Skip to main content
عاطف حنايشة يقف قبالة ضابط على التلّة حيث قُتل. تصوير نضال اشتيّة، وكالة أناضولو، 19.3.21
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

جنديّ يقتل بالرّصاص متظاهراً فلسطينيّاً أثناء تفريق مظاهرة أسبوعيّة ضدّ بؤرة استيطانيّة

في تشرين الأوّل 2020 أقام مستوطنون بؤرة استيطانيّة جديدة على أراضي قرية بيت دجن الواقعة شرق مدينة نابلس، على بُعد نحو كيلومترين من القرية نفسها. منذ ذلك الحين يقوم مستوطن واحد على الأقلّ بالتجوال داخل أراضي القرية وترهيب الأهالي أثناء فلاحة أراضيهم ورعي مواشيهم عبر إطلاق الرّصاص في الهواء ورشقهم بالحجارة. تنضمّ البؤرة الاستيطانيّة الجديدة إلى سلسلة بؤر استيطانيّة أقيمت شرق مستوطنة "ألون موريه" على سفوح جبل بلال لتقطع شريان مرور كان يؤدّي على مرّ التاريخ من بيت دجن شمالاً نحو بلدات وادي الفارعة ومن هناك إلى منطقة الأغوار. في منتصف نيسان أخلت قوّات الأمن البؤرة ولكنّ المستوطنين أعادوا إقامتها في موقع مجاور في اليوم نفسه.

بعد إقامة البؤرة الاستيطانيّة نصب الأهالي خيمة اعتصام احتجاجيّة لكنّ الجيش سرعان ما هدمها. بعد ذلك صار الأهالي يعبّرون عن احتجاجهم في مظاهرات أسبوعيّة يقومون بها كلّ يوم جمعة ويشارك فيها المئات. خلال المظاهرات يرشق بعض المشاركين الجنود بالحجارة ويطلق هؤلاء بدورهم قنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط. منذ بداية العام 2021 صار الجيش يطلق أيضاً الرّصاص الحيّ وقد تسبّب جرّاء ذلك بإصابة ثلاثة متظاهرين وفقاً لمعطيات الأمم المتحدة. لكي يمنع الجيش وصول المتظاهرين إلى منطقة البؤرة الاستيطانيّة أقام سواتر ترابيّة في الطرق المؤدّية إليها وفي أعقاب ذلك أصبح متعذّراً على الأهالي الوصول إلى أراضيهم في سيّاراتهم.

طريق زراعيّة فلسطينيّة سدّها الجيش عقب إقامة البؤرة الاستيطانيّة. تصوير إيال سجيف، بتسيلم، 22.3.21

في يوم الجمعة الموافق 19.3.21 بدأت المظاهرة الأسبوعيّة عند السّاعة 12:30 تقريباً حيث انطلق نحو 150 متظاهراً من أهالي القرية والقرى المجاورة في مسيرة نحو البؤرة الاستيطانيّة ومن ضمنهم مجموعة تشمل 20-30 متظاهراً تقدّمت عليهم حتى انفصلت عنهم ووصلت إلى التلال الواقعة شمال شرق القرية. صعدت المجموعة إلى أعلى إحدى التلال وهناك رأوا ثلاثة جنود يقفون على بُعد نحو 150 متراً منهم وبضمنهم ضابط. كان أحد الجنود الثلاثة واقفاً على بُعد بضع عشرات من الأمتار من الجنديّين الآخرين.

أخذ عدد من مجموعة المتظاهرين يرشق الحجارة نحو الجنود بعضهم بمقلاع وبعضهم بيديه، فأطلق أحد الجنود نحوهم قنابل الصوت. عندما واصل المتظاهرون رشق الحجارة أطلق أحد الجنود بضع رصاصات في الهواء. بعد ذلك تقدّم أحد راشقي الحجارة ويُدعى عاطف حنايشي (46 عاماً) نحو الجنود وعندئذٍ أطلق عليه جنديّ عدّة رصاصات عن بُعد بضع عشرات من الأمتار فأصابته إحداها في رأسه.

