Skip to main content
سكان خربة حمصة بين أنقاض تجمّعهم، 4 تشرين الثاني 2020. تصوير: سريت ميخائيلي، بتسيلم
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

كلمة مدير عامّ بتسيلم أمام لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الأوروبيّ

أدناه نصّ الخطاب كاملاً

قبل أسبوعين في الثالث من تشرين الثاني نفّذت إسرائيل واحدة من أكبر عمليّات الهدم في السّنوات العشر الأخيرة حيث قامت خلال ساعات بهدم خربة حُمصة وهي تجمّع سكّانيّ فلسطينيّ يقع في الأغوار الشماليّة. بذلك شرّدت إسرائيل 74 شخصاً بضمنهم 41 طفلاً. عشرات المنازل والمرافق ومصادر المعيشة جرى تدميرها بالكامل.

هذه المعاناة ليست من نصيب حُمصة وحدها إذ استهدفت إسرائيل عشرات التجمّعات السكّانيّة الفلسطينيّة في شتّى أنحاء الضفة الغربيّة المحتلّة. إنّها سياسة التهجير القسريّ الإجراميّة حيث تتعمّد إسرائيل تحويل حياة سكّان هذه التجمّعات إلى كابوس دائم لكي تجبرهم على الاستسلام والرّحيل. إنّه كابوس سنوات من ظروف حياتية لا تُحتمل كعدم الارتباط بشبكة الكهرباء وعدم الحصول على مياه جارية؛ سنوات من الهدم والاضطرار إلى مغادرة منزلك مؤقتاً - ريثما تُنهي القوّات الإسرائيليّة تدريباتها على أرضك والعُنف المتواصل الذي يمارسه المستوطنون بدعم من قوّات الأمن الإسرائيليّة. كلّ عُنف الدّولة المنظّم هذا نجده أحياناً قد تكثّف واختُزل في بضع ساعات سوداء مثلما حدث في حُمصة. إنّها جريمة حرب سواء استغرق تنفيذها سنوات أو بضع ساعات فقط.

في ردّه وصف الاتّحاد الأوروبيّ الحدث بأنّه "توجُّه مؤسف" وقال إن "مثل هذه التطوّرات تشكّل عائقاً أمام حل الدولتين".

دعوني أقولها بوُضوح: إسرائيل تعلم بحُكم تجربتها منذ عشرات السّنين أنّ أسوأ ما يمكن أن تواجهه هو الإعلان عن القلق بمثل هذه التعبيرات التي لا تمسّ صُلب الموضوع. الشوارع التي تمرّ منها الجرّافة الإسرائيلية في طريقها لهدم منزل فلسطينيّ آخر لا حول له ولا قوّة كلّها معبّدة بهذه الخطابة الفارغة. كلّ مرّة تُستخدم فيها العبارات المهذّبة عوضاً عن تسمية الجرائم بمسمياتها تستمدّ منها إسرائيل جسارة لمُواصلة سياسات اضطهاد الفلسطينيّين وقمعهم بالعُنف وسلب ممتلكاتهم. هذا الإذعان الدوليّ المجمّل بكلام لا معنى له عن "حلّ الدولتين" هو العمود الفقريّ لواقع غير ديمقراطيّ في جوهره نعيشه الآن أي واقع الدّولة الواحدة.

يعلم الجميع - في العواصم الأوروبيّة وفي هذا البرلمان أيضاً - أنّ المزيد من التصريحات لن يوقف الهدم القادم. عندما تخلو السّطور من أيّ شيء لا تتكبّد إسرائيل حتى عناء قراءة ما بين السّطور لكي تميّز الضوء الأخضر يشير لها أن استمرّي في اضطهاد الفلسطينيّين. وبدون نتائج وعواقب حقيقيّة سيظلّ هذا الضوء الأخضر يُرسل إشعاعه.

