكريّ الرفيعيْن

توجّه اللجنة ادعاءاتها إلى المستوييْن السياسيّ والعسكريّ الرفيعيْن، اللذين وضعا السياسة واللذين يتحمّلان المسؤولية عن نتائجها الفتّاكة. ويتطرّق التقرير إلى بُعديْن اثنيْن: المسؤوليّة عن تصديق سياسة غير قانونيّة والامتناع عن وقف تطبيق أوامر أو تعليمات، حتى بعد اتضاح نتائجها الفتّاكة.

تطرّقت اللجنة إلى ثلاثة مسائل جرى من خلالها ترسيم مسبق للسياسة التي تناق أحكام القانون الإنسانيّ الدوليّ: غارات جوّيّة على منازل سكنيّة وهدم ممنهج للبيوت- وخصوصًا في المناطق المحاذية للخطّ الأخضر، واستخدام الأسلحة غير الدقيقة في مناطق مأهولة باكتظاظ. وقالت اللجنة إنّها ترى أنّ هذه الوسائل القتاليّة، والتي تشير إلى سياسة واسعة بخصوص القتال عمومًا، قد صُدّقت لدى المستويات الأعلى.

شدّدت اللجنة على أنّ مسؤوليّة هذه المستويات لا تتلخّص بترسيم السياسات بل تتعدّاها إلى الامتناع عن وقف أو إحداث تغييرات في استخدام هذه الوسائل، التي ثبت –فور ممارستها- أنّها تُلحق مسًّا واسعًا بالمدنيّين. وتشير هذه المسلكيّات إلى أنّ هذا المسّ كان مطابقًا للسياسة التي انتهجتها إسرائيل. وفي هذا السياق، تتطرّق اللجنة بشكل خاصّ إلى إطلاق النار المكثّف من الجوّ والبرّ أثناء العمليّات التي جرت في حيّ الشجاعية ورفح، بعد حالتيْن ألحق فيها فلسطينيّون الأذى بجنود: فقد استمرّ تفجير البيوت وإطلاق نيران المدفعيّة لساعات طويلة، وسرعان ما تكشّف المسّ الشاسع الذي لحق بهذه المناطق. ورُغم ذلك، لم تقم أيّ جهة بتحريك ساكن من أجل وقف إطلاق النيران. وعلى هذا النسق، تطرّقت اللجنة إلى انعدام فاعليّة وجدوى التحذيرات، والتي اتّضحت هي الأخرى منذ أيام الحرب الأولى بعد وقوع عدّة مبانٍ فوق رؤوس ساكنيها. وهنا أيضًا واصل الجيش الاسرئيلي اتباع الطرق نفسها من أجل تحذير السكّان والتعامل مع التحذيرات بأنّها ذات جدوى، في حين لم تقم القيادة السياسيّة والعسكريّة بأيّ شيء من أجل تغيير الوضع.

جـ. جهاز التحقيق الإسرائيليّ مُعطّل

تشير اللجنة إلى أنّ إسرائيل اتخذت خطوات كثيرة من أجل تحسين جهاز التحقيق فيها، ومن أجل ملاءمته مع المعايير الدوليّة. إلّا أنّها أضافت أنّ ثمة حاجة لتغييرات إضافيّة للتأكّد من أنّ إسرائيل تقوم بواجب التحقيق الملقي عليها، ومقاضاة ومحاكمة المسؤولين عن انتهاكات القانون الإنسانيّ الدوليّ وقوانين حقوق الإنسان.

وقضت اللجنة بأنّها قلقة من المشاكل الإجرائيّة والمَبنويّة والجوهريّة، التي تمسّ بقدرة إسرائيل على أداء واجبها بالتحقيق. ومن ضمن ما تطرّقت إليه اللجنة، مشكلة "القبعة المزدوجة" التي يعتمرها المُدّعي العسكريّ العام، وهو المسؤول عن توفير الاستشارة القضائيّة للجيش عند الحدث ومسؤول أيضًا عن اتخاذ القرار بشأن فتح التحقيق الجنائيّ، فيما بعد. وفي حال وجود شكّ بشأن مشروعيّة وقانونيّة عمليّة ما نُفّذت استنادًا إلى أوامر قام هو بتصديقها –مثل السؤال حول ما هو "الهدف العسكريّ"- فسيكون عندها في وضعيّة تضارب مصالح.