عندما هرع عدد من المتظاهرين نحو عاطف حنايشي أطلق الجنديّ نفسه عدّة رصاصات في الهواء لكنّ هذا لم يثنهم عن مواصلة التقدّم نحو المتظاهر المصاب فحملوه وحملوه من المكان ليُنقل من بعدها إلى المستشفى حيث توفّي متأثراً بجراحه. بعد نقل المُصاب حضرت إلى المكان قوّة من حرس الحدود وفرّقت بواسطة الغاز المسيل للدّموع المتظاهرين القليلين الذين بقوا هناك.

موقع المظاهرة. تصوير إيال سجيف، بتسيلم، 22.3.21

إطلاق الرّصاص الحيّ على عاطف حنايشي وقتله رغم أنّه لم يشكّل خطراً على أيّ من الجنود يخالف تعليمات إطلاق الرّصاص ولا يمكن تبريره، إذ تمنع هذه التعليمات إطلاق الرّصاص الحيّ سوى حين يشكّل المستهدَف خطراً داهماً ومحقّقاً على حياة الجنود أو غيرهم وفقط حين لا تتوفّر أيّة وسيلة أخرى لدرء هذا الخطر. هذه الشروط لم تتوفّر في الحالة التي نعرضها هنا ولكنّ الجيش على أيّة حال يتعامل مع التعليمات التي تقيّد إطلاق الرّصاص الحيّ على أنّها مجرّد توصيات لا تُلزمه. بمقتل عاطف حنايشي يصل عدد الفلسطينيّين الذين قُتلوا في الضفة الغربيّة بالرّصاص الحيّ دون أيّ مبرّر - خلال أحداث تخلّلها رشق حجارة أو شُبهة رشق حجارة - إلى 39 منذ العام 2015. وفي جميع الحالات لم يشكّل هؤلاء الضحايا خطراً على حياة عناصر قوّات الأمن أو أيّ شخص آخر.

قيام الجيش كلّ أسبوع بتفريق المتظاهرين ضدّ إقامة البؤرة الاستيطانيّة هدفه شرعنة النّهب: تمتنع إسرائيل عن اتّخاذ إجراءات لإخلاء البؤرة الاستيطانيّة التي أقيمت عبر نهب أراضي الفلسطينيّين أهالي القرية وسكّانها يُذيقونهم الويلات منذ إقامتها. وكأنّما هذا لا يكفي إذ تمنع إسرائيل الأهالي أيضاً من الاحتجاج ضدّ الواقع المفروض عليهم. هذه الممارسات لا تخصّ البؤرة الاستيطانيّة موضوع هذا التقرير وإنّما هي تندرج ضمن سياسة تتّبعها إسرائيل منذ سنين في جميع أنحاء الضفة الغربيّة بهدف إبعاد الفلسطينيّين عن أراضيهم.

 

عاطف حنايشي مع ابنه وقريبه. صورة قدّمتها العائلة مشكورة.

أدناه يحدّث م. س. عن أحداث ذلك اليوم، وهو مصوّر صحفيّ كان يوثّق المظاهرة عن بُعد بضع مئات من الأمتار - من إفادة أدلى بها في 23.3.21 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي:

وصلت نحو السّاعة 12:30 إلى منطقة الموقعة شمال شرق قرية بيت دجن لكي أغطّي مظاهرة الاحتجاج ضدّ إقامة البؤرة الاستيطانيّة على أراضي القرية. رأيت ثلاثة جنود على رأس تلّة وكان أحدهم يقف على بُعد نحو عشرين متراً من الجنديّين الآخرين كما رأيت 5-10 شبّان يرشقونهم بالحجارة. تموضعت قبالتهم على مرتفَع يشرف على المنطقة كلّها وبدأت التصوير. أطلق أحد الجنود 5-7 رصاصات في الهواء وعندئذٍ ابتعد الأهالي - الذين كانوا في موقع منخفض نسبة إلى الجنود - وهُم ينحنون ليحموا أنفسهم من الرّصاص.

