Skip to main content
ساجد مزهر. صورة قدّمتها الأسرة مشكورة
Menu
المواضيع

عناصر قوّات الأمن قتلوا بنيرانهم المسعف المتطوّع ساجد مزهر (17 عامًا) تمامًا حين همّ لإسعاف جريح في مخيّم الدّهيشة للّاجئين

في يوم الأربعاء الموافق 27.3.19 نحو السّاعة 2:30 بعد منتصف اللّيل اقتحم جنود مخيّم الدّهيشة للّاجئين الواقع جنوبيّ بيت لحم. استمرّ الاقتحام مدّة 15 دقيقة تقريبًا وتخلّلته أعمال رشق حجارة قام بها شبّان من المخيّم فردّ الجنود بإلقاء قنابل الصوت وإطلاق قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط. خلال الاقتحام اعتقل الجنود أحد السكّان ثمّ غادروا المخيّم.

ساجد مزهر. صورة قدّمتها الأسرة مشكورة

لاحقًا نحو السّاعة 6:00 وبعد أن مضت عدّة ساعات على الاقتحام الأوّل عاد ما يقارب 40-50 جنديًّا وشرطيًّا إلى المخيّم وتحديدًا إلى حيّ الولجيّة. أثناء المواجهات التي اندلعت في المكان ألقى شبّان الحجارة نحو عناصر قوّات الأمن الذين أطلقوا عليهم الأعيرة الناريّة والرّصاص "المطّاطيّ" وقنابل الغاز المسيل للدّموع كما ألقوا قنابل الصوت. زعمت قوّات الأمن أنّ شبّانًا ألقوا نحو العناصر زجاجة حارقة وحجارة طوب خلال المواجهات. في هذا الاقتحام الذي استمرّ مدّة ساعة تقريبًا أصيب ثلاثة من السكّان بالرّصاص الحيّ (أحدهم أصيب في الكتف والثاني في كفّ يده والثالث في رجله). تواجد أثناء الاقتحامين طاقم مسعفين ومتطوّعين من سكّان المخيّم - يتبع "جمعيّة الإغاثة الطبّية الفلسطينيّة" (PMRS).

اعتقلت عناصر قوّات الأمن خلال الاقتحام اثنين من سكّان المخيّم وبعد ما يقارب 40 دقيقة أخذوا في الانسحاب من المخيّم في حين لاحقهم نحو عشرة شبّان وهم يرشقونهم بالحجارة. أثناء انسحاب عناصر قوات الأمن كان أحد المسعفين متواجدًا في شارع ألقت منه مجموعة شبّان أخرى الحجارة نحو الجنود. احتجز العناصر المسعف ورموا جهاز الاتّصال الخاصّ به على الأرض. وعندما كانت القوّة تتقدّم صاعدة في زقاق يؤدّي إلى حيث توقّفت المركبات العسكريّة بانتظار عودة العناصر أطلق أحدهم النار على أحد سكّان المخيّم (م. ج. البالغ من العمر 20 عامًا) وأصابه في رجله. في ذلك الوقت كان المسعف المتطوّع ساجد مزهر (17 عامًا) يقف على بُعد بضعة عشرات من الامتار خلف الشابّ وكان يرتدي الزيّ الذي يميّزه كمسعف في طواقم الإغاثة الطبّية. حين رآه يصاب ركض نحوه لكي يسعفه فأطلق أحد عناصر قوّات الأمن النار عليه من الزقاق الذي كانت القوّة تنسحب عبره. ولأنّ سيّارات الإسعاف لم تقترب من منطقة المواجهات نُقل ساجد مزهر في سيّارة خصوصيّة إلى مستشفى الحسين في بيت جالا ومن هناك تمّ تحويله إلى مستشفى جمعيّة التأهيل العربيّة حيث أجريت له عمليّة جراحيّة في بطنه - لكنّه فارق الحياة بعد مضيّ ساعة ونيّف.

م. ج. (20 عامًا، من سكّان مخيّم الدّهيشة للّاجئين) كان في الشارع الرئيسيّ للمخيّم نحو السّاعة 7:00 ورأى ما يقارب 40 جنديًّا يدخلون إلى الشارع. في إفادة أدلى بها في 6.4.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش، قال:

فجأة رأيت ما يقارب 40 جنديًّا ينزلون من الشارع الآتي من حيّ الولجيّة ويدخلون إلى الشارع الرئيسيّ. عندما رأيتهم فررت ركضًا إلى منزلنا وأثناء ركضي نظرت إلى الخلف فرأيت على بُعد 70 مترًا المسعفين ساجد مزهر وحمزة صراصرة ومسعفًا ثالثًا وكان الثلاثة يرتدون زيّ المسعفين. وأمامهم كان شبّان يلقون الحجارة نحو الجنود ويصفرون ويصرخون عليهم.