وتقول اللجنة أيضًا إنّ جهاز التحقيقات القائم لا يسمح البتّة بإجراء تحقيق في مسائل ذات صلة بالسياسات وتتعلّق بمسؤوليّة المستوييْن العسكريّ والسياسيّ الرفيعيْن عن وضع هذه السياسات.

في ظلّ هذه المشاكل، ومع الأخذ بعين الاعتبار لنتائج التحقيقات التي أجرتها إسرائيل في أعقاب الحروبات السابقة في غزة، تشكّك اللجنة في قدرة الجهاز الحاليّ على تحقيق العدالة للضحايا، وهي تطرح أسئلة كبيرة بخصوص إمكانيّة محاكمة المسؤولين الحقيقيّين عن إلحاق الأذى بالمدنيّين في إطار هذا الجهاز.

تلخيصًا: في غزة يعيش بشر

تنظر اللجنة بوضوح إلى قطاع غزة وترى منطقة مأهولة بالسكّان، يستحقون الحماية أثناء المواجهات. وهي تقترح وجهة نظر معكوسة عن وجهة النظر الإسرائيليّة الرسميّة بخصوص ما حدث أثناء صيف 2014 في قطاع غزة: ففي الوقت الذي تنظر فيه جهات رسميّة إلى قطاع غزة على أنه ساحة حرب يعيش في بشر أيضًا، فإنّ اللجنة تتعامل مع القطاع كمنطقة سكنيّة مكتظّة يعيش فيها بشر، وتدور فيها الحروب أيضًا.

وترى اللجنة في القانون الدوليّ الإنسانيّ أداة ذات صلة وكافية لغرض فحص المسلكيّات الإسرائيليّة والمنظمات الفلسطينيّة المسلّحة، وتقضي بأنّ هذه النُظم لا تحتمل التأويلات والتفسيرات فير المحدودة: فتفسير القانون الإنسانيّ الدوليّ يجب أن يظلّ في حدود المعقول، في حين أنّ جوهر هذه النُظم يتمحور في حماية المدنيّين أثناء المواجهات العسكريّة. وتوضح اللجنة، وخلافًا لمواقف إسرائيل الرسميّة، أنّ من غير الكافي استخدام المصطلحات القضائيّة الصحيحة بشكل رسميّ فقط، بل يجب العمل ما يتوافق مع جوهر هذه النظم، التي تسعى لحماية المدنيّين.

بعد عدّة أيّام على نشر التقرير أجرت رئيسة لجنة الأمم المتّحدة بلقاء مع صحيفة "هآرتس". ومن ضمن ما قالته القاضية مكجوان- ديفيس في المقابلة: "لا يمكن إلقاء قنبلة بوزن طنّ في منتصف حيّ سكنيّ". هذه أقوال واضحة وحادّة ولا حاجة للقب في مجال الحقوق أو فلسفة الأخلاق من أجل فهم مدلولاتها، تمامًا كما أنّ لا حاجة للقب جامعيّ رفيع في الهندسة أو للخبرة العسكريّة كمحقق أداء في سلاح الجوّ كي تدرك ما يعنيه إلقاء قنبلة كهذه في قلب منطقة مدنيّة مكتظّة. هناك أوامر لا يمكن لأيّ نصّ قضائيّ أن يُشرّعها، وثمة أنماط لاستخدام القوّة العسكريّة من الجدير ألّا يحاول أيّ مختص بالقانون الدوليّ الدفاع عنها..

هذا الصوت الواضح، صوت المنطق والقانون والأخلاق قد سُمع. لم يتبقّ الآن إلّا التساؤل عمّا إذا كان أحد ما في مستويات الحكم الإسرائيليّ -الحكومة، وزارة القضاء، الكنيست، قيادة الأركان، النيابة العسكريّة- قادرًا على سماع أو رؤية الحقيقة البسيطة: في غزة يعيش بشر.

المكان