Skip to main content
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

الكشف عن المعلومات الداخليّة في قضيّة مقتل يوسف الشوامرة: ضباط أرسلوا جنودًا إلى كمين ضدّ فتيان فلسطينيّين كانوا يعرفون أنّهم لا يشكّلون أيّ خطر. النتيجة: مقتل فتى عمره 14 عامًا، وإغلاق الملف من دون تقديم أحد للمحاكمة.

EPA،يوسف الشوامرة بالقرب من الجدار الفاصل، تشرين الأول 2013. تصوير: عبد الهشلمون.
،يوسف الشوامرة بالقرب من الجدار الفاصل، تشرين الأول 2013. تصوير: عبد الهشلمون EPA.

في آذار 2014 أطلق جنود اسرائيليون النار على يوسف الشوامرة (14 عامًا) وأردوه قتيلاً، حين مرّ برففة اثنين من اصدقائه عبر ثغرة في الجدار الفاصل في منطقة قرية دير العسل الفوقا جنوبي الضفة الغربية، من أجل قطف العكوب للمساعدة في إعالة عائلته. وقد أقيم الجدار الفاصل في هذه المنطقة في داخل منطقة الضفة الغربية على بعد نحو 200 متر شرقيّ الخط الأخضر. ومن جانب القرية الغربيّ ظلّت منطقة زراعية تابعة لعائلة الشوامرة، وهي المنطقة التي قصدها الفتية الثلاثة. وأشار استقصاء بتسيلم برفقة المواد التي كُشف عنها في ملف تحقيق الشرطة العسكريّة، إلى أنّ الشوامرة أصيب بالرصاص في وضح النهار، ومن دون أن يشكل خطرًا على أحد. في تموز 2014، وبعد زهاء الأشهر الأربعة على الحادثة، أعلن المقدّم "رونين هيرش"، نائب الشؤون الميدانيّة وقتها، أنّ النائب العسكريّ العام قرّر إغلاق ملف التحقيق وعدم تقديم أحد للمحاكمة، "في ظلّ غياب اشتباه بالخروج على تعليمات إطلاق النار وضلوع جهة عسكريّة في أفعال جنائيّة". ومن ضمن ما قاله المقدم "هيرش" في رسالته، إنّ أربعة جنود كانوا في كمين وشخّصوا ثلاثة فتيان فلسطينيّين يمرّون عبر الجدار الفاصل بعد إتلافه. قام الجنود بإجراء اعتقال مشبوه، قام أحد الجنود في نهايته بإطلاق الرصاص صوب الجزء السفلي من رجل الشوامرة، إلّا أنّه أصابه في خاصرته عن طريق الخطأ، ما أدّى إلى قتله.

تلقّت منظمة بتسيلم بعض أجزاء ملفّ التحقيق، ومن ضمن ذلك جزء من توثيق الفيديو المصور بكاميرا المراقبة العسكريّة. وقد أشارت موادّ التحقيق وتوثيق الفيديو المصوّر إلى وقوع عدّة أخطاء في الاستقصاء الأوّلي الذي نشرته بتسيلم، إلّا أنّ خلاصة الاستقصاء والأبعاد الفظيعة الخاصة بالحادثة، جرى تأكيدها وإثباتها بالذات أكثر من ذي قبل: يتّضح من موادّ التحقيق أنّ ثلاثة فلسطينيّين –شاب في الثامنة عشرة وقاصريْن- اقتربوا من أماكن في الجدار احتوت ثغرات معروفة فيه، كان فتيان المنطقة يدرجون على العبور من خلالها لقطف العكوب في أراضي عائلاتهم التي ظلّت ما وراء الجدار. في المساء السابق للحادثة أغلق الجيش هذه الثغرات، وقامت قوة الكمين عند وصولها المكان بتثبيت عمليّة التصليح بواسطة أسلاك حديديّة وأغلال. عندما تبيّن الشبان من إغلاق الثغرات، بدؤوا بفكّ الأسلاك الحديديّة وإعادة فتح إحدى الثغرات. وعند انتهائهم من ذلك، عبر الشبان الجدار والطريق الأمنيّة الملاصقة له. وعندها فقط كشف اثنان من جنود القوّة عن نفسيهما، إذ كانا ينتظران طيلة الوقت بين الأعشاب المجاورة للموقع، وناديا على الشبان بالتوقف، وأطلقا رصاصتيْ تحذير في الهواء، ثم أطلقا الرصاص على الشوامرة (14 عامًا) فوقع قتيلاً.


 ملخص توثيق الفيديو المصور من خلال كاميرا المراقبة. لمشاهدة كلّ مقاطع الفيديو التي وفرها الجيش يُرجى الضغط هنا

يشير فحص موادّ التحقيق إلى أنّ التحقيق كان جزئيًا ومستخفًّا، ولم يحاول تبيّن التناقضات التي وردت في إفادات المشتبهين والشهود إلى جانب التجاهل التامّ لمسؤوليّة الضباط المسؤولين عن نصب كمين مسلّح في الموقع.

