Skip to main content
بوستر لذكرى إبراهيم أبو يعقوب معلّق على باب منزل العائلة. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 12.7.20
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

أثناء مطاردة فتية مشتبه بهم بإلقاء زجاجة حارقة أطلق جنود النّار على فلسطينيّ وهو يتنزّه وقتلوه

إبراهيم أبو يعقوب
إبراهيم أبو يعقوب

نحو السّاعة 22:00 من يوم الخميس الموافق 9.7.20 أطلق جنود النّيران نحو فتية جميعهم في الـ15 من أعمارهم وذلك في مدخل قرية كفل حارس في محافظة سلفيت. نشرت وسائل الإعلام حسب مزاعم الجيش أنّ نيران الجنود استهدفت فلسطينيّين ألقوا زجاجة حارقة نحو نقطة عسكريّة في مدخل القرية. ومن التحقيق الذي أجرته بتسيلم تبيّن أنّ الجنود طاردوا اثنين من الفتية وهُم يطلقون النّيران نحوهما ويهدّدون حياتهما دون أيّ مبرّر. تمكّن أحد الفتيين من الفرار وأصيب الآخر في رجله ممّا استدعى إخضاعه لعمليّة جراحيّة.

في الحادثة نفسها قُتل أحد سكّان القرية ويُدعى إبراهيم أبو يعقوب (34 عاماً). تُظهر نتائج التحقيق الذي أجرته بتسيلم أنّ يعقوب كان يمرّ من المكان راجلاً برفقة صديقه هيثم حامد (35 عاماً) إذ اعتاد الاثنان الخروج للمشي كلّ مساء. عرّج يعقوب وصديقه على الناحية الجنوبيّة من القرية إلى منزل صديقهما ليعرضا عليه الانضمام إليهما ولمّا لم يجداه في المنزل عادا أدراجهما لينطلقا في نزهتهما في الناحية الشماليّة من القرية. يبعد منزل هذا الصّديق نحو 300 متر عن البرج العسكريّ المنصوب عند المدخل الجنوبيّ للقرية.

هيثم حامد في المكان الذين أُطلق فيه الرصاص على صديقه. يؤدي الشارع الظاهر خلفه إلى المدخل الرئيسي للقرية والبرج العسكري المنصوب فيه. على اليمين يمكن رؤية سطح القرميد لمنزل صديقهما الذي جاءا من صوبه. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 12.7.20

عندما كان إبراهيم وصديقه على بُعد نحو مئة متر من منزل صديقهما أصيب إبراهيم بنيران الجنود الذين طاردوا الفتيين وكان الجنود على بُعد نحو 200 متر منه. تصادف إطلاق النار وإصابة إبراهيم مع مرور سيّارة يقودها أحد سكّان القرية وبرفقته صديقه. توقّفت السيّارة ونقل الاثنان إبراهيم فيها نحو المدخل الرئيسيّ للقرية بقصد الوصول إلى المستشفى في سلفيت لكنّ جنوداً كانوا عند المدخل يتحلّقون حول الفتى المصاب أطلقوا النّيران في الهواء حين شاهدوا السيّارة تقترب ووجّهوا سلاحهم نحوها. إزاء ذلك اضطرّ السّائق أن يلتفّ عائداً لكي يستخدم شارعاً آخر يؤدّي إلى المستشفى. في المستشفى وجد الأطبّاء أنّ الرّصاصة أصابت إبراهيم بين لوْحَي الكتف وخرجت من عنقه. نفّذ الأطبّاء إجراءات إنعاش استمرّت نصف السّاعة لكنّها باءت بالفشل وتوفّي إبراهيم متأثّراً بجراحه.

إضافة إلى ما سبق فقد أطلق الجنود النّيران نحو سيّارة متوقّفة كما نحو سيّارة أخرى مارّة - لم يصّب أحد من ركّابها.