وبينما كنت أركض فارًّا أطلقوا نحوي رصاصتين أصابتا حائط "سوبرماركت الأخرس" الذي كنت قربه. يبدو أنّهم كانوا يستخدمون كاتم صوت حيث كان صوت الطلقة خافتًا. من شدّة خوفي توقّفت. فضّلت أن يأتي الجنود ويفتّشوني ويلقوا القبض عليّ عوضًا عن أن يطلقوا عليّ الرصاص. استدرت فرأيت جنديًّا في وضعيّة ركوع وهو يصوّب سلاحه نحوي وعندها أطلق عليّ رصاصة أصابت الجزء السفليّ من رجلي اليمنى. كانت المسافة بيني وبين القنّاص 7 أمتار على الأكثر.

حمزة صراصرة مسعف في طاقم ساجد مزهر، أدلى بإفادته في 28.3.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش فوصف ما حدث في ذلك اليوم:

نحو السّاعة 6:00 صباحًا اتّصل بي ساجد مزهر هاتفيًّا وقال لي إنّ الجيش اقتحم حيّ الولجيّة في المخيّم. كذلك اتّصل بي عبد المهدي غريّب مسؤول طاقم المسعفين وطلب منّي التواجد في حيّ الولجيّة وأن أرتدي زيّ المسعفين وآخذ معي صندوق الإسعاف. تواجدنا هناك على وجه السّرعة وكان ساجد أيضًا موجودًا. عندما وصلنا كان الجنود يطلقون الأعيرة الناريّة و"المطّاطيّة" وقنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع. كانت المواجهات عنيفة أكثر من تلك التي حدثت قبلها فجرًا. رأيت صديقي عبد المهدي يسعف شخصًا أصيب بعيار ناريّ فتقدّمت لكي أساعده. بعد أن أسعفنا المصاب تمّ نقله إلى المستشفى في سيّارة خصوصيّة. بعد مضيّ نحو 10 دقائق أصيب شخص آخر في كتفه وأسعفناه ثمّ نقلوه إلى المستشفى أيضًا في سيّارة خصوصيّة.

سمعت إطلاق رصاص حيّ كثيف. أوقف الجنود شخصًا اسمه معالي معالي ثمّ أخذوا في الانسحاب. كان ذلك بعد أن مكثوا في الحيّ مدّة 40-50 دقيقة. انسحب الجنود نحو الشارع الرّئيسيّ (شارع بيت لحم - الدّهيشة) أثناء ذلك احتجزوا صديقي المسعف خ.م. ورموا جهاز الاتّصال الخاصّ به على الأرض.

لاحق بعض الشبّان الجنود المنسحبين الذين كانوا قد عبروا الشارع قبالة دائرة المرور في أعلى الزقاق. رأيت في آخر الزقاق عددًا من المركبات العسكريّة تنتظر الجنود. تبعنا الشبّان. كان بعض الشبّان قد وقفوا وسط الشارع قبالة الطريق الصّاعدة التي يمرّ منها الجنود المنسحبون. كان الجنود قد ابتعدوا نحو 80-100 متر في الزقاق الصّاعد. في تلك اللّحظة أصيب شخص فركض ساجد - الذي كان يقف إلى جانبي - لكي يسعفه. علمت لاحقًا أنّ اسم المصاب م.ج. أنا تخوّفت من الرّكض نحوه لأنّ بعض الشبّان كانوا لا يزالون يرشقون الحجارة.

فجأة رأيت ساجد يقع أرضًا وكان المسعف عبد المهدي قريبًا منه. ركضت نحوهما. كان ساجد ملقًى وظهره إلى الأرض - وكان يرتدي زيّ المسعفين. سمعته يقول إنّه أصيب في رجله. بحثنا عن الجرح أنا وعبد المهدي ولكن لم نعثر على جرح في رجله. بسرعة فهمنا أنّ إصابته خطيرة لأنّه بدأ يدخل في حالة إغماء أو غيبوبة.

أوقف الشبان سيّارة مرّت من هناك. حملنا ساجد وأدخلناه إلى السيّارة - أنا وعبد المهدي والسّائق وتوجّهنا إلى مستشفى الحسين. في منتصف الطريق أوقفنا سيّارة الإسعاف التي نقلت الجريح الثاني من المخيّم (م. ج.) ونقلنا ساجد إليها.