حُمصة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة طالما الإفلات من العقوبة هو القاعدة. تعاني التجمعات الفلسطينية في كافة أنحاء الأغوار من تنكيل مشابه فيما تستمر إسرائيل في إقامة المزيد من البؤر الاستيطانية. في القدس تُجبر الأسر الفلسطينيّة على إخلاء منازلها لكي يسكن فيها مستوطنون يهود. على بُعد بضعة كيلومترات شرقاً ينتظر تجمّع خان الأحمر دوره. في تلال جنوب الخليل تترقّب التجمّعات الفلسطينيّة بخشية قرار الحُكم المنتظر أن تصدره محكمة العدل العليا ليختم معركة خاضوها طوال عشرين سنة لأجل البقاء على أراضيهم. إنّها محكمة عادلة لدرجة أنّها لم تُصدر أبداً حكماً ضدّ جهاز التخطيط "الكافكائيّ" الذي تديره إسرائيل في الضفة الغربيّة والمصمّم خصّيصاً لمنع التطوير الفلسطينيّ من جهة وإصدار رُخص لبناء وتوسيع المستوطنات من جهة أخرى. ومن خلال قيامها بشرعنة كلّ هذا تشكّل أعلى الهيئات القضائيّة في إسرائيل العامل الرّئيسيّ الذي يمكّن إسرائيل من انتهاك القانون على نحو صارخ يتجسّد في سياسة التهجير القسريّ.

هذا كلّه يحدث منذ عشرات السّنين - وما زال يحدث بعد أن وضعت إسرائيل حاليّاً على الأقلّ خطّة الضمّ الرسميّ لأجزاء من الضفة الغربيّة جانبًا. لا فرق أن يكون ضمّ الأراضي فعليّاً بحُكم الأمر الواقع أم رسميّاً بحُكم القانون لأنّ المكانة القانونية للأراضي الفلسطينيّة لم تشكّل يوماً عائقاً أمام إسرائيل في الدّفع بمصالحها على حساب حقوق الفلسطينيّين. من الواضح أنّه لو اكترثت إسرائيل للقانون الدوليّ أو احترمت حقوق الإنسان لما بنت أكثر من 250 مستوطنة يقيم فيها اليوم ما يقارب الـ600,000 إسرائيليّ.

هل تحتاج أوروبا حقّاً إلى إعلان الضمّ الرسميّ لكي ترى الواقع كما هو؟ كم من سنوات الاحتلال المستديم وكم من التصريحات العلنيّة من أفواه قادة إسرائيليّين، كم من مشاريع البُنى التحتيّة وكم من المستوطنين تحتاج أوروبا لكي تفتح عينيها وتُبصر واقع سيطرة إسرائيل الدّائمة على كلّ شيء وكلّ إنسان بين النهر والبحر؟ مئة سنة احتلال؟ مليون مستوطن؟ ماذا ينتظر الاتحاد الأوروبيّ؟

يمكن للاتحاد الأوروبيّ أن يُدخل في حساب سياساته الخارجيّة عواقب انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان وقد سبق لأوروبا أن استخدمت نفوذها كرافعة ناجحة في السّابق. التقاعس عن ذلك خيار سياسيّ يقوض التزام أوروبا بحقوق الإنسان ويُضعف القواعد التي يقوم عليها النظام الدوليّ؛ والتقاعُس عن ذلك يطبّع الاضطهاد وينزع إنسانيّة الفلسطينيّين - لأنّه كما هو واضح لم يحدث أن تمّت مساءلة أو محاسبة أحد جرّاء اضطهادهم الأبدي. لا عند تدمير تجمّع بأكمله واقتلاعه من أساسه ولا عند إطلاق الرّصاص الحيّ على مئات المتظاهرين على امتداد شريط غزّة الحدوديّ ولا عندما مُحيت من الوجود عائلات بأكملها عقب قصف منازلها خلال القصف المكثّف لغزّة في العام 2014. لا الآن ولا من قبل أبداً.

هناك مسؤوليّات تقع على عاتق أوروبّا. إنّها الجسم الدوليّ الأكبر من حيث حرصه الجوهريّ على الديمقراطيّة وحكم القانون. وفي جوار أوروبا تماماً تحدث منذ سنين وفي وضح النهار انتهاكات صارخة وممنهجة لحقوق الإنسان. دعوا الخطابة الفارغة جانباً. انظروا إلى الواقع كما هو. دافعوا عن القيم الإنسانيّة الكونيّة التي نصّت عليها القوانين في أعقاب الحرب العالميّة الثانية. دافعوا عن حقوق الفلسطينيّين. لقد آن الأوان.