هذه الحادثة بمختلف وقائعها المروّعة تؤكّد كم هي رخيصة حياة الفلسطينيّين بالنسبة إلى إسرائيل. يظهر من تسلسل الوقائع وتعقيبات الجيش على الحادثة أنّ الجنود شرعوا في إطلاق النّيران عشوائيّاً عقب إلقاء زجاجة حارقة نحو النقطة العسكريّة - علماً انّها محصّنة تماماً. أطلق الجنود نيرانهم داخل بلدة مأهولة دون أيّ اكتراث للنتائج الفتّاكة والمتوقّعة سلفاً في مثل هذه الحالة. هذا التصرّف المستهتر يعكس أيضاً نهج عمل جهاز إنفاذ القانون العسكريّ إذ عوضاً عن التحقيق في حوادث من هذا النوع يشغله بالأساس طمس الحقائق رغم إدراك نتائج هذه السّياسة إذ أنّها تمنح الجنود ضوءاً أخضر لمواصلة إطلاق النيران الفتّاكة علماً منهم أنّهم لن يخضعوا لإجراءات مساءلة أو محاسبة جرّاء ذلك.

إفادات شهود العيان على الحادثة سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي.

أدناه إفادة هيثم حامد - أدلى بها في 12.7.20 واصفاً ما جرى:

هيثم حامد. تصوير: سلمى الدّبعي, بتسيلم, 12.7.20

عند السّاعة 21:45 هاتفت صديقي إبراهيم أبو يعقوب وسألته إن كان يريد الخروج للمشي كعادتنا كلّ يوم بعد انتهاء يوم العمل. بعد ذلك توجّهت إلى منزله ومن هناك توجّهنا سويّة نحو منزل صالح الذي يبعد نحو 300 متر عن البرج العسكريّ المنصوب في المدخل الجنوبيّ للقرية وحين لم نجده في المنزل قفلنا عائدين في اتّجاه القرية.

لم نكد نبتعد عن منزل صالح مسافة مئة متر وعندئذٍ سمعت ثلاث أو أربع طلقات وفوراً سمعت إبراهيم يقول "أصابتني رصاصة في صدري. اتّصل بأسرتي". نظرت إليه فانتابتني الصّدمة لكثرة الدماء التي كانت تنزف من عُنقه من الجهة اليسرى. أسندته وأجلسته على الأرض ثمّ قلت له أن استلقِ وأعنته على الاستلقاء. في هذه الأثناء سمعت المزيد من الطلقات وكانت تطلق في صليات متوالية. قبل الإطلاق الذي أصيب جرّاءه إبراهيم لم أسمع أيّ إطلاق رصاص. طلبت من إبراهيم رقم هاتف أيّ من أفراد أسرته فلقّنني رقم هاتف أخيه عبد الله. هاتفت عبد الله وأخبرته بما جرى. قلت له إنّنا قرب منزل ممدوح. في اللّحظة نفسها مرّ أحد سكّان القرية ويُدعى ساري في سيّارة يقودها صديقه. حين رأى إبراهيم مستلقياً على الأرض أوقف السيّارة. أدخلنا إبراهيم إلى السيّارة وانطلقت مسرعة حتى قبل أن أصعد أنا معهم.

أدناه إفادة ساري أسعد (33 عاماً) من سكّان كفل حارس وهو الشخص الذي تنبّه لوجود إبراهيم وهيثم أثناء مروره من المكان في سيّارة يقودها صديقه - أدلى بها في 15.7.20

كنّا أنا وصديقي جالسين في السيّارة ونتحدّث. رأيت إبراهيم وهيثم وهما من قريتنا يمشيان في الشارع ويتوقّفان عند منزل قريب وهو منزل صالح. بعد ذلك ذهب الاثنان إذ يبدو أنّ صالح لم يكن في المنزل. هما عادة يضمّونه إليهما ليخرجوا سويّة في نزهة المشي.

لم يكد الاثنان يتقدمان في اتّجاه القرية حين سمعت 3 - 4 طلقات. بعد مضيّ دقيقتين أو ثلاث دقائق سمعنا إطلاق نار قويّ وكثيف. كان الصّوت يأتي من ناحية البرج العسكريّ المنصوب في المدخل الرّئيسيّ للقرية على بُعد نحو 300 متر من مكاننا. قلت لصديقي "دعْنا نذهب من هنا".