عبد المهدي غريّب (23 عامًا) وهو مسؤول عن طاقم المسعفين أدلى بإفادته في 27.3.19 أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش واصفًا تسلسل الأحداث:

نحو السّاعة 6:00 اتّصل بي هاتفيًّا المسعف المتطوّع ساجد مزهر قائلًا إنّ الجيش اقتحم المخيّم ثانيّة. توجّهت إلى المكان وخلال وقت قصير وصل من أعضاء الطاقم: ساجد وحمزة صراصرة وخليل محمد وأخي عبد ومسعفان أو ثلاثة مسعفين آخرين. بقيّة أعضاء الطاقم تواجدوا في أماكن أخرى أمّا فريقنا فتوجّه إلى حيّ الولجية. تابعنا الأحداث طيلة ما يقارب 40 دقيقة حيث كان الجيش يطلق قنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع والرّصاص "المطّاطيّ" على الشبان الذين كانوا يرشقون الحجارة. لم أرَهم يلقون أشياء أخرى. نحن حرصنا على التصرّف وفق التعليمات لكي نحمي أنفسنا ومن ذلك بقاؤنا بعيدين عن الجنود وعن راشقي الحجارة.

سمعت أنّ الجيش اعتقل شابّين أحدهما يُدعى معالي معالي. أخذ الجنود ينسحبون من حيّ الولجيّة نحو الشارع الرّئيسيّ وعندها علمت أنّهم اعتقلوا شابًّا ثالثًا - لم أعرف وقتئذٍ ما اسمه.

قال سكّان الحيّ إنّ الجنود جاءوا في البداية في شاحنة فلسطينيّة وبعد مدة اقتحمت المنطقة قوّة كبيرة من الجنود وعناصر من شرطة حرس الحدود يرتدون الزيّ الأسود. قدّرت أنّ عدد الجنود المنسحبين كان أكثر من 50. سار الشبان في أعقاب الجنود المنسحبين وعندما وصل هؤلاء إلى الشارع الرّئيسي أصيب شابّ بعيار ناريّ في كتفه. قدّمت له الإسعاف في المكان أنا والطاقم وتمّ بعد ذلك نقله إلى المستشفى في سيّارة خاصّة. بعد عدّة دقائق أصيب شابّ آخر في إصبعه ونقل هو أيضًا إلى المستشفى. رأيت الجنود يصعدون في زقاق البرنس ورأيت في آخر الزقاق نحو 9 مركبات عسكريّة تنتظرهم.

الشبّان الذين كانوا على الشارع الرئيسيّ رشقوا الجنود المنسحبين بالحجارة - عن مسافة أقلّها 50 مترًا. كنت أنا وطاقم المسعفين خلف الشبّان وعندما أصيب أحدهم في رجله ركضنا نحوه. كان ساجد يركض إلى جانبي وفجأة وقع أرضًا - قبل أن نصل إلى الشابّ الجريح. قال ساجد إنّه أصيب في رجله. تقدّمنا نحوه لكي نكشف عن الإصابة ولكنّني لم أجد في رجله أيّة علامة لجرح. فحصت صدره ويديه ورجليه ولم أجد مكانًا فيه جرح. رغم ذلك خمّنت أنّ إصابته بليغة لأنّه توقّف عن الكلام وأخذ يردّد "الشهادتين". بسرعة أوقفت سيّارة عبرت في الشارع وساعدني زملائي على إدخال ساجد إلى السيّارة التي نقلته فورًا إلى مستشفى الحسين في بيت جالا. رافقت ساجد في السيّارة وفي الطريق كان في شبه غيبوبة. كان فقط يرفع الإصبع الشاهد ويردّد "الشهادتين".

دخلت معه إلى قسم الطوارئ. عندما مزّق الأطبّاء ثيابه تبيّن أنّه مصاب في أسفل بطنه. لم يكن هناك أيّ نزيف خارجي فقدّر الأطبّاء أنّه مصاب بنزيف داخليّ حادّ.