بعد إطلاق الرّصاص رأيت شخصاً يرتدي قميصاً أحمر يتقدّم على بقيّة المتظاهرين ويقذف الجنود بحجارة بواسطة مقلاع وكان يبعد عن الجنود عشرات الأمتار ورأيت الجنديّ الواقف وحده يُطلق رصاصتين أو ثلاثاً. المتظاهر ذو القميص الأحمر وقع أرضاً وبقيّة المتظاهرين انحنوا لاتّقاء الرّصاص. أخذ الشبّان يصرخون "مُصاب، مُصاب" وهرعوا يركضون نحوه. عندئذٍ أطلق الجنديّ نفسه الرّصاص مرّة أخرى فانحنى أولئك الشبّان ثمّ انتصبوا وواصلوا الرّكض ثمّ تمكّنوا من نقل المصاب. جميع الاهالي تركوا المكان ولحقوا الشبّان لكي يستطلعوا حالة المُصاب. كنت على يقين أنّه قد فار الحياة لأنّ الإصابة جاءت في رأسه وحين وقع إثر ذلك لم يتحرّك بتاتاً.

أحد المشاركين في المظاهرة من أهالي بيت دجن يُدعى حازم حنيني (43 عاماً) وهو متزوّج وأب لولدين ويعمل موظّفاً في المجلس المحلّي. عندما وصل حازم إلى الموقع رأى في أعلى التلّة ثلاثة جنود على بُعد نحو 150 متراً منه.

أدناه يصف حازم حنيني ما حدث - من إفادة أدلى بها في 21.3.21 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي:

حازم حنيني

عندما رأى المتظاهرون الجنود أخذ نحو ستّة منهم يرشقونهم بالحجارة. أحد الجنود ألقى نحوهم قنبلتي صوت ثمّ أطلق جنديّ آخر عدّة رصاصات في الهواء. اقترب راشقو الحجارة حتى أصبحوا على مسافة عشرات الأمتار من الجنديّ الذي كان يقف منفصلاً عن الجنديّين الآخرين فأطلق هذا ثلاث رصاصات. انبطح الشبّان على الأرض لكي يتّقوا الرّصاص ثمّ وقفوا ثانية ولكنّ أحدهم بقي على الأرض. توقّعت أنّه قد أصيب. ركض الشبّان نحوه لكي يحملوه فأطلق الجنديّ نحوهم عدّة رصاصات.

كنت قد أصبحت على مسافة عشرين متراً منهم وواصلت التقدّم نحو الشابّ المُصاب. كان الدّم يغطّي وجهه. قال لي الشبّان إنّ اسمه عاطف حنايشي من قريتنا وإنه مؤذّن متطوّع في المسجد. كان الشابّ مصاباً في رأسه وبدا كمن فارق الحياة. سحبناه وابتعدنا به مسافة كيلومتر أو أكثر حتى وصلنا إلى سيّارة أحد الأهالي ونقلناه فيها إلى مستشفى رفيديا في نابلس حيث أعلن الأطبّاء أنّه قد استُشهد. كنت مصدوماً.

في صباح ذلك اليوم تناول عاطف حنايشي الفطور مع زوجته إسلام حنايشي (38 عاماً) ثمّ خرج ليشارك في المظاهرة الأسبوعيّة. هُما أبوان لثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين 6-13 عاماً. ابنتهما الوسطى ليان تبلغ من العُمر 10 سنوات وهي مصابة بمرض السّرطان وتخضع لعلاجات وفحوصات.

أدناه تحدّث إسلام حنايشي عمّا جرى يوم مقتل زوجها وبعده - من إفادة أدلت بها في 7.4.21 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي:

طلب عاطف أن أناوله طاقيّته. قال لي: "سوف أضع كمامة وهكذا لا يتعرّف الجنود عليّ". قله له: "كُن حذراً، رجاءً. لا نريد المزيد من المصائب. يكفينا مرض ابنتنا". أخذ عاطف الطاقيّة من يدي وخرج من المنزل. لم يخطر في ذهني أن تكون هذه آخر مرّة يخرج فيها من منزله وأنّه لن يعود إليه أبداً.

