Skip to main content
 مستوطن يدلي بصوته في انتخابات 2006 في مستوطنة بيت إيل محافظة رام الله. تصوير غوران طومسفيتش، وكالة رويترز، 28.3.2006
Menu
المواضيع

انتخابات "صفقة القرن" واحتلال لا ينتهي

حجاي إلعاد، مدير عامّ منظّمة "بتسيلم", نُشر المقال للمرة الأولى في جريدة النيويرك تايمز

 

يسمي الرّئيس ترامب خطّة السّلام التي أعدّها بـ"صفقة القرن". متى من المتوقّع نشر الخطّة على الملأ أخيرًا؟

من الواضح أنّ ذلك لن يحصل قبل 9 نيسان موعد الانتخابات في إسرائيل. ولكن كم من الوقت بعد الانتخابات سيمرّ؟ "خلال أقلّ من عشرين سنة" قال وزير الخارجية مايك بومبيو بنبرة غير مُلزمة أمام إحدى لجان الكونغرس.

على كلّ حال خطط السّلام الأمريكيّة ليست أمرًا جديدًا. هل هناك من يذكر مثلًا "خطّة روجرز" - على اسم مخطّطات السّلام التي أعدّها وزير الخارجية ويليام روجرز في عهد الرّئيس نيكسون قبل خمسين سنة؟ في عام 1970 عندما ناقشت الكنيست خطّة روجرز الثانية قدّر أحد النوّاب أنّه "خلال وقت ليس ببعيد - ربّما سنة أو سنة ونصف وربّما سنتان على الأكثر - سيزول الشيء المسمّى "مناطق مُدارة" وسوف ينسحب الجيش الإسرائيليّ إلى داخل حدود إسرائيل". طبعًا، "الشيء" أبعد ما يكون عن "الزّوال". وبينما خطط روجرز قد طواها النّسيان تواصل تغييب واقع الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة تحت المزيد من خطط السّلام التي طرحها الرؤساء الأمريكيّون المتعاقبون. الاحتلال الإسرائيلي تعمّق وتطوّر: غزّة أصبحت سجنًا مفتوحًا هو الأكبر في العالم وتُقصف مرّة كلّ عدّة سنوات حتّى الإخضاع؛ شرقيّ القدس ضُمّ رسميًّا لإسرائيل؛ والضفة الغربيّة أصبحت أرخبيل باستونتانات فلسطينيّة مطوّقة بالمستوطنات وجدران العزل والحواجز ومعرّضة لعنف مزدوج من قبَل الدولة والمستوطنين معًا. وبعد، هذا ليس كلّ ما حقّقته إسرائيل: إنجاز إسرائيل الحقيقيّ هو قدرتها على أن تفعل كلّ ذلك دون أن تتعرّض لمساءلة أو محاسبة ودون أن تدفع على ذلك ثمنًا دوليًّا والاحتفاظ مع ذلك بلقب "ديمقراطيّة نشطة" كـ"لوغو" دعائيّ ثمين.

ما خطّه التاريخ في السّنوات الخمسين الأخيرة هو ما يجب أن نعترف بأنّه الصّفقة الحقيقيّة: الصّفقة التي ما زالت سارية المفعول وهي صفقة نصف القرن وشروطها كما يلي: ما دامت إسرائيل تطوّر مشروعها الاحتلاليّ ضمن الحفاظ على قدْر من الوحشيّة لا يتعدّى العتبة التي تستفزّ ردّ المجتمع الدوليّ حيث يُسمح لها أن تواصل ذلك إلى جانب تمتّعها بامتيازات دوليّة متنوّعة مبرّرة عبر الالتزام النبيل والخاوي في الوقت نفسه بما أسماه مؤخّرًا رئيس الحكومة نتنياهو "القيم المشتركة للحرّية والديمقراطيّة".

يأتي بنا ذلك إلى التاسع من نيسان اليوم الذي سيدلي به الإسرائيليّون بأصواتهم لبرلمان يحكم مواطنين إسرائيليّين وأيضًا ملايين الرّعايا الفلسطينيّين المحرومين من حقّ الاقتراع هذا. ولكي يدلي المستوطنون الإسرائيليّون في الضفة الغربية بأصواتهم ويقرّروا مصير جيرانهم الفلسطينيّين لا يُطلب منهم حتّى أن يأتوا إلى صناديق الاقتراع داخل إسرائيل. وحتّى المستوطنون في قلب الخليل يمكنهم أن يدلوا بأصواتهم هناك في صناديق مسجّل فيها 285 صاحب حقّ اقتراع (من ضمن نحو ألف مستوطن) يحيطهم نحو 200,000 فلسطينيّ جميعهم محرومون من حقّ الاقتراع. أو كما تسمّي إسرائيل ذلك: "ديمقراطيّة".