شغّل صديقي محرّك السيّارة وانطلقنا نحو القرية. بعد مئة متر شاهدنا هيثم وإبراهيم وكان الأخير مستلقياً على الأرض. سألتهما "ما الذي جرى؟" فأجابني هيثم أنّ إبراهيم قد أصيب. حملنا إبراهيم وأجلسناه على المقعد الخلفيّ ثمّ انطلقنا بسرعة نحو مستشفى سلفيت لأنّه الأقرب. ولكن عندما كنّا على بُعد نحو ستّين متراً من البرج العسكريّ شاهدت أربعة أو خمسة جنود يتحلّقون حول شابّ ملقىً على الأرض - وكانوا يبعدون عنّا عشرة أمتار. وجّه الجنود سلاحهم نحونا فوراً وبعضهم أطلق بضع رصاصات في الهواء. قلت لصديقي: "هيّا نعُدْ بسرعة إذ يبدو الوضع خطيراً".

قفلنا عائدين إلى داخل القرية لكي نسلك شارع كفل حارس الغربيّ ومررنا من المكان الذي حملنا منه إبراهيم فشاهدنا هيثم وكان لا يزال واقفاً هناك. توقّفنا وأخذنا هيثم الذي جلس على المقعد الخلفيّ بجانب إبراهيم وكان في حالة صدمة.

المنزل الذي كان يعيش فيه إبراهيم أبو يعقوب مع والدته. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم 12.7.20

أدناه إفادة زاهر أبو يعقوب (48 عاماً) وهو شقيق إبراهيم الذي استُدعي إلى المستشفى فوصل بعد مضيّ نحو رُبع السّاعة على إصابة شقيقه - أدلى بها في 21.7.20:

في ذلك المساء كنّا أنا وإخوتي وأخواتي في زيارة لوالدتنا. نحو السّاعة 22:00 سمعنا إطلاق رصاص ثمّ هاتفني أخي عبد الله وقال إنّ أخانا إبراهيم أصيب جرّاء إطلاق رصاص قرب مدخل القرية الجنوبيّ.

هرعنا جميعاً إلى هناك في سيّاراتنا وقد ركبت سيّارة أخي مروان. منزل والدتي يقع على بُعد نحو 800 متر عن مكان الحادثة. عندما وصلنا إلى مسافة 30 متراً عن البرج العسكريّ رأينا هناك نحو عشرة جنود وكان بعضهم يتحلّق حول شخص مستلقٍ على الأرض. ظننت أنّه إبراهيم ففتحت باب السيّارة لكي أتقدّم نحوه فأطلق الجنود الرّصاص في الهواء. رفعت يديّ إلى أعلى وحاولت أن أتحدّث معهم عبر نافذة السيّارة لكنّهم أطلقوا النيران مجدّداً. في اللّحظة نفسها هاتفني أخي رضوان وقال إنّ أحدهم قد نقل إبراهيم إلى مستشفى سلفيت. قلت له: "كلّا. إبراهيم ملقىً هنا قرب البُرج" فأوضح لي أنّ هذا شخص آخر. عندئذٍ استدرت بسرعة وتوجّهت نحو شارع كفل حارس الغربيّ ومن هناك وصلنا إلى المستشفى. استغرقنا ذلك نحو رُبع السّاعة.

عندما دخلنا إلى قسم الطوارئ شاهدت أخي إبراهيم والأطبّاء يحاولون إنقاذ حياته. كانت هذه لحظاته الأخيرة وكان في غيبوبة. شاهدت الجُرح في عنقه وكان الدّم ينزف من فمه. لقد كانت تلك لحظات صعبة جدّاً.

عندما فهم الطبيب أنّه لم يتمكّن من إنقاذ حياة إبراهيم أعلن عن وفاته. فحص الأطبّاء جسده. كان لديه جُرح في وسط ظهره (بين كتفيه) أصغر من الجُرح الذي في عُنقه. جميعنا كنّا مصدومين. لم أصدّق أنّنا فقدنا أخانا. لقد بنى منزلاً لكي يتزوّج. كانت والدتي تحثّه دائماً أن يخطب له فتاة فكان يردّ عليها "حسناً يا أمّي. بقيت فقط بعض الأمور لإتمام تجهيز المنزل وعندها سوف تجدين لي فتاة طيبة أخطبها". لقد ذهب من أيدينا هكذا فجأة وهو لم يفعل شيئاً. كان يعمل في سوبرماركت وكان يحبّ أن يساعد الناس. جميع أهل القرية كانوا يعرفونه ويحبّونه. إنّنا نفتقده كثيراً. وفاته فاجعة موجعة جدّاً بالنسبة لوالدتي فقد كانت متعلّقة به لأنّه آخر من بقي في منزلها منّا وكانا يقضيان معاً أوقاتاً طويلة.