فالمحققون لم يحاولوا التعامل مع التناقضات التي وردت في أقوال الجنود بما يخصّ تعليمات إطلاق النار التي تم تحديدها للقوة. ويتّضح بجلاء من خلال مراسلات "واتس أب" بين الجنود وقت الحادثة أنّ قسمًا من الجنود على الأقل قالوا إنّ الحديث يدور عن قاصرين، إلّا أنّ تعليمات إطلاق النار صوب القاصرين لم تكن واضحة لهم: فبعضهم ادّعى في التحقيق أنّ الأوامر التي تلقّوها حظرت أيّ إطلاق للنار صوب قاصرين، فيما قال البعض الآخر إنّ هذا الحظر لم يتطرّق إلّا للأطفال دون سنة 12. لم يحاول المحققون استيضاح هذا التناقض وتجاهلوا تمامًا حقيقة أنّ التعليمات التي تسمح بإطلاق الرصاص الحيّ على قاصرين فوق سن 12، في ضمن ملابسات الكمين المخطّط، هي غير قانونيّة بالمرّة.

مراسلات
مراسلات "واتس أب" بين الجنود أثناء الحادثة. من ملف التحقيق لدى شرطة التحقيق العسكريّة

ولم يتطرّق الباحثون أيضًا إلى السؤال حول الغاية من وراء الكمين الذي نُصب بجوار الجدار. وادّعى الجنود والضباط أنّ الغاية منه كانت منع إلحاق الأذى بالجدار. لكنّ الجنود لم يقوموا في واقع الأمر بفعل أيّ شيء لمنع مثل هذا الأذى. بل على العكس؛ فقد انتظروا في الكمين إلى حين إلحاق هذا الأذى بالجدار، وعندها فقط كشفوا عن أنفسهم وأطلقوا النار صوب الثلاثة.

يتضح من أقوال الرقيب أول "أوفير"، الذي كان يقود الكمين، لدى شرطة التحقيق العسكريّة، أنّ إطلاق الرصاص على الشوامرة لم يكن نتيجة غير متوقعة للحادثة بل على العكس- فهذا ما تجهّز له الجنود بالضبط. وهو يدّعي أنّ القوة قامت كجزء من الاستعداد للكمين بالتأكد من سدّ كلّ الثغرات بحيث يكون مؤكدًا أنّ من يعبر الجدار اضطر لإتلافه، ولذلك فإنه يكون "مُضرّ بالجدار"- ولمجرّد هذا التعريف فإنه يُعتبر مشتبهًا باقتراف جريمة خطرة تبرر اتباع إجراء اعتقال مشتبه ضدّه، بما يشمل إطلاق الرصاص على رجليه. وتحدث الرقيب أول "أوفير" عن تأكد مُطلق النار أثناء تموضع الجنود في الكمين من وجود "خط نار نظيف" باتجاه الثغرات التي سُدّت في الجدار.

لم يسأل المحققون الرقيب أول "أوفير" عن سبب قراره منذ البداية، عبر سدّ الثغرات، خلق وضعيّة يتحوّل فيها إنسان ما إلى "مشتبه بارتكاب جريمة خطرة"، ولماذا كان عليه منذ البداية التأكد من "خط نار نظيف". ويأتي هذا في الوقت الذي كان بالإمكان فيه وقف الأشخاص الذين يقتربون من الجدار قبل إلحاق الأذى به، من خلال وسائل وتدابير أخرى.

نائب قائد كتيبة المدرّعات 77، الرقيب أول "أفيشاي"، أدلى بإفادته لدى شرطة التحقيق العسكريّة، وقال إنّ المنطقة التي أطلق فيها الرصاص على الشوامرة تتميّز بالكثير من الانتهاكات للجدار الفاصل على خلفيّة تهريب منتوجات من الضفة الغربية إلى إسرائيل، وبتنقل قاطفي العكوب في هذا الموسم من السنة الذي قُتل فيه الشوامرة. إنّ نصب كمين جنود مسلحين بالذخيرة الحيّة فقط، وتخطيط خط النار الموجّه إلى من يلحق الأذى بالجدار وإصدار تعليمات ضبابيّة لإطلاق النار- كلّها تشير إلى مسؤولية الضباط المسؤولين عن إطلاق الرصاص غير القانونيّ صوب الشوامرة، إلّا أنّ التحقيق لم يتطرّق إلى هذه المسؤوليّة إلّا بشكل سطحيّ ومستخفّ، هذا إذا تطرق أصلاً. وقد اكتفت النيابة العسكريّة بهذا التحقيق ولم تطلب استكماله، رُغم أنّ الأمر يقع في ضمن صلاحيّاتها. وقد تطرّق استنتاجها بأنّ الحادثة سارت على ما يرام إلى أداء الجنود على الأرض فقط، من خلال تجاهل مسؤولية الضباط المسؤولين.

يجب على تخطيط نشاطات شرطيّة أن يلائم طابع النشاط والمهمة. فسياسة نصب الكمائن في الضفة، والتي يستخدم الجنود الاسرائيليين فيها الذخيرة الحية فقط، أدّت منذ مطلع عام 2013 إلى مقتل ما لا يقلّ عن سبعة فلسطينيّين. وقد قُتل فلسطينيان آخران في ملابسات مشابهة. وتسمح هذه السياسة بوقوع الأذى الفتاك أو الجسيم، أيضًا، بأشخاص لا يشكّلون الخطر على الناس. إنّ قرار النيابة العسكرية عدم اتخاذ تدابير ضدّ أيّ شخص من الضالعين في الحادثة، يمنح شرعية لمثل هذه المسلكيات غير القانونية.

يجب على الجيش أن يتوقّف عن نصب الكمائن مع جنود مسلّحين بأسلحة فتاكة فقط. يجب أن يدرك الجنود الناشطين في الأراضي المحتلّة أنّ إطلاق الرصاص الحيّ ممنوع، باستثناء الظروف الاستثنائيّة التي تُعرّض الجنود أو أشخاصًا آخرين لخطر حقيقيّ على الحياة.