لم يمض وقت طويل على خروجه ربّما ساعة وإذ بسلفتي التي تسكن معنا في البناية نفسها تقول إنّ شهيدًا سقط في القرية. انقبض صدري وانتابني الهلع. وقفت خلف النافذة أراقب ما يجري وفي هذه الأثناء لم يحدّثني أحد بمعلومات أخرى. حاولت الاتّصال بزوجي وحين لم يردّ اتّصلت بشقيقه ولم يردّ هو أيضاً. زاد هذا من مخاوفي. رأيت ابني بكر في الشارع أمام المنزل. سألته" أين أبوك؟" فقال إنّه في المظاهرة ثمّ أضاف: "يقولون إنّ هناك شهيد". سألته: "من الذي استُشهد؟" فقال إنّه لا يعرف وإنّ لا أحد يقول من هو. حاولت الانشغال بأعمال المنزل ولكن عبثاً. كنت أركض من غرفة إلى غرفة ولا أدري ماذا أفعل.

بعد ذلك جاء بعض الأقارب إلى منزلنا وقد بدا على وجوههم أنّ مُصيبة قد وقعت. في البداية قالوا لي إنّ زوجي قد أصيب وبعد ذلك قالوا إنّه يخضع الآن لعمليّة جراحيّة ولكنّ حالته خطيرة، ثمّ قالوا لي إنّه استُشهد. وقع عليّ هذا النبأ كالصّاعقة ثمّ أغمي عليّ. لم أتحمّل هذا الخبر الفظيع. كنت أخشى أن يصاب زوجي وننشغل بمعالجته بدل معالجة ابنتنا ولكن لم يخطر في بالي أنّه قد يستشهد.

منذ أن استُشهد زوجي أشاهد كلّ يوم أشرطة الفيديو التي يظهر فيها - أشرطتنا العائليّة وأيضاً تلك التي التُقطت يوم الحادثة. لا أصدّق أنّنا فقدناه إلى الأبد وأنّه لن يعود. أشعر وكأنّ هذا الذي نعيشه كابوس. بعد استشهاده بثلاثة أيّام كان موعد مراجعة طبيّة لابنتنا ليان في مستشفى المطّلع في القدس وقد رافقتها شقيقتي عوضاً عنّي. في ذلك اليوم كنت أسمع ليان تبكي كلّما اتّصلت لأتحدّث معهما. هي تخاف كثيراً من الحقن ومن الأطبّاء والمستشفيات. كانت تبكي طوال مكوثها هناك. عندما حان موعد مراجعتها التالية رفضت الذهاب بدوني. الآن نحن في المستشفى لمدّة ثلاثة أيّام ستخضع ليان خلالها للعلاج الكيماوي. كان يُفترض أن نغادر إلى المنزل قبل ذلك ولكن لأنّ مناعتها قد ضعفت أبقوها للعلاج والمتابعة.

أنا أحتاج زوجي إلى جانبي. لا أحد غيره يمكن أن يفهم الألم الذي أحسّه. لم يكن عاطف يتحدّث كثيراً عن مشاعره ولكنّ أخاه قال لي إنّ عاطف كان يبكي عندما يكون في المنجرة وحده منذ التشخيص الأخير لحالة ليان. أمامي كان يحافظ على رباطة جأشه. كان يقول لي: "سيعفو الله عنها وسوف تُشفى. لا تقلقي". في المنزل لم يكن يبكي بل كان يخفي عنّا حزنه وألمه. كان وجوده يخفّف الألم عنّي وعن ليان. ليان كانت تحبّه كثيراً والآن لا أعرف كيف سأدعم معنويّاتها في غيابه. ماذا سأفعل حين يأخذ شعرها في التساقط؟ لقد اضطررت لترك ولديّ بكر (13 عاماً) ومحمد (6 أعوام) عند جدّهما وجدّتهما وعمّهما الذي يقيم مع والديه. بكر أيضاً لا يُفصح عن مشاعره ويريد أن يظهر قويّاً وكبيراً. محمد لا يعي ما يدور من حوله. عندما قلت له إنّ أباه قد ذهب إلى الجنّة ولن يعود أخذ يسألني متى سنذهب نحن إليه وماذا يفعل بابا الآن في الجنّة. حتى أنّه سألني هل توجد ألعاب في الجنّة. قلت له نعم يوجد فقال "كان بابا يجلب لي ألعاباً" ثمّ سألني متى سيأتي ليجلب له ألعاباً.