والد ساجد عبد الحكيم مزهر (53 عامًا، متزوّج وأب لأربعة أولاد) أدلى بإفادته في 6.4.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش، محدّثًا عن ابنه:

كان ساجد ابني البكر. تطوّع مع طواقم الإسعاف قبل سنتين تقريبًا وكان ملتزمًا جدًّا بعمله. حذّرته عدّة مرّات أنّه يعرّض نفسه للخطر فكان يجيبني أنّه يرتدي سترة خاصّة بالمسعفين ولذلك لا يجرؤون على إطلاق النار عليه. كنت فخورًا به جدًّا رغم خوفي عليه من التعرّض للإصابة مثلما حدث لابن عمّه أركان الذي قُتل قبل ثمانية أشهر.

في الآونة الأخيرة تقدّم ساجد للامتحانات في مدرسة السالزيان. لقد درس كثيرًا واستعدّ للامتحانات بحيث كان واثقًا أنّ معدّله في التوجيهي سيكون جيّدًا ويؤهّله لدخول الجامعة. كنت مطمئنًّا عليه من هذه الناحية.

يوم وقعت تلك الأحداث كان نسي ساجد هاتفه في المنزل. بعد السّاعة 7:00 بدقائق معدودة رنّ هاتف ساجد فردّ شقيقه خليل (16 عامًا). فسأله الشخص المتّصل "أين جاءت إصابتك يا ساجد؟" وعندها انقطعت المكالمة. هكذا علمنا أنّه أصيب. ارتدت زوجتي ملابسها بسرعة وقالت إنّها ذاهبة لتستوضح ما الذي جرى بينما أنا أخذت أتابع الأخبار وأتصفّح مواقع التواصل الاجتماعي فعلمت أنّ مسعفًا أصيب في المخيّم بجراح بليغة وأنّه نُقل إلى مستشفى الحسين. فهمت أنّ المقصود هو ساجد على ما يبدو ولكنّي لم أشأ أن أصدّق ذلك. ومع ذلك توجّهت فورًا إلى المستشفى.

وصلت إلى هناك نحو السّاعة 7:30 وكذلك زوجتي وأفراد آخرون من الأسرة. جميعهم حاولوا أن يهدّئوني ويطمئنوني أنّ ساجد فقط مصاب وأنّه قيد العلاج. رأيت ساجد يجلس على كرسي متحرك في قسم العناية المكثّفة ففهمت أنّ حالته خطيرة ولكنّي لم أدرك كم هي خطيرة. خرجنا جميعًا لكي نتيح للأطبّاء معالجته ولكنّهم بعد ذلك نقلوه في سيّارة إسعاف إلى مستشفى في بيت لحم فتبعنا سيّارة الإسعاف وذهبنا إلى هناك.

نحو السّاعة 9:30 علمنا أنّ ساجد قد استُشهد. بكينا جميعًا. سمعت زوجة أخي تصرخ وتقول "يا ألله! ألا يكفي أنّك أخذت منّا أركان؟".

حتّى الآن أنا لا أصدّق أنّ ساجد قُتل. أتذكّر طوال الوقت تفاصيل مختلفة من حياته. لا أستوعب كيف يطلق الجنود النار عليه أثناء قيامه بواجبه الإنسانيّ كمسعف وفي حين كان يرتدي الزيّ الخاصّ بالمسعفين. لماذا فعلوا ذلك!؟ لماذا أطلقوا الرّصاص على أحلامه وآماله وحبّه للحياة ولبني الإنسان؟ ليست لديّ إجابات على هذه الأسئلة.

بعد مضيّ ساعات معدودة على وفاة ساجد مزهر نشر الناطق بلسان جيش إسرائيل بالعربيّة شريط فيديو زُعم أنّه يظهر فيه مسعف ينزع السترة الخاصّة بالمسعفين ويرشق الحجارة عن سطح أحد المنازل وهو يرتدي قميصًا أبيض. تبدو هذه الفعلة محاولة دعائيّة لتبرير إطلاق النيران الفتّاكة على المسعف ساجد مزهر. أمّا تحقيق بتسيلم فيبيّن بوضوح أنّ النيران أطلقت على ساجد في مكان آخر أصلًا - على الشارع الرّئيسي في المخيّم. بذلك ينكشف ضعف الشريط حتّى في تحقيق هدفه الدّعائيّ فكم بالحريّ هدف تفسير أو تبرير إطلاق النّار على مسعف متطوّع في الـ17 من عمره. لقد كان هذا أحد أربعة أحداث انتهت بقتل فلسطينيّين حقّقت فيها بتسيلم منذ بداية شهر 2019 وتبيّن في جميعها أنّه لم يكن أيّ مبرّر لإطلاق النيران الفتّاكة على يد قوّات الأمن.

* في 21.4.19 نشرت وسائل الإعلام أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة قد باشرت التحقيق.