إنّها الانتخابات الـ15 منذ بداية الاحتلال ويبدو في المعركة الانتخابيّة الحاليّة أنّ حياة الفلسطينيّن طُرحت كمسألة للنقاش أقلّ من أيّة انتخابات سابقة - إلّا إذا ما ورد ذكرهم في سياق عدّ قتلاهم والاحتفال بتدمير حياتهم. في بداية هذه السنة نشر الجنرال بني جانتس - الذي يقود حاليًّا حزب "المركز" وهو المنافس الرّئيسيّ لرئيس الحكومة نتنياهو - شريط فيديو يُبرز فيه كم من "المخرّبين" الفلسطينيّين قُتلوا في غزّة في صيف 2014 حين كان قائد أركان الجيش (وفقًا لتحقيق بتسيلم معظم هؤلاء القتلى هم مدنيّون وبضمنهم أكثر من 500 طفل). ومن جانبه وعد السيّد نتنياهو باستمرار الاحتلال إذا ما بقي في منصبه: "لن أقسّم القدس ولن أقتلع أيّة بلدة وسأكون حريصًا أن نسيطر على جميع الأراضي غربيّ نهر الأردن". صرّح بذلك في مقابلة مساء يوم السّبت.

بدلًا من الانشغال بحقوق الفلسطينيّين وحرّياتهم يتمحور موسم الانتخابات حول شبهات الفساد التي تطال نتنياهو والذي يبدو أنّه ستقدّم ضدّه لائحة اتّهام في هذا الشأن. ولكن، هل الأسرة الفلسطينيّة التي سوف يُقتل ابنها دون أن يحاسَب أحد على ذلك أو التي ستهدم جرّافة إسرائيليّة منزلها يهمّها إن كان رئيس الحكومة نتنياهو المسؤول عن هذه السياسة فاسدًا أم ناصع اليد؟

ربّما سنعرف في وقت ما بعد 9 نيسان ما هي "صفقة القرن" هذه التي يطرحها ترامب. وعمليًّا لا يسعنا إلّا أن نتساءل: هل نحن حقًّا لا نرى كيف تتشكّل هذه الصفقة على أرض الواقع أمام أنظارنا؟ في أيّار الماضي نقلت إدارة ترامب سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس؛ وبعد مضيّ بضعة أشهر على ذلك جرى تقليص الدّعم المقدّم للفلسطينيّين ولوكالة الأمم المتحدة المنوط بها تقديم الغوث للّاجئين الفلسطينيّين؛ ومؤخّرًا أتت خطوة الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان والتي احتفل بها مسؤول إسرائيليّ كبير باعتبارها مؤشّرًا إلى ما يكنّه المستقبل في كلّ ما يتعلّق بالضفّة الغربيّة.

من الصّعب أن نتخيّل "صفقة القرن" إلّا كاستمرار لصفقة نصف القرن. ذلك تقريبًا ما قاله ديفيد فريدمان السّفير لدى إسرائيل في مقابلة لواشنطن إكزامينر عندما نوّه أنّ الإدارة "تريد أن ترى تحسينًا كبيرًا في وضع الأوتونوميا الفلسطينيّة، طالما لا يشكّل ذلك خطرًا على أمن إسرائيل". لكنّ الفلسطينيّين يستحقّون حرّية تامّة وليس حكمًا ذاتيًّا محسّنًا عبر حملة تسويق امريكيّة لا تعني أكثر من استمرار الاحتلال. أي مستقبلًا يقوم لا على مبادئ العدالة والقانون الدوليّ وإنّما على مزيد من السّيطرة والاضطهاد وعُنف الدولة المنظّم.

إذا لم يُزل المجتمع الدّوليّ "صفقة القرن" عن الطاولة ويفرض بذلك أخيرًا على إسرائيل أن تختار ما بين مواصلة اضطهاد الفلسطينيّين ودفع الثمن المستحقّ فسوف يستمر الاحتلال. إدارة ترامب لن تفعل ذلك بالتاكيد. من يمكنه أن يفعل ذلك هو هيئة الأمم المتّحدة ومجلس الأمن والدول المركزيّة في الاتّحاد الأوروبيّ - الذي هو الشريك التجاريّ الأكبر لإسرائيل - والرأي العام العالميّ. وعلى الأمريكيّين الذين يؤمنون بحقوق الإنسان والديمقراطيّة بصدق لا كشعارات خاوية وكمطالب أصيلة لا كورقة مساومة أن يكفّوا عن انتظار الانتخابات الرّئاسيّة التي ستجري في 2020 لأجل تفعيل قوّتهم السياسيّة.

إلى جانب ذلك استمرار نهج الاستيلاء على الأراضي وفرض القيود على حرّية التنقّل والحركة والحرمان من الحقوق السياسيّة - وكلّها كانت من ركائز نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا وهي أيضًا اعتبرت نفسها دولة ديمقراطيّة. كثير من الإسرائيليّين يعتبر 9 نيسان عرْسًا للدّيمقراطيّة. لكنّ المسألة أنّ الأمر ليس كذلك. يوم الانتخابات ليس أكثر من تذكير مؤلم لواقع هو بكلّ وضوح غير ديمقراطيّ واقع يسرّ إدارة ترامب كثيرًا أن تديمه للأبد - ويسرّ بقيّة المجتمع الدولي أن يتيح استمراره إلى أن ينظر ويرى الواقع على حقيقته أخيرًا. نحن قربة 14 مليون إنسان يعيشون على هذه الأرض ونحتاج مستقبلًا يستحقّ أن نناضل لأجله: مستقبل يقوم على الإنسانيّة المشتركة للفلسطينيّين والإسرائيليّين إيمانًا منهم بمستقبل عماده العدالة والمساواة وحقوق الإنسان والديمقراطيّة - لنا جميعًا.